إبراهيم الكوني يكتب عن أبوبكر يوسف في أربعينيته: فتنة الظل (1 - 2)

الكوني يكتب عن أبو بكر يوسف (بوابة الوسط)

رحيل أبو بكر يوسف هو رحيل لآخر فارس استطلاع لهذا الجيل الذي كان شاهدًا على العصر الذهبي للحضور الثقافي العربي في رحاب روسيا الحديثة منذ خروجها من قمقم الستار الحديدي الستاليني في خمسينات القرن الماضي، واستمر حتى بعد انقضاء المرحلة السوفياتية، وقيام روسيا الفدرالية على أنقاضه منذ ثلاثة عقود، ليكون شاهد العيان الأخير على عصر كامل استغرق ستة عقود.

فعند حلولي في رحاب موسكو العام 1970، في تلك المرحلة المفصلية من تاريخنا الحديث، كان الاتحاد السوفياتي كعبة الزمن الضائع، المجبولة بأنفاس الحلم الأممي، التي تحج إليها كل نفس تواقة لحقيقة، وكل مريد مهووس باستعادة فردوسه المفقود، لتغدو موسكو المحفل الذي لملم شمل رموز ثقافية لعبت دورًا بطوليًّا في تشكيل الوعي العربي المعاصر، فلم يكن من قبيل المصادفة أن نجد أبو بكر يوسف قد سبقني إلى هذه الرحاب بعقد كامل، في وقت تزامن مع مغادرة ربيب المنافي عبد الوهاب البياتي قبل وصولي بأمد قصير، ليتبعه محمود درويش الذي كان قد فرَّ من حبوس اغترابه في وطنه ليرتاد عالم المنفى لأول مرة، دون أن يدري بالطبع أن موسكو لم تكن سوى العتبة الأولى في درب منفى سوف يستمر ليغدو له قدرًا سيرافقه حتى اللحد؛ لأن المغادرة إلى القاهرة لم تكن سوى استبدال لمنفى بمنفى، تمامًا كما لم تكن المغادرة إلى القاهرة أيضًا بالنسبة للبياتي سوى استبدال منفى بمنفى، برغم الهوية الثقافية العربية لواقع المنفى الجديد.

غادر هذان الرمزان ليعقبهما حلول رمز آخر في رحاب موسكو هو غائب طعمة فرمان الذي أقبل مستبدلًا منفاه في بكين بمنفاه الجديد في موسكو الذي تشبث به طوال الأعوام التالية، ليكون لنا في محنة اغترابنا العزاء وأي عزاء، إلى أن فجعنا به في مطلع التسعينات المشؤومة التي لم تكتفِ، ولكنها أبَتْ إلا أن تفجع مستضيفينا في فردوسهم المستعاد، يوم وضعت تلك الخاتمة التراجيدية لأول محاولة بطولية لإنسان هذه الأرض في استرداد الحلم الأبدي الضائع، باسترجاع الغنيمة الغيبية الضائعة، من بُعدها في المحال، من بُعدها في المثال، وتوطين كيانها في واقع الحس الخؤون الذي لا يعول عليه.

نزلتُ موسكو برفقة طيف هو الراحل صادق مرغم، ليكون في استقبالنا في حمى اغترابنا طيف آخر كان قد سبقنا إلى هناك هو محمد التاجوري، الذي كان لنا عزاء آخر على المستوى الشخصي، كما سيكون غائب وأمثال غائب، عزاءنا على المستوى الثقافي، في تلك المرحلة المبكرة من حضورنا في ربوع المنفى، التي سبقت التعرف على أبو بكر يوسف عندما ورث دور الترجمان في السفارة الليبية من ابن جلدته الراحل ماهر عسل، أيام سطوع نجمه في وسائل الإعلام العربية بفضل قيامه بالتراجم الروسية في كبريات الصحف العربية.

