قراءة في الرواية الليبية.. من كتاب أكسفورد «تقاليد الرواية العربية» (2/7)

تواصل «الوسط» نشر ترجمة الفصل السابع عشر من كتاب جامعة أكسفورد بعنوان «تقاليد الرواية العربية» لوائل حسن، وهو الفصل الخاص بالرواية الليبية، الذي حرره الدكتور علي عبد اللطيف إحميدة، ويترجمه محمد عقيلة العمامي.

محمد فريد سياله (1927/2008)
يعتبر النُقاد الليبيون أن روايته (أعترافات انسان) التي صدرت سنة 1961هي الرواية الليبية الأولى. والسيد سياله من مدينة طرابلس، طور إمكانيته الأولية في التحصيل العلمي من بعد حصوله على تعليم مبكر في اللغتين العربية والانجليزية بالمدارس العربية والإيطالية. وكان يجيد اللغتين الإيطالية والإنجليزية. عمل سيالة كمعلم مابين 1945 و 1959، ثم أصبح صحفيًا وكاتبا لمقالة، ثم كتب، من بعد الاستقلال عددا من البرامج للإذاعة الليبية.

تتمحور حبكة روايته حول طبيب ليبي تلقى تعليمه في فرنسا، شعر بالملل من بعد زواجه التقليدي، الذي لم يكن قد تأسس على حب. ثم يعتصره التناقض، والفرق، عندما يرتبط بوله بعلاقتين مع زميلتين أوروبيتين، واحدة ايطالية والأخرى فرنسية. ويتناول موضوعه من خلال الإفصاح عما يعتمل في داخله، مع صديقه سالم، لنستشف من خلال حواراتهما بأن السبب الرئيسي هو عدم التعليم والتخلف الذي تعانيه المرأة الليبية، ومع ذلك يعرض طبيبنا هذا، بتناقضات وأنانية في دعوة إلى الحرية والمساواة بين الجنسين الليبيين، ولكنه في في الوقت نفسه يسيء الأوروبي عندما يصنف حريتها بأنها مجرد"أخلاقها سيئة" للمرأة ، وبالتالي يثمن النظرة التقليدية للمرأة الليبية. إنه كبطل للرواية يقبل حريته كذكر، مستمتعا بالخمر، وبالعلاقات الجنسية ، بينما يحرمها على زوجته وبقية نساء مجتمعه باسم التقاليد والدين.

الصادق النيهوم (1937-2008)
رواية (من مكة إلى هنا) تعد اول رواية متماسكة صدرت له سنة 1970، ثم الّحق بها رواية ( القرود سنة 1973 ) ثم ( الحيوانات سنة 1984) . والنيهوم وُلد وتعلم في بنغازي ، ودرس في جامعتها، ثم في جامعة لودفيج ماكسمليان في ميونيخ. وهو كاتب موهوب ناقد بليغ، كتب المقالة ، كان يجيد أربع لغات - الألمانية ، الإنجليزية ، الفرنسية ، و الفنلندية - ويتقن اللغة العبرية والآرامية. كان أستاذا قسم الدراسات الشرقية في جامعة هلسنكي في 1968-1972. - ولقد ارسل إلى المؤلف، من بعد مراجعة النص تنبيها يشير فيه إلى أنه ليس هناك دليل على معرفته باللغات وايضا ممنصبه الاكاديمي في فنلندا. واشار ايضا إلى المرجع رقم (4) الوارد بمراجع الفصل الذي اعلن فيه الناقد الدكتور الصيد ابو ديب، انه ليس هناك مايفيد أن النيهوم نال درجة الدكتوراة.

واصبح النيهوم كاتبا مشهورا، ونال شهرة واسعة من بعد نشر مقالاته الأسبوعية في جريدة الحقيقة، التي كانت تصدر في بنغازي خلال الفترة 1961-1970.

أن أسلوبه الأدبي الساخر، بتواصل مقالاته الاجتماعية النقدية، قرّبه كثيرا من القراء، وسطع اسمه، لدرجة أن الشباب قلّدوا قيافته التي كانت حينها تشكل نمطا غربيا جديدا – إنها الشخصية التي ظهر بها النجم السينمائي (جيمس دين) الذي رحل مبكرا- المتمثل في ( بنطلون الجينز) والكنزة ذات الرقبة الدائرية الأزرق. إن ثناية أسلوبه الساخر وقيافته جعلته نجما لجيل الستينيات في ليبيا.

ومن بعد مغادرته ليبيا إلى ألمانيا ومن بعدها إلى القاهرة ثم عودته ثانية إلى المانيا ليستقر فترة ثم يرحل في فنلندا قبل أن ينتتقل إلى جنيف، حيث عاش بها مواصلا كتاباته الى القارئ العربي و الليبي بصورة خاصة حتى وفاته هناك .

كانت كتبه واسعة الانتشار في ليبيا والعالم العربي بأسره – بعضها منع من التداول في بعض الأقطار العربية.

بطل روايته (من مكة إلى هنا ) صياد سمك ليبي فقير أسود البشرة يدعى مسعود الطبال ، الذي يحلم مع زوجته بالسفر إلى مكة لأداء فريضة الحج. مسعود وزوجته ينتقلا من مدينه بنغازي إلى ميناء مدينة سوسة. وهو متلهف لشراء محرك لقاربه لصيد السلاحف البحرية ليبيعها إلى مستوطن إيطالي يملك مطعمًا يرتاده العديد من الإيطاليين في المدينة. ولكن إمام المدينة يعارض نشاط مسعود ، مدعيا أن السلاحف مقدسة، وأن مسعود بنشاطه هذا يتحدى الله والأرواح.

