قهوة سي عقيلة الحلقة (57) « الخاتمة»

 
       عشية يوم 16 فبراير 2011 كنت رفقة الصديقين الكاتب: إدريس المسماري والتشكيلي محمود الحاسي نحتسي قهوة العشية بقمهى الديوان ببنغازي.   تطرقنا إلى الأحداث المتسارعة التي مهدت إلى قيام ثورة 17 فبراير. تحدثنا عن التوقعات المحتملة، ولا أحد منا كان يتوقع ماذا سيحدث. فلقد كان حديثنا يدور عما يحدث في تونس ومصر، ولقد قلت أثناء حديثنا عن حالتنا أن نسلك طريق الإصلاح، فهو  الأسلم لنا وللوضع العربي كافة، وإن الثورات لا ينتج عنها لسنوات، إلاّ الفوضى والخراب، نعم قلت ذلك بالفعل، وفسرت لهما، حينها، ما حدث اثناء الثورة الفرنسية والبلشفية وحتى الامريكية.  في المساء مر علىّ إدريس المسماري ونوري الماقني،  أخذا من مطعم السمك وجبة عشاء وأخبراني أنهما يتسامران بمنزل الماقني إن وددت المرور عليهما. في المساء تطور الأمر، وقامت المظاهرات، وعلمت فيما بعد أنهم خرجوا تلك الليلة بمثل ما وضح إدريس في كتابه سيرة فبراير ـالذي قرأت فيه ما ذكره عني في -صفحة 65- وكتبت حينها مقالًا أكدت ما قاله.
     تكرر استفهام عدد من القراء عما ورد في تلك الصفحة، ناهيك أن الوضع تفجر وبدأ مسلسل الاغتيالات وإرهاصات حرب أهلية، ومن بعد مرور سنوات ثلاث عللت ما قلت مبرزًا الآتي: «أولًا: أن جبن رأس المال، مثلما قال إدريس، هو في الواقع نظرية اقتصادية تدرس ضمن مناهج الاقتصاد، خلاصتها أن رأس المال حذر في انتقاء مشاريعه، وذلك أمر لا يعنيني على الإطلاق، لأن مشروع (الديوان)  شراكة بين ثلاثة أشخاص، وبذلك يكون (عندي من الشاة وذنها)!! وثانيًا: مقر الديوان مؤجر وليس مملوكًا لأحد من الشركاء، وبالتالي ليس هناك رأسمال يذكر». 
    كانت النية أن أسمى هذا المقهى (قهوة سي عقيلة) باعتبار أنها صنعة والدي، ومقهاه، كان شارع عمرو بن العاص، في ناصية شارع نبوس، وكان مؤجرًا هو الآخر! وفيه تعرفت، واكتسبت أصدقاء بحجم بنغازي كلها؛ قبل أن يتغير الاسم إلى الديوان، لأنني  انتبهت أنه بعواصم العالم مقاهي صارت كمنتديات للكتَّاب، بمختلف توجهاتهم. ثم خطر لي أن أسميه (مقهى جنقي) فلقد قام المشروع بعد فترة وجيزة من رحيله، ولكنهم أفادوني بأنهم لن يمنحوني ترخيصًا باعتبار أن الأسماء محظورة، ثم تسمى مثلما قلت الديوان لأنه اسم تكون من حرف ورقم (D1)، وكانت الفكرة من الدكتور مصطفى الفاخري، ثم أخرجه في صورته النهائية ابني يوسف. 
  يظل تعليل وجهة نظري بشأن ثورات (الربيع) الذي صاف مبكرًا في العالم العربي، بل وبمقدورنا أن نقول العالم الثالث، ونكون أكثر وضوحًا عندما نحدده بالعالم المتخلف، الذي يتحرك بالبركة، أي من دون مؤسسات فعلية، غير أنه لتونس ومصر مؤسسات فعلية، لعل الجيش والشرطة أهمهما - ولمن لا يعرف أن الجيش المصري، الآن، يعتبر التاسع على مستوى العالم. أما ليبيا، التي كانت تسير بالبركة، بالمؤسسات الأمنية فقط، وتتولى أمن القذافي بالدرجة الأولى. 
