مريم عيسى لـ«الوسط»: الحواس ريشة تعزف موسيقى اللون

مريم عيسى (بوابة الوسط)

الحواس ترنيمة الروح، وهي فنانة تشكيلية أخرى في أضمومة مشهدنا التشكيلي الليبي، معرض وحيد سمته (حواس)، وحين تساءلت عن سر هذا العنوان أو رمزيته، أجابتني الفنانة التشكيلية مريم عيسى أن الحواس هي ترنيمات داخل روح الفنان، يعزفها بريشته ويعبّر عنها بلونه المتميز، الحواس هي شوق يتوسد الرحيل ويناجي طيفاً مجهولاً، كلّ حاسة هي نافذة للروح تمنحها طراوة وطزاجة، تغذيها بعبير وشموم وتختزل الضوء والألوان والصوت، هكذا تنساب في اللوحة ناسجة كل تلك التجارب التي جعلت الروح مكتظة للبوح، ينساب اللون راقصاً وتغدو الفرشاة ريشة عابثة وصاخبة تتموج داخل ذاك الفضاء الذي يغدو لوحة هكذا هي الحواس والتي كانت اسماً لمعرضها الخاص الوحيد العام 2013م.

وفي هذه المساحة نحاور مريم عيسى عن أعمالها ومسيرتها وشغفها، وإلى نص الحوار:

● تأملت لوحات مريم عيسى شدّتني الألوان بصخبها، حاولت البحث عن موضوع، أن أقرأ اللوحة وأستنتج، فسألت: في لوحاتك الألوان صاخبة ضاجة، مشاغبة تشعّ دفئاً، لكن أبحث عن موضوع عن رؤية ما فلا أجدها.. لماذا؟
هي الحرية، أيقونة الفن المعاصر، هي محاولة البحث عن الجمال الخالص، والتعبير عما هو روحاني، العصر الحديث وأقصد من بدايات القرن العشرين وحتى وقتنا الحالي، تأثر الفنان بفلسفة العصر وبكل الإنجازات التي جعلت حياة الإنسان المعاصر رهينة للآلة، وأيضاً الحروب التي جعلت قلق الإنسان مضاعفاً، حيث الخراب في الأمكنة المألوفة وضياع ملايين البشر، فجاءت المدارس الفنية لتعبر عن قلق الإنسان ومحاولته الإفلات من القيود وخلق عالم موازٍ يشعر فيه الفنان بالأمان، وكان (التجريد) حرية خالصة أطلقت العنان، وكما في بعض التعريفات هو «تعبير عن عالم خاص من المعاني بطريقة رمزية مجردة مبتكرة تنطوي على طبيعة خاصة شاملة تتجاوز الأمور الثانوية والعرضية في الواقع لتنفذ إلى جوهر الأشياء».

● وقبضت على لفظة (التجريد) في إجابتها لأسأل: إذاً أنتِ كفنانة تشكيلية تتبعين مدرسة فنية لنقل (الفن التجريدي)؟
نعم لا أنكر انتمائي إلى هذه المدرسة الكبرى «التجريد» وهو فضاء شاسع يمنح الفنان تلك الحرية التي بلا حدود، لاحظت أن لوحاتي مفعمة بالألوان، وقلت ليس بها رؤية أو موضوع، لأن هذه اللوحات حصيلة أحاسيس وإيحاءات روحية، تتشكل دون خطة معينة، والروح تنطلق دون قيود ولا مسميات صاخبة، في التجريد لن تجدي صوراً مألوفة بل ترددات لونية وأشكال هندسية، بالنسبة لي هو (بوح).

● لديك لوحتان أحببتهما وحين سألت عن انفرادهما قلت إنهما بأسلوب الحرق والتنقيط؟
لوحة «الباب»، ولوحة «طبيعة صامتة»، استعملت أسلوب الحرق والتنقيط لإنجاز هاتين اللوحتين، أولاً أسلوب الحرق وهو تكنيك خاص بآلة الحرق وتكون بعدة رؤوس متنوعة، وكل قطعة تحمل شكلاً أو إيحاء معيناً، وحين أختار الموضوع أقوم بحرق الأجزاء المراد الرسم عليها بين ظل وضوء وهكذا، أمّا الأسلوب الآخر، فهو يتبع المدرسة التنقيطية حيث تجتمع النقاط لرسم الشكل، وأينما تتجمع يكون الظل في عناصر اللوحة، وأينما تفترق وتتلاشى يكون الضوء، أحياناً يشتغل الفنان بلون واحد فقط في الأسلوب التنقيطي، وأحياناً تزهر اللوحة بمجموعة ألوان، وهكذا كانت لي تجربة بهذا الأسلوب، وأجده جميلاً وقريباً من التكنيك الخاص بي.