يبدو أن تفوق الروس في معاندة غنيمة هي في يقينهم قدس أقداس كما الجمال هو سر هوسهم بالشعر

تلك كانت رحلة رومانسية حقًّا، في مناخ ثقافي مشفوع بروح الشعر، برغم قسوة الواقع البيئي. ويبدو أن تفوق الروس في معاندة غنيمة هي في يقينهم قدس أقداس كما الجمال هو سر هوسهم بالشعر، لأنه التميمة الوحيدة القادرة على أن تهون من قسوة الطبيعة، وتهب الطاقة الكافية لإذابة جليد الواقع البيئي. وها هم الشعراء يتقاطرون من كل فج عميق لكي ينهلوا من هذا النبع، فيغادر حسب الشيخ جعفر، وتاج السر الحسن، للتو بعد أن نالا نصيبهما من الغنيمة النفيسة من معهد غوركي للآداب، قبل أن التحقُ به بأمد قصير، وها هو جيلي عبد الرحمن رفيقهما في الشعر، وفي الدراسة بمعهد غوركي، قد تخلف عن ركبهما ليعمل محررًا بجريدة «أنباء موسكو»، محوِّلًا بيته إلى نادٍ أدبي في شقته المواجهة لمبنى الخارجية السوفياتية التاريخي. فكان يستضيفنا فيه لنتجادل حول ما اُستُجد من أحوال واقعنا العربي الحامي آنذاك، في وقت كان كل ركن فيه يغلي، دون أن نتخيل أن ذلك كله لم يكن في المحصلة سوى باطل أباطيل. كنا حالمين، ورومانسيين، وظامئين إلى المعنى، بل ومحمومين بضرورة الفوز بالمعنى، ولم نكن ندري بالطبع أن ما نتوهمه معنى، ما هو إلا ما لا يُنال على سبيل الهبة، لأن العالم الذي يواجهنا لم يعتد أن يجود بالقيمة دون نزيف وجيع، بل وفجيع، لكي يوقظ فينا غنيمتنا المأمولة، لأنها الذخيرة التي تسكننا نحن، ولا تسكن العالم المفلس الذي نستجديها فيه.

في منتدى جيلي عرفتُ الشاعر كمال الجزولي، ومثقفين آخرين عربًا وروسًا أمثال إيغور يارماكوف المستشار باتحاد الكتاب السوفيايت الذي ربطتني به تاليًا علاقة صداقة لم تنل منها الأيام، في وقت تزامن مع التحاقي بمعهد غوركي للآداب الذي سبقني إليه برهان الخطيب، لأتعرف على جلال الماشطة الذي كان يزورنا في بيت طلبة المعهد الواقع في محيط برج تلفزيون «أستانكينو» أقصى شمال العاصمة. أما المعهد فيقع في قلب موسكو، في «تفرسكوي بولفار» الذي يخترق ميدان بوشكين، الذي يتوسط شارع غوركي، تحديدًا في المبنى التاريخي الذي كان يومًا نزلًا لأحد أهم رواد الحركة الثقافية الروسية في القرن التاسع عشر «هيرتسن». وعلى بعد مئة متر، عبر البولفار، يقع مقر السفارة الليبية في مبنى تاريخي أيضًا، وعلى بعد مئة متر أخرى يقع مقر