عبدالرحمن شلقم يكتب لـ«الوسط»: قافلة موَّال ليبية

عبدالرحمن شلقم (الإنترنت)

الكاتب الليبي عبدالرحمن شلقم، يتحدث في مقال معنون «قافلة موَّال ليبية»، عن اللغة وجغرافيا الأرض والإنسان، وعلاقة الشعر الشعبي، الذي يصفه بـ«كتاب الروح»، بعلاقته وقدرته على كتابة تاريخ ليبيا الجغرافي والاجتماعي ومخاضاتها النفسية، ويلخص بعض ذاك الشعر في أغاني «العلم» المعروفة.

نص المقال:
لغتك وأرضك، هما مسافة خطوة قدمك، ودرجة ارتفاع صوتك. مَن قال ذلك ..؟. أنا وأنت نثبت ذلك كل يوم. وهناك خطى لا تمدها القدمان، وأصوات لا يطلقها الفم، تلك الخطى والأصوات تنبت في مساحة سحرية سرية، ليست على سطح الأرض، تتلألأ فوق امتداد الرحاب، شجنًا، حنانًا وحنينًا، يستنطق التراب ويتخلل النسمات، ينسج الذات الحية مع كيان ما أمامها وتحتها. معزوفة أقدام وشفاه توقظ الجماد، وتلهم الحيوان.

خطوات الرحيل الطويلة في الصحراء مع الرفيق الأسطوري الجمل، تكتب ذاتها على الأرض وتنفح المدى رعشات الجوى والحنين الحارق. وللبحارة أصواتهم وخطواتهم، فللماء فتنة ودلال ورهبة.

للأماكن هوية وهوى، مثلما للبشر. وللعمل أصوات وخطى.

تغنى الشعراء من كل الجنسيات وفي كل العصور بأرضهم، حبًّا وحنينًا وعتابًا. أما أغاني العمل فهي الأنين الذي يصرخ حيث يهمس، فتلك الأغاني تغزل من إيقاع الحركة العضلية، وزفرات الكد، خيوط شجن توحد العامل مع دابته رفيقة الجهد، تستنفر إرادة المنازلة، فتتعملق المفاصل، وتقدح عروق القوة.

الموال الحارق الذي هو ولادة الولادة، ذلك الذي يتخلق في رحم الحنين إلى الحبيب. وأمرُّ الذكريات، وأطول الخطوات، وأثقل الساعات في فم الغناء وصدره هي تلك المولود.

والعرجون الأكبر في تلك المواويل هو ذلك العثكول الذي يهزج بالحكمة، هو عرجون السر، والسحر، فيه تتدلى ثمرات الزمان، التي سمد شجرتهاعرق الحياة.

ليبيا، هي عرجون زمان، نبت في أغنية شجرة المكان،
جبالها توائم جبل الطور في غموض البوح الروحي،
وهي ـ للتوباد ــ قرين الإلهام العاشق

ليبيا، هي عرجون زمان، نبت في أغنية شجرة المكان، جبالها توائم جبل الطور في غموض البوح الروحي، وهي ـ للتوباد ــ قرين الإلهام العاشق، وبينها وبين ربوات الدنيا قرابة الحلم. صحراؤها فاتنة القوافل، على صفحات ترابها، وفوق نهود أحجاره كتب آلاف البشر، كتبوا بأقدامهم، وزفرات مواويلهم، كتبوا مجلدات من سطور الحياة، من أقانيم الدهر، غنوا بكل اللغات تلك التي ماتت والتي لازالت تكابد رهق الحياة. عن بحر ليبيا كتب الكثيرون، لكنه مازال يحمل في أعماقه طلاسم التكوين، وظلمات وظلال من أرواح عبرت سلمًا وحربًا، فوق تلك الصفائح الزرقاء السائلة، عبر القراصنة، عبر الفاتحون، والهاربون والمحاربون. أسماه الرومان ــ بحرناــ لم يمنحه العرب اسمًا، لقد كان لديهم من البحار والأسماء ما يكفيهم.لأهل البحر تمائم الماء، قلائد من أوراق المغامرة ومن شعوذة العشق. البحر صانع الإمبراطوريات وقاهرها، الإمبراطورية الرومانية العاتية، كانت أحد الحيتان الأسطورية التي قذفها البحر على شواطئ البحر الأبيض المتوسط. كانت ليبيا، أغنية للمتوسط ورقصة وموال رحلة. اليونان، وبلغة أهل البحر والتاريخ «الإغريق» غطسوا في ما بين اليابسين بعد عبور المائين، غطسوا في الجغرافيا والتاريخ، فكان المال الثاني للفلسفة، ولد سقراط، وإفلاطون وأرسطو، على ربوات الجبل الأخضر. روما رشت نسمات عظمتها على صدر لبدة وصبراته، عربدت قرطاج، وتحول الماضي إلى منحنيات أمواج. أي قافلة يحدوها موال مسافر في فجاج دنيا تضاريسها الناس والزمان، تلك هي آهة العبرة والعبور ـ ليبيا .. تراب يغني، وماء يقارع التاريخ.