  أول مقال كتبته عن ثورة 17 فبراير سميته: باستيل بنغازي، مقارنًا فيه بين الثورتين الفرنسية والليبية، موضحًا التشابه في طبقات المجتمعين: الفرنسي ثلاث طبقات: النبلاء، رجال الدين والرعاع. يقابله الليبي: أسرة القذافي الحاكمة والمقربون منها، ثم اللجان الثورية... وأخيرًا عامة الشعب الليبي. لم تكن هناك مؤسسات، لا في ليبيا عند قيام الثورة، ولا في باريس عند قيام الثورة الفرنسية. والنتيجة كانت فرحة عارمة بالحرية، وبضعة قوانين تؤكدها، وفوضى دموية استمرت 5 سنوات في فرنسا، والله أعلم كم ستستمر في ليبيا..». 
   هذا الكلام قلته بالفعل، ولكن ما لم يذكره صديقي إدريس أنني ما إن قامت الثورة حتى التحقت بمن اتخذوا من الجامعة الدولية للعلوم الطبية مقرًا لنشاطهم وظللت مشاركًا في كل ما يتناسب وسني وقدراتي، وما زلت أذكر، وبالتأكيد يذكر بقية الرفاق، اجتماعاتنا وقراراتنا الصائبة وكذلك الخائبة، الموثقة بالصوت والصورة، وإنني لا أتنصل من أي اجتماع وثقناه ورفعناه إلى جهات الاختصاص وما زلت أذكر أنني وضحت أنه يتعين أن يكون لنا عنوان، وبعد نقاش اتفقنا على مقترح اسم للمجموعة، وكان «مجموعة الدعم والمشورة» وكنت من اقترحه. 
   وما زلت أذكر، ويذكر، أيضًا، الصديق الدكتور فتحي البعجة، الذي كان حينها من المجموعة الفاعلة في المحكمة، أن الحاجة إلى تكوين مجلس استشاري ملحة، واتفقنا أن محمود شمام مناسب جدًا بسبب تاريخه وموقفه، وكذلك اتفاق الشارع حينها عليه. وأخبرت الدكتور فتحي أن صديقًا مشتركًا بيني وبين شمام، وهو محمد إبراهيم السوسي سيغادر طرابلس في الليلة نفسها إلى دبي وسوف يتصل به. واتصلت بمحمد من بنغازي في طرابلس وطلبت منه أن يتصل بي حال وصوله تونس، وبالفعل هاتفني من هناك ووضحت له أن يتصل بشمام ويخبره بالاقتراح، وبالفعل قام بذلك ثم أخبرني أن شمام اعتذر، وقال بالحرف الواحد: «إنها ثورة شباب، وإنه بحكم سنه يصعب عليه هذا العمل، مؤكدًا أنه سيقف مع من يختارونه إلى النهاية»، وأبلغت الدكتور فتحي بذلك. وفوجئت بعد أيام بقبوله حقيبة الإعلام. 
   وما زلت أذكر أننا في القاهرة أنشأنا مجموعة تسمت بالاسم نفسه، وكانت تضم المهندس عادل مطاوع الذي جعل من مكتبه الخاص غرفة عمليات «الدعم والمشورة» ولم يغب عنا لا عاطف احنيش ولا الدكتور علي مخلوف ولا السيدة عائشة بن سعود ولا الدكتور إحسان عبدالجواد، ولا هانئ سفراكس وآخرون أتمنى أن ينبهني من نسيت اسمه. 
      وأذكر أنني حضرت اجتماعًا موسعًا في الجامعة الدولية حضرته من بعد غيبة في مصر لعدة  أشهر، شاركتُ فيه وكانت لي مداخلة، وبعد أن وقفت على المنصبة طلب رئيس الاجتماع الصديق الزميل السيد محمد الفاخري، الذي كان الرفاق يلقبونه عندما كنا الجامعة في أواخر ستينات القرن الماضي (ري الدنيا)، طلب أن أعلن الاسم والصفة، فأعلنت اسمى، ولكنني تحيرت بأي صفة أقدم نفسي، كنت حينها أدير مطعم الديوان، فقلت في الحال: محمد عقيلة العمامي، الصفة «طباخ»! 
  بعدما قامت الثورة واندلعت في أرجاء ليبيا؛ لم أنتبه أبدًا إلى حجم المؤامرة، كل ما حدث أنني تخليت عن قناعاتي بأننا لا نحتاج إلى ثورة بقدر ما نحتاج إلى إصلاحات، وأصبحت جزءًا مما اتفق عليه أبناء مدينتي أولًا ثم أبناء وطني بعد ذلك. وبدأت في كتابة مقالات منتظمة، أعترف أنني تأسفت على بعضها.