اتحاد الكتاب السوفيات، فكان هذا المثلث هو جنتي التي أتنقل في رحابها حال خروجي من المعهد، مشيًا على الأقدام، في عاصمة شاسعة، بل هي الأكثر اتساعًا من بين عواصم العالم. ففي السفارة كان مكتب أبو بكر يوسف يواجه المدخل العتيد. وكنت أحرص أن أحل في مكتبه في كل مرة لكي أروي ظمئي إلى الهم الذي كان لنا قاسمًا مشتركًا أعظم، وهو الثقافة، قبل أن أحل في أرباع الروتين، حيث يقبع موظفون منفوشون بالخواء، وبأكذوبة فظيعة اسمها الدبلوماسية، ما لبثت أن تحولت في نفوسهم وباءً خبيثًا زوَّر فيهم الروح على نحو جعل الجلوس في واقعهم حضورًا في الجحيم! وكم كنت أرثي لأبي بكر اضطراره لأن يتعامل مع ملة كتلك لا في وجوده الحرفي بينهم وحسب، ولكن في حرفة عمله كترجمان لرسائل روتينية ميتة في الفحوى، أو في تعريب حمولة الصحف اليومية، وما حوته من مضامين هي في أفضل الأحوال نفاية! وأفترض دومًا أن على أمثاله أن يجتهدوا في اختراع الحيلة التي تمكنهم من غسل أرواحهم جيدًا بعد كل تجربة مع عالم النفايات ذاك، قبل أن يعودوا إلى رشدهم عند حلولهم في محراب كالأدب، كي يمارسوا وساطتهم النبيلة في نقل الذخيرة القدسية إلى لغة أخرى، هي في الواقع، بمثابة وجود آخر، لأن الترجمة هنا ليست سوى وصية حب مرسلة من أمة هنا، موجهة إلى أمة أخرى هناك، وما الترجمان في الصفقة سوى الرسول الحامل للبلاغ المبين. وهو ما حاول أبو بكر يوسف أن يفعله بإخلاص في مسيرة استغرقت عقودًا، عل أهم حُجة فيها هو كونه الرائد في مسألة قد تجهلها الأغلبية، وهو أنه كان الفارس الذي كان له الفضل في أن يكون رأس الرعيل الذي افتتح خزنة ثرية واستثنائية في تاريخ الأدب العالمي كالأدب الروسي لينقل وصية هذا الأدب الرسالي الرائد إلى لغة الضاد رأسًا، لا من خلال لغات أجنبية وسيطة كالفرنسية أو الإنجليزية، كما حدث طوال القرنين الأخيرين بسبب غياب رسل الترجمة من اللغة الروسية. وهو عبث، بل عار لم تكن الثقافة العربية لتغتفره لنفسها، كما حدث مع أعمال أنبياء الأدب العالمي كدوستويفسكي وتولستوي وتورغينيف وتشيخوف، وغيرهم من ملحمة الأدب الروسي التي لا تُجارى، وكان على القارئ العربي الظامئ للمعرفة أن يتلقاها عبر لغات دخيلة وسيطة أخرى، ليأتي أبو بكر يوسف ليضع حدًّا لهذا التجديف في حق وصية لا تختلف عن أية رسالة، ما دامت الفحوى فيها هي إعلاء شأن الحقيقة.

