إبراهيم الكوني: الثورات تفشل لأنها تختار الطريق الأسهل وهو تغيير ما بالعالم الذي هو ظل بدل تغيير ما بالنفس الذي هو أصل ولكنه عصيٌّ (4 ـــ 4)

الأديب الليبي العالمي إبراهيم الكوني (خاص لـ بوابة الوسط)

في الحلقة الرابعة والأخيرة من حوار الكوني الشامل لـ«الوسط» يروي لنا كواليس الكتب المصادَرة في عهد معمر القذافي، ولماذا لم يفكر في إعادة نشرها بعد نفاد طبعاتها. يخبرنا أيضًا عن واقع معايشته لأحداث مصيرية في تاريخ كثير من الأمم، التي جعلته يجزم بـ«وهم التغيير عبر الثورات»، كما يُقيـِّم المجريات المصيرية التي وقعت في العالم العربية والمعروفة بـ«الربيع العربي»، ويفسر لنا كيف انقلب الربيع صقيعًا؟، وأخيرًا مستقبل ليبيا.. إلى أين؟

الممنوع من النشر

• كتبك التي منعت من النشر على يد القذافي، «ثورات الصحراء الكبرى»، «نقد الفكر الثوري»، «ملاحظات على جبين الغربة»، هل تفكر في إعادة نشرها بعد نفادها وصعوبة الوصول إليها، وكيف ترى أمر المنع من النشر بعد مرور عشرات السنين؟
عسير على إنسان يحمل بيته على منكبيه ويعبر به هذا العالم، كما الحال مع عدوس السرى، أن يتفرغ ليعيد طباعة كتب، لأن الضائع في هذه الحال ليس الكتب المنشورة، أو المصادرة، وحدها، ولكن المكتبة أيضًا حِمل ضائع، لأن صاحب الشأن نفسه مخلوق ضائع.

فمكتباتي التي خلفتها ورائي منذ أُطلقت من أمّ واحات جنوب ليبيا، إلى اليوم، سلسلة، كانت نواة التكوين تلك ضحيتها الأولى، تلتها مكتبتي بطرابلس التي غادرتها إلى موسكو في 1970، ثم مكتبتي بموسكو عند عودتي الأولى إلى طرابلس لأشهر العام 1977، ثم مكتبتي بطرابلس عند مغادرتي لها إلى وارسو العام 1978، ثم مكتبتي بوارسو عند مغادرتي لها إلى موسكو في العام 1987، ثم مكتبتي الكبرى التي عوّلتُ عليها كثيرًا، والجامعة لكل ما أنتجه العقل البشري منذ الأزل التي أضحت ضحية أخرى العام 1993 عند مغادرتي موسكو إلى سويسرا، لأني شحنتها إلى طرابلس قبل الانطلاق إلى سويسرا، ومازالت معتقلة في صناديق أطلقت عليها اسم التوابيت، لأبدأ من نقطة الصفر في سويسرا لتأسيس نواة لمكتبة جديدة، حرصت على حملها فوق منكبي مع بيتي عند الانتقال إلى إسبانيا في العام 2012، فكيف بالإمكان الحصول على طبعات أولى منفية لإعادة طبعها، إذا كان الأَوْلى أن أنقذ ما يمكن إنقاذه من طبعات الأحدث عهدًا المصادرة في ليبيا أيضًا فعليًّا؟ فالمفارقة أن المكتبة إذا كانت ملاذًا روحيًّا، بيد أن طبيعتها كثقل مادي يحولها عبئًا جسديًّا من الصعب أن يحتمله الإنسان الذي اعتنق الهجرة دينا.