لا يقدر على الوصول الى مفتاح باب موالها إلا ـ من يقول،
ويشعوذ، بلغة «المجذوب الصوفي»،
الذي يتوحد لسانه مع خطواته فوق تيه الماء والتراب

لا يستطيع أحد كتابة تاريخ ليبيا الجغرافي والاجتماعي ومخاضاتها النفسية، إلا شاعر شعبي ليبي. لايقدر على الوصول الى مفتاح باب موالها إلا ـ من يقول، ويشعوذ، بلغة «المجذوب الصوفي»، الذي يتوحد لسانه مع خطواته فوق تيه الماء والتراب. كما تكون تضاريس الوطن، تكون مقامات أغانيه، هناك طبوغرافيا القلب التي ترسم مدى الد قات، وذبذباتها. من حرارة اهتزازها تتراقص فراشات ضوء الكيان التي ترسل مواويلها بسطًا عاطفية وروحية تزغرد فوق الترا ب وعلى الماء.

الشعر الشعبي الليبي، هو كتاب «الروح» الشامل، كتب بحروف ـ قوس قزح ـ الوطن، وعزف على مقام ـ ليبيا.

إن العلاقة بين الشاعر الشعبي الليبي والوطن، هي أكثر تنوعًا وتشعبًا، وتداخلًا، مما كان بين المتنبي ومعارفه الذين جمعهم في بيته القاتل:
الخيل والليل والبيداء تعرفني
والسيف والرمح والقرطاس والقلم

كل ضروب الحب، للناس، والكائنات وللأماكن، للنبات وللفصول، كلها أشجار وازهار وورود، تزدهر في تلك الغابة الأسطورية، غابة الحب الشامل. وحليب الحكمة الذي نز من ضرع الرحلة الطويلة بين وديان الخصب، وغوائل القحط والجوع. أيام الدم وضرب الرقاب في المواجهات التي تتوالد من رحم العداوات والغزوات. الشعر ديوان العرب، والموال الشعبي كتاب الليبيين.

مطارحة «الزمن»
للشعر الشعبي أغراضه مثلما للشعر العربي باللغة الفصحى، غير أن مطارحات الشعراء الشعبيين للزمن هي المحك الذي يعمد فيه الشاعر فحولته، فالزمان هو المصارع الحاضر دائمًا والغائب أحيانًا. شيخ الشعراء الشعبيين الليبيين،سيد قنانة، كتب محنة الإنسان الوجودية بلغة مكانه وزمانه، في موال عابر للزمان وكأنه قال تلك الأبيات صباح هذا اليوم. قال:
ليام كيف الريح في الدرجاحه
مره شقا الخاطر ومره راحّه
أوقات نخدم بيدي
واوقات يبدو كاترين عبيدي
ومرات عشر إكباش يبدو عيدي
وأوقات ما نملك ولا صياحه

تلك فلسفة الزمان الوجودي، رغم بساطة الفكرة، وانسياب الصور، في لغة شعرية قال: «الأيام حاكم متقلب المزاج، يوم معك، ويوم عليك». فالزمان هو الرفيق الأبدي الذي لايفارقنا لا نهارًا ولا ليلًا، لكنه لا يسكن بداخله عداد لعمره، كل شىء يكبر، ويهرم ويموت، لكن هذا الكائن الأسطوري يهزم ولا ينهزم.

الشاعر الشعبي هو المبدع المجهول الذي يصب مواله في كنه الضمير البشري، تغنيه أفواه كثيرة في كل زمان، كل يجد فيه بلسم ساعته، وترياق ألم لحظته. قال الشاعر الحكيم المجهول:
ياما كلينا من لذيذ وطيّب *** وياما لبسنا من جديد وباد
وياما مشيناها بعيد قريب *** واليوم جن علينا خطوتين بعاد

كيف استطاع هذا الحكيم البسيط،
أن يسكب مسيرة السنين بقوتها وضعفها،
حلوها ومرها في كلمات مغناة؟

كيف استطاع هذا الحكيم البسيط، أن يسكب مسيرة السنين بقوتها وضعفها، حلوها ومرها في كلمات مغناة؟. فيها لمسات من البلاغة، محسنات جناس وطباق. والأقوال المكثفة، التي تفيض بلذة الشجن، يومض بحلاوة الحكمة، قال الموال:
ياطالع الفوق للجو *** ابني على الصح ساسك
ويا حارث الشوك من تو *** تشوف العجب في دراسك
ويا حافرحفرة السوْ *** ما تحفر إلا قياسك