وأعترف اليوم أني لم أكن لأحترف الاغتراب إلا للتكفير عن خطيئة كهذه، مثلي في ذلك مثل الأتراب من جيلي، الذين لم يضحوا بالأوطان إلا لاقتناء اللغات التي تكسر فينا الطوق، وتفتح أمامنا الآفاق للارتواء من ينابيع هي في النهاية الضمان الوحيد لاستعادة الحقيقة الضائعة.

وهذه الريادة، في نقل رسالة تحوي الحقيقة، هي الوسام على صدر أناس أمثال أبو بكر يوسف، قد يفنوا كما فنى من سبقهم، ولكن الوسام هنا هو بمثابة البُرْدَة التي لا تفنَى، لأن بفضلها انفتح الباب على مصراعيه على ذخائر خزنة الروح التي لا تفنى.

مع منتصف السبعينات التحق بركب منفانا عبد الرحمن الخميسي بعد أن تمكَّن من القفز خارج قارب القمع الساداتي

مع منتصف السبعينات التحق بركب منفانا عبد الرحمن الخميسي بعد أن تمكن من القفز خارج قارب القمع الساداتي، لنلتئم لأول مرة معًا عندما نزلنا أضيافًا على مؤتمر أدباء آسيا وأفريقيا المنعقد في طشقند العام 1976، ثم تواصلنا في موسكو حتى مغادرتي لها في 1977. وكان يحرص على استضافتي في بيته كلما نزلتُ موسكو في زياراتي التي لم تنقطع حتى تاريخ عودتي الثانية للإقامة في مطلع 1987 لأتلقى اتصالًا هاتفيًّا من صديقنا المشترك يارماكوف في وقت لم أكن ألتقط فيه أنفاسي بعد وعثاء سفر بري طويل من وارسو حتى موسكو، لينعى لي نبأ رحيل الخميسي في فجر اليوم التالي من وصولي، لتفقد الدياسبورا الثقافية العربية، بترجل هذا الفارس، أحد أشجع رموزها، ويفقد أبو بكر يوسف سندًا كان في تجربة الجالية المصرية تحديدًا، بمثابة الأب الروحي، فلم يجد مفرًّا من أن يخطو إلى الأمام في استجارته بتعويذته القديمة التي استعان بها كترسٍ ضد دنياه كطبيعة ثانية في السنوات التالية، سيما في مرحلة مخاض البرسترويكا، ليكون شاهدًا على قدرتها في نهش كيان الإمبراطورية من الداخل، كأنها ورم خبيث، ولم تتوقف حتى أطاحت بالكيان. وكان من الطبيعي أن يصيب زلزال الانهيار الفجائي نفوسًا موسوسة أمثال أبو بكر يوسف بصدمة هي نتيجة طبيعية لخيبة أمل في نظام ظل حتى ذلك الحين يترنم بمعزوفة الفردوس المفقود الذي آلى على نفسه أن يستعيده ويقيم له كيانًا على الأرض. فالظل كان ملاذًا في حياة نموذج سخر نفسه لعمل رسالي كالترجمة على طريقة أبو بكر يوسف، وهو ما جنبه إشراك النزهة البوهيمية التي كانت آفة أدباء تلك المرحلة فلم يسلم من مفعولها رفاق له أمثال جيلي عبد الرحمن، أو جلال الماشطة، أو حتى عبد الرحمن الخميسي نفسه، فتستدرجهم إلى قطار الأجل قبل الأوان، لأنها كانت الأفيون الذي أدمنه المثقفون، فظلت الإغواء الذي خذل الكبار، لا على مستوى العافية البدنية وحسب، ولكن على مستوى الإبداع أيضًا؛ لأن لهذه الجنية يرجع الفضل في إجهاض مشاريع هؤلاء الكبار، فخنقت فيهم كلمتهم عندما أسكتتهم قبل الأوان. وهو الفخ الذي استطاع أمثال أبو بكر يوسف أن يجتنبوه بفضل التشبث بتلابيب الظل واعتناق العزلة دينًا. وهو ما لن يعني بالطبع قطع حبل الصلة بعالم المحافل بالمطلق، كما برهن بحضوره للمآدب التي اعتاد جلال الماشطة أن يقيمها على شرفي كلما حللت ضيفًا في رحاب منفاي القديم بموسكو، سواء سنوات اغترابي عنه في وارسو، أو أعوام اغترابي الثاني في سويسرا؛ لأن العزلة إذا كانت قد أجارته من داء البعبع البوهيمي، بيد أنها لم تكن لتشفي غليله إلى منتديات أصدقاء يعتمدون الأدب قوت يومهم، وموضوع لقاءاتهم، سيما في الزمن الذي تلا انقشاع الحلم، الناتج عن انهيار برج بابل التراجيدي، ليهيمن ذلك الخواء المميت الذي لم يجد له الجيل المبلبل بالروح الرومانسية تعبيرًا أنسب من «نهاية التاريخ»، ليخيم الحداد في النفوس الهشة بطبيعتها طوال تسعينات القرن السالف دون أن يكشف الأفق، حتى ذلك الوقت، عن وجود أمل بديل. إنها تلك المرحلة التي شاءت الأقدار أن تجمعني فيها بتلك الرموز الثقافية العربية التي لم يُكتب لي أن أدركها في وطن المنفى، موسكو، يوم حللت بها في ربيع 1970 أمثال عبد الوهاب البياتي الذي التقيته مصادفةً في مكتب ماهر كيالي صاحب المؤسسة العربية للدراسات عندما حللتُ بعمان العام 1993 لطبع ملحمة «السحرة». وكم أدهشني أن يفز من جلسته واقفًا حال دخولي ليحتضنني مهللًا دون سابق معرفة بيننا، ولكن سحرًا اسمه الشعر كان السفير بيننا، الشعر لا بالمعنى الحرفي بالطبع، ولكن بمدلوله الجمالي، وهو ما ترجمه قائلًا إن روح رواية «التبر» هي الوسيط بيننا، وهو الذي قرأها عند صدورها لأول مرة، فلم يكتفِ، ولكنه بشر بها أيضًا عندما قام بتزكيتها لكل أصدقائه، كما اعترف لي. ولكن يبدو أن ذاك اللقاء كان في عرف القدر بمثابة حجة وداع في حضرة ذلك الهرم الذي فطر جيلنا على أشعاره، وليس لقاءً لاغتنام أنبل ما في الوجود وهو الصديق.