● حين أتأمل لوحاتك أستغرق مع اللون، يتموج اللون وكأنه خطوات طفولة تلهو على عشب طري، ربما أسمع موسيقى، فهل أتخيل هذا؟
كما أجبت سابقاً «الفن التجريدي» خرج عن القواعد التقليدية، ومنح الفنان مساحة حرية كبيرة، وما شعرت به أنت هو دليل على أن اللوحة أعطتك إيحاءات بمعانٍ وأحاسيس، وربما حتى أفكار، اللون يتموج مثل نوتة موسيقية، بل كأنه رحلة في المجهول، ربما ثمة «زخرفة» في اللوحة أيضاً لكن اللون يتساوق مع ترددات الموسيقى والأشكال، التي لا حدود تؤطرها بل معانٍ وأفكار.

● لديك لوحة أحببتها، حيث غزالتان وعالم من التشابك الأليف، كأنها رقصة حب، خطوط مفعمة وألوان ورؤية؟
هذه اللوحة «تحكي صفاء السريرة» المحبة والترابط الروحي بين الإخوة والأصدقاء، بلا تناحر ولا خوف، لأن في العالم متسعاً للجميع، والمحبة هي الرباط الذي يوحدنا.

● شاركتِ في عدة معارض داخل ليبيا وأيضاً في معرض بتونس، ما الذي تمنحه لكِ هذه المعارض المشتركة؟
أحبّ كثيراً هذه المعارض الجماعية، تمنحني روح المشاركة وتبادل الآراء والاطلاع على التجارب الإبداعية المتنوعة، حيث الرؤية الفنية والتعبيرية عند كل فنان وفنانة، وربما أهمّ نتائجها هي زيادة الترابط بين نخبة الفنانين لإنشاء أفكار جديدة ومعارض أخرى أكثر تنوعاً وعطاء.

● وكيف هي علاقتك بالوسط التشكيلي الليبي؟
علاقتي بالفنانين متميزة، علاقة فنية ثرية بالعطاء، أتواصل معهم في مراسمهم وأيضا ًفي «دار الفنون»، وكلية الفنون، هؤلاء الذين هم في مدينتي طرابلس، وأيضاً مع مبدعين من بنغازي ومصراتة، وأفتخر بالانتماء لمشهدنا التشكيلي المتميز والزاخر بفنانين وفنانات يواصلون العطاء.

● سؤال فضولي قليلاً، هل يمكن أن تذكري لي أسماء؟
المشهد التشكيلي زاخر جداً، وأخاف أن أنسى اسماً، ولكن كل التقدير لهم ولهنّ بلا استثناء، من المبدعين مرعي التليسي وعلي العباني وسالم التميمي وعبدالرزاق الرياني ورمضان أبوراس وصلاح غيث، ومن المبدعات هادية قانة ونجلاء الشفتري ونجلاء شوكت الفيتوري ومريم العباني ونجاة أبو شيبة، وعفاف الصومالي، وكما قلت لدي أصدقاء من كل المدن الليبية.

● ذكرتِ لي ونحن نجهز لهذا الحوار أنك تنجزين رسالة أكاديمية، فما هي؟
هي رسالة ماجستير وعنوانها (الرؤية التعبيرية للفنان واتجاهات الفن الليبي المعاصر) بإشراف الدكتور سالم قشوط، وقد اخترت مجموعة من التشكيليين الليبيين بشير حمودة وسالم التميمي وعادل جربوع وغيرهم من الفنانين الذين يثرون المشهد التشكيلي الليبي.

● تساءلت: لماذا هم فنانون فقط، أين التشكيليات؟
أولاً: بناء على طلب المشرف ومشورته. وثانياً: لأن ثمة رسالة نوقشت بالعام 2017م من إعداد «نسرين الحمر» من مدينة درنة، وكانت عن التشكيليات وكنت من ضمنهن في هذه الرسالة، وهكذا تجدي أن المنجز التشكيلي الليبي زاخر ومتنوع، ومُتابعٌ بالدراسة والبحث.


السيرة الذاتية
مريم عيسى بازينة / بكالوريوس فنون تطبيقية
/قسم الرسم والتصوير /كلية الفنون _ طرابلس
طالبة دراسات عليا بالأكاديمية الليبية
شاركت في عدة معرض جماعية منها :
مهرجان تونس للفنون البصرية / تونس 2012.
معرض جمعية المدينة العتيقة / طرابلس 2012.
مهرجان نالوت للفنون البصرية / نالوت 2010.
معرض جماعي بمقر اليونيسف /طرابلس 2009.
معرض جماعي / دار الفنون / طرابلس 2007.
معرض خاص بعنوان «حواس» 2013.

نقلًا عن العدد الأسبوعي من جريدة «الوسط»

المزيد من بوابة الوسط