شعورنا صهوة ارتعشات لحننا، نور النار. عبق ما كان وما لم نرَ. الموال لا يسكت،لا يتعب،لا يغيب، هو أحجية ماكان تحت التراب، وتحت المغالبة. كم في الغناء من فقاعات، فقاعات، دم وألم. في بلادنا، ليبيا بيت الماء، وشهوة الماء، يجلل الحب نوره بالنار، وتسحّ الأغنيات فوق ذاتها، تفقع اللغة موالًا وموالًا. الليبي المكدود، الذي يمضغ العرق، ويلعق سماءَ وهمه عندما كان ثمن حبة القمح، خمس لترات من العرق. الموال الليبي مخزن، مخزن كلمات، ومياه، ودموع. هل تريد أيها القارئ أن ترى أغصان ماكان على شجرة ماضيك؟. كان ما كان، واستوت على الزمن القديم.

الموال اللليبي، لا يستر أحيانًا ما في جيوب القول، ولم نحن نستر! الخيانة!! شمس بذئ، لا نحب أن نراه، لكنه شمس طالع، رغم أنف الكون والمدارات، ورقصة الكو اكب.

كيف يحفر هذا اللون من التعبير الإبداعي المشحون بخصوصية اللغة الدارجة، وحرارة الوجد الإنساني الخاص، في الهمّ الصامت، في الجرح الذاتي، الجرح المركب؟!.

لنقفْ عند موال درامي نافر، يغني ألمه، «جباد»، وهو إنسان، في قاع القاع في المركب الاجتماعي، يعطي جهده العضلي من أجل قوت يومه، يقوم باستخراج الماء من البئر عن طريق الدلو، يستعين بأغنية عمل شجية، يتوحد فيها مع عرقه، لكن ضربة ألم مركبة تسحق جسده، وتحرق كرامته. يقوم ـ الجبادـ الليلَ عاملًا، يستل الماء من البئر ليسقي الزرع.

لكنه وهو ـ يسقي ـ ينزف مرتين، من عرقه ومن عرضه وشرفه، عندما يغادر بيته فجرًا، يختلس رجل فراشه ليلًا، تخونه زوجته مع غريب، فيقول موالاً شامتًا:
كيف من سرى ناض يجبد
مقماته لقطوها
ماعاد ترمى رطب زين
من بئر مالح سقوها

الموال، مشحون بمعانٍ مكثفة، فيها من الكلام بقدر ما فيها من حرارة ومرارة القول. الرجل الكاد، يعطي الليل جهده، من أجل أن يعيش، لكنه لا يعطي شرفه. عندما علم من مخبر مجهول أن ـ نخلته ـ أي زوجته قد خانته، رفع صوت الرجولة، قال:
إن كانهم لقطوها هم الخائنين المزاسر
من قعرها نقلعوها نخل رمل زلاف ياسرْ
يعني، أنه قرر طلاقها، فالنساء كثيرات. تلك هي رحلة الموال في خضم المأساة والإرادة.

«العَلم.. كثافة الموال»
العلم، موال روح تغني بعيون، وترقص في صمت منولوج حكمة وحرقة. أغنية العلم هفيف نسيم روحي تشحنها روح لفضاء ذاتي، لكنه مسكون بألف هتاف عاشق، للحبيب، للعم، للزمان. لمن يغني موال العلم؟ للأنا، للعشق، لحرقة الإحساس بالتدله. مبدع العَلمْ حكيم يحترقْ. يغنّي حبه لدنياه، يقاسم أشجانه مع مديات عشقه، يغزل رؤياه من شعر مشاعره. رسائل من ضربات الإحساس تطير بها شهقات هوى.

«العقل يا بعاد الدار، يمسى معاي ويبات عندكم».
«الناس يحسبوك ربيع، وأنت عذاب يا نار الغلا».
«الدمع ما يجلي الياس، زيدكن رياف وتمنعن».
«نشكو به قبال الناس، غلاعزيز، ياريته مرض».

غناوي ــ العلم ـ ليست بكائيات، ليست هتاف القلب للحب، ليست حشرجة الدموع في ترانيم الفم، بل هي كل ذلك.

المغني للعلم يسكب الكلمات في ثنايا لوعته، تعبر فجاج الفم تغريدة اقتراب وحرقة حنين مفارق. هي من جماليات الموال الليبي اللذيذ، فيها تجليات اهتزاز الوجد المغني.
ليبيا، موال يغني ويتغنى. قافلة لحن الأيام.