إذ لم يمضِ وقت طويل حتى بلغني نبأ رحيل الرجل عن عالمنا. والمدهش أن تتكرر التجربة ذاتها مع رمز آخر هو محمود درويش الذي تابعتُ في وسائل الإعلام حسن ظنه بما أكتب قبل أن ألتقيه بعد أمد طويل، ليكون ذلك اللقاء منذورًا للوداع، كما الحال مع البياتي، مما ذكرني بعمله النثري الرائع «ذاكرة للنسيان» الذي يصلح هنا وصية تترجم نبوءة. ففي 2006 كنا أضياف شرف في معرض اليونيسكو للكتاب المنعقد في تورينو بإيطاليا، مع الطاهر بن جلون الذي كنت قد عرفته بطرابلس عندما دعاني السفير الفرنسي لحضور مأدبة العشاء التي أقامها على شرفه في بيته العام 2004. في تلك المرة فقط التقيت درويش الذي سبقني يومًا إلى موسكو، وغادرها قبل أن أدركه بأمد قصير، وكم سعدت بلقاء هذا الفارس الأسطوري الذي خيم أدبيًّا على عقد الستينات، وهو الخارج من فلسطين المغتربة كأنه يقبل علينا من بعث دام طويلًا، وكلي أمل آنذاك في أن نتواصل كي نحقق لقاءً قريبًا يكون قنطرة تترجم العلاقة من بُعد النص، إلى بُعد الشخص. ولكن هيهات! فقد فُجعتُ في هذا الرمز الشعري، الإنساني، بعد ذلك اللقاء بشهور، فهُزمت للمرة الثانية، لأن فقد الصديق هي الخسارة التي لا تعوض أبدًا، فإذا كان هذا الإنسان شاعرًا أيضًا فتلك خسارة مرتين.

وعل تجربتي مع الطيب صالح خسارة أخرى، لأن القدر شاء أن يحرمني منه ما أن أسعدني بلقائه، فخسرتُ الرهان من جديد، ولكن يبقى العزاء في أنهم لم يغادروا قبل أن ألتقيهم.

ففي العقود التي أعقبت اغتراب المنفى من هويته كمنفى، ليغدو اغترابًا داخل اغتراب، كنت أحل في موسكو بين الفينة والأخرى لأرتاد المكتبات بغرض اقتناص ما جد من إصدارات، أو لاغتنام ما هلَّ من وصايا أموات ما قبل التاريخ، بتراجم تحررت من أسر الرقابة الأيديولوجية، فحلت ضيفًا على الأسواق، لألتقي في موسم حج كهذا قدامى الأخلة سواء من الروس، أو ممن تبقى من محفل منفانا القديم، لأن أنقاض البرج كنست في طريقها جلهم، ليغادروا إلى كل فج، ولكن أبو بكر يوسف وحده مضى يتشبث بتلابيب الظل، متخذًا من حميمته العزلة حجابًا أجاره من بلبلة تلك المرحلة، في وقت بدأت فيه رموز القافلة التليدة ترتحل أولًا بأول، لا إلى المنافي الجديدة، البديلة عن المنفى الفاني، ولكن إلى أم المنافي، إلى رحاب وطن المنتهى، ألا وهو: الأبدية. وها هي الأنباء تنعى لي رحيل جيلي عبد الرحمن في مستشفى بالقاهرة، ويغيب عبد الله القويري بطرابلس، ويقتفي أثره صادق النيهوم في جنيف، لينضم جيلاني طريبشان إلى الوفد بجبل نفوسة، ويُقبل جلال الماشطة سفيرًا للجامعة العربية في موسكو ليترجل فجأة أخيرًا، ثم ينعى لي الخل القديم محمد التاجوري صديقنا المشترك صادق مرغم، وها هو أبو بكر يوسف يتوارى عن الأنظار، بعد أن اعتكف بالبيت أمدًا، قبل أن يبلغني زميله التاجوري نبأ التحاقه بالركب أيضًا أخيرًا، ليستقطع بدوره نصيبًا آخر منا، بعد أن استقطع من سبقه الحصة الأعظم شأنًا، لأننا مَن نحن إن لم نكن تلك الطينة المعجونة من ذخيرة، هي ذكريات زمن ضاع، لفق عجينه الأخلة الذين شاركونا وجودًا، زمن الشباب فيه هو التاج؟