وهم الثورات وتغيير العالم

• عايشتَ أحداثًا مصيرية أثناء وجودك في ليبيا وترحالك في أوروبا، وعقدت فصولًا مطولة في سيرتك الذاتية قدمت فيها نقدًا وتشريحًا جوهريا لنظام القذافي والبلدان الأوروبية التي عشت بها، لو قــُــدِرَ لك أن تصف السنوات الأخيرة والمعروفة بـ«الربيع العربي» فماذا تقول عنها؟
بلى! كان لي شرف أن أكون شاهدًا على ثورات، وانقلابات، وانهيار إمبراطوريات عبر العالم خلال النصف قرن الأخير، الذي كنت فيه أمر بليل هذا العالم. ففي 1969 شهدتُ سقوط النظام الملكي في بلادي ومجيء الضباط الأحرار إلى السلطة، ثم شهدت قيام الحرب الأهلية اللبنانية مطلع 1975، ثم قيام ثورة الخميني في إيران مطلع 1979، ثم قيام حركة التضامن ببولندا مقر حلف وارسو التي زعزعت أركان المنظومة الشيوعية برمتها، أثناء عملي كمندوب لجمعية الصداقة الليبية البولندية بوارسو منذ 1978 حتى 1987. ثم شهدت انهيار الاتحاد السوفياتي بالعام والشهر واليوم والساعة واللحظة عقب عودتي الثانية للإقامة في موسكو مطلع 1987 حتى مطلع 1993؛ وأستطيع أن أُجزم بعد تأمل عميق لكل هذه الزلازل بعدم جدوى القيام بأي مغامرة غايتها تغيير ما بالعالم، ما لم يمر هذا التغيير بالنفس أولًا، ذلك أن سبب فشل كل الثورات عبر التاريخ، إنما يرجع إلى الجهل بحقيقة النفس البشرية: نفس هي في الصفقة مع العالم أصل، في حين يلعب العالم فيها دور الظل. ولكننا بدل أن نذهب إلى الحرم الأعظم الذي يسكن النفس في مسألة التغيير، نهرع إلى العالم لإحداث التغيير في الظل الذي لم يكن سوى الانعكاس لنا، بدل أن نحتكم إلى الأصل الذي يسكننا، لنُحدث فيه التغيير بوصفه الأصل، ولو فهمنا الآية الكريمة: «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم» لأدركنا كم نخطئ في حق أنفسنا، ونجني على العالم أيضًا عندما نذهب لنخاصم العالم، لنخاصم الظل، بدل أن نسكن إلى أنفسنا، ونعمل كل ما بوسعنا كي نغير من بأنفسنا، لأن الحقيقة لا تسكن العالم الذي هو انعكاسٌ بائسٌ لنا، ولكنها تسكننا نحن. ولو فعلنا لاكتشفنا أن العالم قد تغير تلقائيًا من خلال تغير ما بنا، ليبرهن على حقيقته كظل، على حقيقته كانعكاس لنا، ولسنا نحن انعكاس له.

الأيديولوجيات أفسدت التسامح الذي كان تعويذة الليبيين في الزمن الضائع

فالتغيير الذي نعول عليه في بعده السياسي كى يحقق لنا الخلاص ليس تجربة دنيوية فقط، ولكنه تجربة وجودية، السياسة فيه مجرد هامش، أما المتن فيه فهو الوجود. ومأساتنا أننا نغلِّب الهامش ونحوله متنًا، في حين نستهين بالمتن ونحوله هامشًا. والدوامة التي شهدتها الثورات في تاريخها، وعشناها بحذافيرها في عالمنا العربي في ثورات تفاءلنا بها، وخلعنا عليها لقبًا جليلًا هو «الربيع»، فإذا بها تخذلنا وتقلب هذا الربيع صقيعًا، إنما يرجع السبب في هذه الخطيئة التي اقترفناها كما اقترفها الذين سبقونا، التي تقف من الوجود موقفًا مقلوبًا؛ إلى أنها ترى الظاهر باطنًا، والباطن ظاهرًا، عندما تتجاهل ما بالنفس، مقابل الاحتكام إلى ما بالعالم؛ لسبب بسيط وهو أن النفس التي لم تنعتها الأديان بالسوء مصادفة تواقة إلى الاندفاع في السبيل الأسهل، وتتجنب السير في السبيل الأعسر، لأن تغيير ما بالنفس تجربة روحية تستدعي احتمال نزيف من جنس آخر هو نزيف الروح الأكثر استعصاء بما لا يقاس من نزيف الدم الذى نسفحه كثمن لمغامرتنا الثورية في بُعدها الحرفي. فالمبدأ الذي يجب أن نعتمده في حياتنا دينا ليس أن نغير، ولكن أن نتغير، لأننا إذا أفلحنا في أن نغير على مستوى الروح، بصفتنا كأفراد يكونون مجموعًا فسوف يتغير المحيط الذي ننتمي إليه تلقائيًّا، وسيهيمن بالتالي السلام بيننا وبين خصم خالد اسمه العالم.

