«العلكة».. أبطال في قبضة السراب

قراءة في رواية «سراب الليل» للكاتب الليبي منصور بوشناف

تختفي في رواية «سراب الليل» للكاتب منصور بوشناف دوائر كثيرة وتتشابك بحيث لا تظهر للوهلة الأولى ملامح معينة تكشف إيقاع المزج بين الرؤية الواقعية ودلالاتها الرمزية، البناء العام شكلته صيغة فلسفية جعلت ما هو تخييلي وواقعي يكمن عند أبعاد قصية وعميقة في الحدث، والذي تعزز ببنية حاولت الجمع بين ضفاف بالغة التناقض، شكلت النسيج العام للرواية.

وهي تشبه في دراميتها أدب ما بعد الحرب في طقوسها الجنائزية وشخوصها وهي تحاول إعادة ترتيب أفكارها، واسترداد هويتها في واقع فقد معاييره القيمية والثقافية.

تنطلق «سراب الليل» من أربع دوائر رئيسة هي الحديقة، والشاب والفتاة والتمثال، وأخيرًا المثقفون بنماذجهم المختلفة، فالحديقة حيث تتدافع المواقف وتلتقي فيها كل الخيوط، جاءت كرمز لليبيا التي استبد بها الأتراك ولحقها دمار غزوات الإسبان، ويتكرر في الحديقة كصدى لتلك الأحداث «ضحاياها من الطبالين والموسيقيين والمشعوذين والراقصات» ص25، ومع مجيء الإيطاليين يبقى الليبيون دائمًا خارج المعادلة و«لولا بعض النخيل الليبي وبعض العمال الليبيين لما شك المرء وهو يقف وسطها أنه في إيطاليا» ص27.

الحديقة كمتعين مكاني صيغت لنمذجة الواقع مسرحيًا، «فلا شيء يميز الفنان ونضيف هنا الكاتب مثل قدرته على تشكيل مادته الغفل» «1»، وبذا كانت الحديقة الصورة العاكسة للصيغة المتخيلة «فكل ما ترتبط به الصورة من المكان المقيس هو المفردات العينية بما لها من صفات حسية أصيلة فيها أو مضافة إليها» «2»، فالمكان الرمز شاهد على بطلي الرواية مختار وفاطمة ابن البوليس الملكي وابنة موظف الأوقاف «نشأت بينهما علاقة حب» ص79، ثم افترقا في ظروف مرت بها البلاد زمن الثمانينات كانت خلالها الجوقة السياسية تعزف ألحانًا مزيفة للفكر الاشتراكي في موازاة صراع مع الدول الكبرى، مما فرض نوعًا من التقشف الاقتصادي أطل بارتدادات عنيفة، وفيما مضت فاطمة تبحث عن حضها في مناخ تلبسته القتامة كانت «البلاد مشغولة بالعلكة الآتية من تركيا عبر تجار الشنطة» ص79.

لم تستطع فاطمة خريجة قسم الاجتماع أن تجعل من الحب نافدة للخروج من دوامة السواد، والسؤال هل ذلك كاف لمقاومة هستيريا العلكة؟ ربما لكنها لم تفعل، وبقيت أنفاسها مع مختار حبيسة فضاء الحديقة «لم ينبس بكلمة لها ولم تنسحب من جواره ولم يلتفت إليها إلا مرة واحدة» ص10.

الكرسي الأحمر وكذا الشال والمعطف الأسود بقدر ما تعكس روح الأجواء، تدلل بمرموزية ألوانها إلى عدمية صادمة، تمازج الألوان والمشاعر والحركات تذاكر عبور إلى الصراع الداخلي للشخوص، وهي إحالات لحالات هروبها من الواقع, فاطمة بـ«هروبها مبتعدة بمعطفها الأسود وشالها الأحمر ومختار ببقائه متسمرًا في الحديقة»، ولكون فاطمة جسدت صورة ارتداد في حدوده القصوى، أمكنها بالانهيار تحقيق شرط النموذج البطل «فالأبطال لا يشترط بهم دائمًا أن يمثلوا الصواب، فليست المسألة التعارض المجرد بين ما هو حقيقي وزائف، فهم لا يرتكبون الأخطاء بالصدفة، وإنما ترتبط أخطاؤهم ضرورة بأهم المشاكل في الفترات الحرجة» «3».

كان انتقال فاطمة إلى ضفة الرذيلة تعبيرًا عن حالة الخواء المجتمعي وضياع البوصلة، «ركبت التاكسي، قالت له حين سألها إلى أين؟ إلى الفلوس» ص37.

كان من الممكن أن تجد في التمثال الذي يجمعها بحبيبها مختار بمتحف السرايا ذاتها المتشظية، وذلك لا يتم إلا بحالة وعي أدركها مختار وظل بعيدًا عند فاطمة بفعل القوة القاهرة, لذلك كان «التمثال يبدو له دائمًا كائنًا حقيقيًا» ص13، بهذا الإدراك حاول انتشال حبيبته من الوحل «كان يقودها إلى المتحف وكانت تقوده إلى الحديقة» ص23، ولأن التنوير يغيب لصالح لغة الجسد ظل الجميع متعلقًا بالتمثال فيزيائيًا في محاولة لانتزاع رغباتهم المجنونة فكانت النهاية الجنون أو الموت، وبقي «التمثال يعبر الأزمان منذ ذلك الوقت وحتى الآن مجهولًا ومنسيًا» ص20.

وفي المقابل طاف جسد فاطمة الجميع بحثًا عن المال في سقوط مرعب، وهي تحمل صراعًا في داخلها بين الرجوع إلى حبيبها أو البقاء في قالب الطين مغمضة العينين لذلك «كانت تنتقم من نفسها, فالمعاشرة بالنسبة لها أعمال قتل وتمثيل بجثة جسدها تقوم بها روحها الغاضبة لينتهي كل شيء ببكائها المرير وضم زبونها إلى جثتها بعنف» ص48، لقد تحولت فاطمة إلى عاهرة.

المثقفون كانوا مأزومين فكريًا في عالم العلكة، فأستاذ الفلسفة العائد من فرنسا متوشح بأسفاره السارترية يسدل الستار على آخر مصباح تبقى له من مدينة الأنوار ببيانه «اكتبوا ايه التلاميذ، المضغ أزلي والجنس البشري هو العلكة»، كما بقي الاقتصادي وخبير الآثار والمخرج والرسام وعالم البيئة العائد من فرنسا أيضًا خارج دائرة التأثير، لأن ثقافة العلكة اكتنفت المشهد وحولت الأحلام إلى سراب، لذلك «انسحب عالم الآثار عندما تم رفض مشروعه الذي يعرِّف الليبيين بفنهم وثقافتهم, فكل شيء تحول إلى سمسرة» ص103.

وليس غريبًا أن يصل مختار لحالة التأتأة كرمز على انسداد الأفق، وهوما يذكرنا ببطل «بلاد المرآة» للكاتب الألماني درافوت في تلعثمه ولجوئه للصمت بسبب العنف الأبوي وهو مجسم لفقدان المجتمع لتوازنه النفسي.
 
هوامش 
1- التحليل النفسي للأدب
2- نفس المصدر
3- الواقعية في الأدب

المزيد من بوابة الوسط