2

كان على أمثالي أن ينزفوا طويلًا في عراكهم مع طواحين الباطل كي يتعلموا من النموذج الذي احترف العزلة معتنقًا الظل دينًا كأبي بكر يوسف. وهي التجربة التي لم يكن لأمثالي أن يكتشفوا قيمتها قبل أن يعبروا البرزخ المميت الذي لم أكن لأخطئ يوم أطلقت عليه «جحيم وارسو»، لما حواهُ ذاك المستنقع من أفاعٍ ومن أشباح، لأهتدي بفضله إلى المتاهة التي عدتُ منها بـ«نزيف الحجر» التي هلل لها أبو بكر بروح المريد الظامئ لاغتنام كل جديد، ليقارنها بالأعمال البيئية لأيقونة الإبداع السوفياتي آنذاك جنكيز آيتماتوف، قبل أن يتلقى مني قرينتها «التبر» في أقل من شهر، ليزداد يقينًا بهوية الروايتين كفتح، كما راقه أن يردد، فلم يتردد في أن يقترح على قريننا جلال الماشطة عقد ندوة للاحتفاء بهذين العملين، لنلتئم بالفعل في إحدى الجلسات لهذا الغرض، في وقت كان فيه الزلزال، الذي أطاح بالإمبراطورية، قد أفلح في كنس جل رموز الجالية الثقافية العربية من واقع الاتحاد، الذي كان إلى وقت قريب من ذلك التاريخ الساحة الأثرى، إذا قورنت ببقية العواصم في الغرب.

حدث ذلك في عودتي الثانية إلى موسكو التي خرجتُ منها يومًا، في منتصف سبعينات القرن، إنسانًا دنيويًّا وعدت إلى رحابها بعد اثنى عشر عامًا، إنسانًا مثخنًا بتلك الجراح القدسية التي تقتل فينا إنسان الميلاد المجاني، لتحيي فينا إنسان الميلاد الثاني، الميلاد الحقيقي، لتحيلنا كائنات تعتنق التخلي دينًا، فلا يعنينا أن يطلق البعض على هذا التخلي اسمًا كالزهد، أو أن ينعته البعض الآخر بالتنسك، أو غيرها من الأسماء، لأن ما يهم هو الفحوى المستعارة من جنس درس هو في الأرومة بلا اسم، بلا هوية، فلا يضيره أن يكون بلا اسم، بل الأصالة فيه تسكن غياب الاسم؛ لأن وجود الاسم ينال في الفحوى العفوية، لأن سبق الإصرار والترصد، لأن النية المسبقة، ضرب منكر من عَمْد ينم عن وجود نية لا نملك إلا أن نسميها مكيدة، وهو ما تستنكره الحقيقة؛ لأنه يستنزل زيفًا في الممارسة الزهدية، فلا تعود تجربة كالتخلي تكفيرًا عن خطيئة ضلال سليل تاب، ولكنها تبقى مشروعًا لذر الرماد في العيون، تظل تسبح في بعد دنيوي ككلمة حق أُريد بها باطل، لأن الكشف، في عرف الحقيقة، إثمٌ لا يُغتفر بحسن النوايا، ولهذا السبب كان الاستسرار جواز السفر الوحيد المعترف به في دنيا التخلي. من هنا كان الصمت عبادة، الصمت في حال التخلي، هو الصلاة. وهو الحرم الذي تشبث بتلابيبه النموذج اليوسفي منذ عرفته مطلع سبعينات القرن العشرين، واعتمده طريقة وجود حتى النهاية.

لقد اكتشفت كم كان هذا التخلي فردوسي المفقود، ولم يكن لي إلا أن اعترف بفضل المرض، بمدلوليه الحرفي والمجازي، الذي كان لي دليلًا إلى هذا الفردوس، سيما بعد أن تأملت التجربة الإبداعية طويلًا، لأستجلي أخيرًا حقيقة فرسانها الذين ينقسمون في ظني إلى فريقين، يحترف أحدهما البوهيمية يقينًا، ويعتنق ثانيهما النسك دينًا. وهو انقسام ليس بلا ثمن. ففي حين يحترق الفريق الأول بنار البوهيمية الموقدة، ينجو الفريق الثاني بفضل تسليم هو غنيمة التخلي. والمدهش هنا هو بطلان دور العبقرية التي تشفع لمحترفي البوهيمية هوسهم بمعشوقتهم، فتنالهم بما زرعت أياديهم، ما لم يتنازلوا عن استكبارهم، ويقبلوا بدين التخلي ترياقًا، كما برهنت التجربة مع النماذج الأدبية الموسوسة، والممسوسة، التي جنى عليها جنونها، فذهب بها قبل الأوان. أما في الواقع الثقافي العربي فقد دفن هذا الداء مواهب كثيرة واعدة، لتختنق بالغصص قبل أن تقول كلمتها. فوزر جسيم كالوجود هو ما لا تحتمله الأرواح المبدعة بسبب هشاشة هي فيها طبيعة ثانية. والانغماس في وجود معادٍ بالسليقة للعفوية وللهشاشة يطعن بالنصل الذي لا يرحم ليتحمم صاحب البراءة، المندفع في انغماسه بقلب عارٍ، بنزيف الروح الأعظم شأنًا من نزيف الدم، فلا عاصم، في واقع العداء هذا، من مصير كان الجنون فيه دومًا قدرًا. ولهذا لا نعجب أن نكون شهودًا على المرثية: على مصرع تراجيدي لأنشودة الحلم الرومانسي.