• مستقبل ليبيا.. إلى أين؟
لسنا في حاجة لمواهب عرّافات معبد دلفى لكي نتنبأ بمستقبل أية أمة، إذ يكفي أن نحسن قراءة حاضر الأمة المعنية لكي نستجلي مستقبلها. ففي العام 1970 استطاع إنسان في سن العشرين أن يتنبأ في بحثه المكرس لمحاور ندوة «الفكر الثوري» المنعقدة بطرابلس، بالمآل المحزن الذين سيؤول إليه مستقبل الليبيين في حال أبى مجلس قيادة الثورة إلا أن يضع تلك المحاور الطائشة موضع التنفيذ في واقع الليبيين، فصادرت السلطات الكتاب الصادر بهذا الشأن، ولكن مصادرة الكتاب لم تشفع للسلطات مفعول الكتاب، لأن الإخفاق الذريع الذي انتهت إليه تلك النوايا كان له الشهادة التاريخية على صواب النبوءة.

فإنسان مثلي لا يملك إلا أن يعبر عن امتنانه للعناية الإلهية التي مكنته أن يحيا في واقع تلك المرحلة الذهبية من ستينات القرن السالف التي كان فيها دين الليبيين الحب الذي كان لهم عونًا في احتضان أقليات كانت امتيازًا، بل وثراء، في واقعهم الثقافي والاجتماعي والسياسي، قبل أن تتدخل في شأنهم الأيديولوجيات البغيضة لتفسد عليهم هذا التسامح الذي كان في حياتهم تعويذة شهدت لهم بها الأمم منذ العصور الوسطى، ومن يقرأ كتاب «عشر سنوات في بلاط طرابلس»، لمؤلفته البريطانية، توللي، سوف يدهشه أن تتفوق ليبيا في القرنين السابع عشر والثامن عشر على بلدانٍ كثيرة في شأن هذا الناموس المقدس في العلاقة بالجاليات الدخيلة، كمصر وتونس وإمبراطورية مراكش، بل وحتّى على أوروبا نفسها؛ لأن كل شيء في واقع البراءة، كان معاديًا بطبعه البكر، لكل ما متَّ بصلة بوباء الحداثة الملقب في لغة اليوم بالأيديولوجيا.

لو ذهبنا إلى تغيير ما بأنفسنا بدل تغيير ما بالعالم لهيمن السلم على العالم

هذه الأيديولوجيا هي البعبع الذي أفسد على الليبيين حياتهم، واستباح قيمهم، وغرّب فيهم مكارم الأخلاق التي توارثوها عن أسلافهم، كما حدث إبان هيمنة الدولة القومية، وها هي هذه الأيديولوجيا تقتحم وجدانهم من جديد اليوم متنكرة هذه المرة بقناع الدين، لتنتهك أنبل ما فيهم وهو الحب الذي كان، في مرحلة ما، في مسلكهم ناموسًا يرتقي إلى مستوى اليقين. فإذا لم يعملوا ما بوسعهم كي ينكروا نبي الزور الملقب بالأيديولوجيا اليوم، فلن يفلحوا في استعادة فردوسهم المفقود أبدًا.

الحلقة الأولى من حوار الأديب العالمي إبراهيم الكوني مع «الوسط»

الحلقة الثانية من حوار الأديب العالمي إبراهيم الكوني مع «الوسط»

الحلقة الثالثة من حوار الأديب العالمي إبراهيم الكوني مع «الوسط»

كلمات مفتاحية

المزيد من بوابة الوسط