زوجة مسعود وسكان المدينة يستمعون إلى الإمام، ولكن مسعود غير مقتنع برأي الأمام. وعندما غرق الصبي الذي يعمل مع مسعود، فسر الإمام الحادثة بأنها رسالة من الله.

مسعود، إذن، يقاوم القوى الرجعية- المتخلفة- كمقاتل محاولا تحسين حياته ، تماما مثل الشخصية الرئيسية في رواية (ارنست هيمنجواي) العجوز والبحر. ويعود مسعود إلى بنغازي مهزوما- تماما مثل بطل رواية العجوز والبحر- ولكنه يشرع في بيع الملح من أجل البقاء. وهو شخصية مأساوية تجسد رأيا في الصراع ما بين التخلف والرغبة في التحديث واتخاذ العلم وسيلة لذلك.

الروائيين الرئيسيين
أحمد إبراهيم الفقيه، من مواليد 1942، كاتب حديث ينتمي إلى ما يسمى في ليبيا بـ «جيل الستينيات». أول كتبه كانت مجموعة قصص قصيرة، صدرت ستة 1965 بعنوان (البحر لا ماء فيه )، فازت حينها بجائزة الهيأة العليا للفنون والآداب في عهد ليبيا الملكي .

يعكس عمل الفقيه التوتر بين العقلية الريفية الجماعية التي تقودها تقاليد متعارف عليها، مع تلك القيم الحياتية الفردية في المدينة.

لقد نشر الفقيه أكثر من ثلاثين كتابًا ما بين قصص قصيرة، ومسرحيات ، ومقالات ، وخمس روايات؛ قد يعد آخرها أطول رواية عربية، صدرت سنة 2008 وعنوانها (خرائط الروح). وصدرت له أيضا ثلاثية سنة 1991 بعنوان ( سأهبك مدينة أخرى)، وفي السنة نفسها صدرت له رواية ( هذه تخوم مملكتي) ، وأيضا في السنة نفسها رواية ( نفق تضيئه امرأة واحدة ) وتحصلت على جائزة أحسن رواية في معرض الكتاب في بيروت عام 1991 وترجمت إلى اللغة الإنجليزية باسم (حدائق الليل) وتروي قصة طفولته في قرية ( مزده ) ثم في طرابلس.

والسرد يعكس وجهة نظرته الليبية في الثقافة والسياسة تحت سيطرة نظامين: النظام الملكي خلال 1951-1969 ، والجماهيري بعد عام 1969.

يعد عمل الفقيه الأكثر طموحا وناضجا، هو ثلاثية تقدم خليل الإمام ، كطالب ليبي يذهب إلى جامعة أدنبرة في اسكتلندا لإعداد دكتوراه في الأدب. ويستند موضوع أطروحته على تأثير الأساطير العربية في الأدب الإنجليزي ، وتحديدا الجنس والعنف في الحكايات الشعبية من ألف ليلة وليلة.

جعل من اسكوتلندا مكان أحداث الكتاب الأول من الثلاثية، وفيه يقدم خليل عالم من الأجانب، وخاصة النساء ، حيث يثابر على إيجاد طريقة لتعامل مع حضارة، او بعنى ادق، ثقافة جديد.

في الجزء الثاني ، يعود خليل إلى ليبيا للتدريس في جامعة طرابلس. وهناك ، كان تماما مثلما كحاله في إنجلترا؛ شديد الاكتئاب. فيساعدة معالج مسلم ، باختلاق رحلة روحية صوفية إلى مدينة فاضلة في الماضي ، لكنه يفقد سكون روحه وسعادته، بفتح باب ممنوع الولوج إليه فيجد نفسه في طرابلس ، حيث يواجه واقع المجتمع الليبي ، فيما يحاول عبثا العثور على هويته الخاصة.

هذه ثلاثية درامية لنماذج عانت من الغربة الاجتماعية والسياسية العميقة لبعض المتعلمينن المثقفين الليبيين في الغرب في فترة ما بعد الاستعمار ، وكانت حينها أمر شائع أصاب العديد من المثقفين العرب ومن اصطلح على تسميتهم ابناء العالم الثالث. ومع ذلك ، يناضل بطل الرواية مع خصوصية مجتمعه التاريخية، والتي تشمل هيمنة القوى الريفية والقبلية في المناطق الريفية والبدوية في الداخل.

وهذا يختلف عن المجتمعات العربية الأخرى مثل مصر وسوريا وفلسطين و لبنان حيث الأعيان وملاك الأراضي في المدن الكبرى مثل القاهرة ودمشق و بيروت تهيمن على الريف. على النقيض من ذلك، كان لدى ليبيا زعيمان بعد الاستقلال، هما الملك إدريس السنوسي ومعمر القذافي، وكلاهما جاء من المناطق الريفية ومن البدو في الدواخل، وكلاهما كانا مدعومين من قبل القوى الاجتماعية القاطنة بالمناطق النائية. اغتراب مثقف عاش في الغرب، مثل خليل الإمام، الذي يجد خلاصه في الكحول، والجنس، والموسيقى، فيهرب نحوها هو سبب الصدام الثقافي مع الطبقة الاجتماعية، لأن العديد من المثقفين في العالم الثالث تأتي من خلفيات الطبقة الوسطى أو العليا، وبعضها من الفلاحين والقطاعات القبلية، في بلدانهم ، يحاولون السعى نحو الحداثة و التقدم. إنها باختصار شديد ثلاثية تنفجر مع كل هذه التناقضات ولكن لا تعطي أي دليل مباشر عن كيفيه علاجها.

محمد فريد سياله (الإنترنت)
الصادق النيهوم (الإنترنت)
أحمد إبراهيم الفقيه (الإنترنت)