نخسر المعركة لأن الحقيقة التي نريد أن ننالها بعراكنا مع العالم لا وجود لها في العالم

فالهشاشة ليست هشاشة الحدس بالطبع، ولكنها هشاشة الحس. ولا يتحول النموذج هنا ضحية جلاد اسمه العالم إلا لسلطة العالم المطلقة على الحس. الحس بوصفه مملكة العالم، ولذا يخسر النموذج النزال مع العالم لأن محاولة الهيمنة عمل من قبيل التعدي على اختصاصاته، التعدي على صلاحياته. العالم يستطيع أن يهادننا إذا تعلق الأمر بالوجود، ولكن هيهات أن يتسامح معنا إذا تعلق الأمر بالسلطة، لأن العالم كاهن لن يخفى عليه حق كل موجود في امتلاك سلطة على الوجود لسبب بسيط، وهو أنه موجود قيد هذا الوجود. ولكن الأمر سوف يختلف عندما نحاول أن نستعير لأنفسنا سلطة على عالم الحس، سلطة على العالم، سلطة على السلطة. لأن الهزيمة سوف تلاحقنا في مغامرتنا، فنخسر الخصومة مع العالم. نخسر المعركة لأن الحقيقة التي نريد أن ننالها بعراكنا مع العالم لا وجود لها في العالم، وما نتوهمه حقيقة في العالم ما هو سوى ظل بئيس لما نتخيله حقيقة في عالم لا يعترف إلا بالحس دينًا. والحقيقة ليست غنيمة حس، ولكنها لقية حدس. والعلاقة فيها مع الهوية طردية. فهي أمنع منالًا كلما كانت في البعد أقرب من حبل الوريد، عكس الموقف من فحوى الحس. وهي أمنع منالًا لأنها أعصى إدراكًا، لا لأنها أبعد مكانًا. وكم بوسع هذا النموذج أن يكفي نفسه شر القتال فيما لو انكفأ على نفسه عميقًا ليعلم يقينًا أن ما يطلبه من العالم لا وجود له في العالم، لأن الذخيرة المأمولة لا تسكن الخارج، ولكنها تتخفى فيه، لتسكنه هو، ككائن، عميقًا عميقًا، إلى حد لن يعجزه أن يكتشف أن الغنيمة الكبرى التي تحولت هاجس أزمنة، كما هو الحال مع الحقيقة، إنما تهجع هناك أيضًا، بعيدًا في الأعماق، والفوز بها، هو ما يجعل من التخلي دينًا داخل الدين، هذا إن لم يكن الدين الذي يرد الاعتبار للدين، بل وربما الدين البديل للدين.