     ولقد كتبت في بنغازي أنعي الصديق العزيز، الذي لم يغادر ساحة المحكمة، حتى وفاته عباس سعيد العبار، وكان ذلك يوم 19/5/2014 وسلمته إلى الصديق مفتاح بوزيد، الذي ترأس صحيفة برنيق، وأنفق على طبعها من جيبه الخاص، وأذكر أنني سألته أن يتوخى الحذر في انتقاداته للإسلام المؤدلج، لأنه رفع سقف نقده المباشر، وصباح اليوم التالي سالت دماؤه على الصحيفة التي كان يوزعها بنفسه وبسيارته، وعلى عمود نعي صديقي عباس. ومنها غادرت القاهرة وبقيت بها حتى الآن، ولم يطل الوقت حتى قررت بقناعة أنه لم يعد لي مقام في بلادي، وانضممت إلى من كان يعمل في مصر في خدمة المرضى الذين ضاقت بهم السبل، ثم قررت أن أعيش بقية أيامي في مصر، لن أنحاز لجانب من أهلي ضد بقيتهم. ثم أعلنت صراحة: أنا جزء من الحل وليس جزءًا من المشكلة. لم تتوقف مشاركتي في كل ما أراه يخدم وطنًا دينه الإسلام وحكومته مدنية بجيش وشرطة وقضاء وقانون. وما زلت أردد بقناعة أنني: «لا أطمع في شيء.. ولا أخاف شيئًا ..أنا حر». وتوافرت لي هذه الحرية بانضمامي إلى «بوابة الوسط» بالقاهرة، كاتبًا، أكتب ما شاء بلا رقيب أو حسيب إلاّ قناعتي وضميري، ولم تتوقت كتاباتي بها منذ بدايتها يوم 2/2/،2014، وكان «يا حويج» أول مقالاتي التي لم تتوقف حتى تاريخ هذه الحلقة المتممة لما أردت كتابته عن «قهوة سي عقيلة». سيكون لهذه السيرة جزءا متمما لكنه من خلال رواية إنسانية
                        **** 
   فيا صديقي يا أخي محمد 
       اعذرني قد أكون قد أطلت، ومع ذلك أعلم أن الكلمات، التي وردت في حلقات «قهوة سي عقيلة» لم تغط كل ما يتعين أن يقال، فما فائدة أن تعاتب أحدًا بعد مرور نصف قرن من الزمن، وما فائدة أن تبوح بعواطفك في زمن نحتاج فيه إلى عقولنا أكثر.
  ذكريات كثيرة ومواقف وأفراح وأتراح، وأحزان جليلة وأليمة، وعذابات نصف قرن، وتطلعات وخيبات كثيرة لم تعد ملكي وحدي، فلي فيها شركاء؛ منهم من كانت مشاركته مثمرة، ومنهم من كانت بائسة ومؤلمة.. أو تافهة. ولم يعد البوح بها مثمرًا، ومع ذلك أعاهدك أنني سوف أكتب كل ما حدث في «رواية إنسانية» أتناولها برؤية تبرز المسكوت عنه، وتحقق المراد.. وسأظل دائمًا أراك بعينين ممتلئتين بالرضا والامتنان والبهجة والشكر لله على خَلّقِه لأصدقاء مثلك، يؤكدون لي، قبل من عرفك، أنه خلق لنا الإنسان في أحسن تكوين. فكن بخير يا أروع الأصدقاء. 
القاهرة: 21/11/2018

جنقي
محمد ابراهيم السوسي
محمود شمام
مصطفى عبد الجليل وعبد الحفيظ غوفه بالجامعة الدولية يوم اخيار عبد الجليل رئيس المجلس الانتقالي
جانب من اجتماعات جماعة الدعم والمشورة
جمال من اجتماع جماعة الدعم والمشورة
ونيس ومصطفى الفاخري
نورالدين الماقني
ادريس المسماري
عباس العبار
عاطف احنيش وعادل مطاوع وصالة اجتماعات الدعمر والمشورة بالقاهرة
الصحفى مفتاح بوزيد
الفنان التشكيلي محمود الحاسي
عاطف احنيش
الاستاذ محمد حسين كانون
مقهى الديوان

المزيد من بوابة الوسط