هل قلت الحقيقة؟
الواقع أننا يجب أن نحتفي فنقول السعادة عندما نبيح لأنفسنا التشدق بهذه الكلمة الجليلة، المغتربة في عالمنا اغتراب عنقاء مغرب، كما هو الحال مع الحقيقة. فبماذا أجاب سليل الحقيقة عندما سُئل السؤال الأبسط على الإطلاق، والأعسر على الإطلاق: «ما هي الحقيقة؟». لقد كان بيلاطوس حكيمًا بما يكفي كي يحسن الفخ، فيحمله إعجازًا لا وجود له خارج البساطة، لأنه يدري أن ذخيرة الجواب رهينة ذخيرة السؤال، وإلا لما قيل: «للأسئلة الغبية أجوبة غبية»، والمسألة بالنسبة له كحاكم مخول باستصدار القصاص بحق إنسان متهم بانتحال هوية جليلة كالنبوة، ليست في تلفيق أحجية تصلح شَرَكًا لاستدراج المسيح إلى الإعتراف بخطيئة في حق الناموس السائد، ولكن في دفع المتهم إلى استصدار حكم في حق نفسه بنفسه في سؤال مفخخ كل جواب له هو بمثابة مجازفة تقود إلى المشنقة، لأنه السؤال الذي لم يجب عليه أحد. ولو كان المسيح نبيا مزورًا، كما توهم الفريسيون، لما استطاع أن يخذلهم بالجواب الوحيد الذي أفحم الإنسان الذي أخذ على عاتقه وزر الحكم، كما هو الحال مع الإجابة التي صارت حجة الحجج، ربما بسبب بساطتها المستعارة، من بساطة السؤال: «حقيقتي ليست من هذا العالم!».

حقيقتي ليست من هذا العالم؟

بلى! لو كانت حقيقة المسيح من هذا العالم لما تنصل من الانتماء إلى هوية هذا العالم، لأنه كان سيجدف في حق الحقيقة، كما يجدف أي متفلسف، أو سيسفسط كأي متسفسط، وسوف تتنصل منه الحقيقة بالطبع، لأن الحقيقة هي اللغز الذي لا وجود له في اللغة، ولا يمكن أن يستسلم لسلطان الكلم.

المسيح نجا من شَرَك بيلاطوس لأنه لم يتشدق، ولم يحتكم إلى المنطق في الإجابة على سؤال برهنت التجربة كم هو معاد بطبيعته للمنطق، فلم يجد الحَكَم مفرا من تبرئة المتهم، بل وتبرئة نفسه هو، كحاكم وكحَكَم، من دم إنسان هو، منذ الآن، نبي! وهو ما يعني أنه سليل حقيقة!

وهو، عندما يستعيد هوية الحقيقة، بهذه المبارزة، فإنه بفوزه، لا يدعو لتنصيب هذه الحقيقة بعبعًا يُعبد لذاته، ولكنه يبشر بها كي تصير في حياة الخليقة تميمةً لسعادة. وهو الموقف الذي اعتمده المصلحون، المتأملون، المتنسكون، المتزهدون، المعتزلون، المفتونون بالظل، المتشبثون بالمشاهدة من وراء حجاب، يكون لهم في منفاهم الإختياري فحوى وجود. فالرباط دومًا كفاح ضد الأنا، وسفرٌ عصي لإهداء النصيب الأنبل من هذه الأنا، لجناب القرين المقيم على الجانب الآخر من وجود هو بكل المقاييس صحراء بغياب هذا القرين المقيم على حافة الوادي من الجانب الآخر. فكل مفتون بالظل هو في الحقيقة: قربان! ولهذا السبب فقط حق لنا أن نعترف له بهوية الإصطفاء. تلك الهوية التي سيبخل بها عليه الدهماء بالطبع، وسوف ينكرها عليه كل من لم يؤتَ من العلم إلا قليلًا، لأن الأمم علمت منذ الأزل بوجود ذلك الضرب من النكاية، التي لا تلبث أن تتحول داءً وبيلًا، بل وباءً، خلع عليها الكهنة إسم «الحسد»، التأم مريدوها في حلف حرض دومًا ضعاف النفوس ضد الأخيار، وفعلوا كل ما بوسعهم كي يقوضوا سلطانهم على النفوس رفضًا لخطيئة لم يترددوا في أن يخلعوا عليها إسم الوصاية!

ولم يكونوا ليفلحوا في جر ضحاياهم إلى الجنان بالسلاسل دون اختراع البديل، الذي لن يكون هنا سوى السلطة بالطبع، لأنها العدو اللدود، الأقدم عهدًا من كل الأعادي، لجناب الحقيقة!

الحقيقة التي سخرها الفريق الإلهي، المتشبث بتلابيب الظل، شاهد العيان، الذي يراقب المهزلة من وراء حجاب، من موقعه في البعد المفقود، لتكون له طريدة لهو، في وجود يأبى إلا أن يحياه لاهيًا!

المزيد من بوابة الوسط