قهوة سي عقيلة الحلقة (56) الرحيل


      

     انتعشت البنكية، وتأسس لأول مرة العقل الجماعي لدى الصيادين وتجار الأسماك، وتوفر السمك لدرجة صعب تسويقه، واستقطب النشاط كثيرين بعيدين عن المهنة، منهم مَن استطاع سريعًا أن يكون جزءًا منها، بل وأصبح من عناصرها الفعالة، ومنهم مَن خدعته فكرة سهولة الحصول على الأسماك وتصور أن البحر ممتلئ بالأسماك لا يحتاج إلاّ لمَن يرمي شباكه أو صناره، وكانت صدمته كبيرة عندما علم أن الرايس وطاقمه نصيبهم 60% ولا يتعدى نصيبه 25% بسبب المصاريف، وأن تعطل المركب في البحر لليلة واحدة تضيع معه مصاريف يتحملها وحده.
     كثيرون غادروا المهنىة، أما مَن عرفها ومارسها  بمفرده أو بإشرافه المباشر نجح ولكنه لم ينهل ما كان يتوقعه.وكثر الحالمون وضيعوا كثيرين وراءهم وكثر التقرب والتودد لمَن يمنح القروض للمشاريع الخيالية.وكثر الافتراء والبصاصين واختلط بالمهني وبالمدعين، وكثر الصراع على المناصب التي توفر«باي» من عرق الكادحين أو يضيعون بين مكاتب التصاريح، وتوجهت الحكومة نحو التشاركيات، وتكالب البعيدون عن الصيد على تمليك قوارب ومراكب الصيد.ورأيت أن الاستقالة من بعد إلغاء الوزارة هي السبيل الأمثل، خصوصًا من بعد أن سجنت مع خليفه الجروشي نتيجة وشاية ممن ادعوا أنهم أصدقاء، و«عيال بلاد» واتجهت باستقالي إلى أمين العدل لأن تعييني نُـسب إليها، ودخلت مباشرة على الأستاذ «عبد الرحمن العبار» الذي وقَّع على قبولها من دون أن يسألني عن السبب، وكأنه يعرف حجم الفوضى في القطاع وأنه لم يعد مناخًا مناسبًا لي، وأنه ليس مكان آخر بأمانته .
     وعدت ثانية لبيع الأسماك، وأعددت سوقًا نموذجية، ولكن لم تستمر مثلما وددت وأصبح مقرٌ لي ولخليفة الفاخري نقضى فيه يومنا وجزءًا من ليالينا، بمجرد أن ينتهي من التصحيح اللغوي لعدد من الصحف والمجلات.لم يكتب شيئًا من بعد رائعته «النوارس»، سوى «منابت الريح» التي لم يرها منشورة في حياته.لم يغب علينا الرفاق، ولعل سالم الكبتي الذي كان يراه باستمراره محاولاً بالسبل كلها أن يجعله يكتب، وساعده في نشر كثير من مقالات سابقة، وزوده بكل ما فقده منها. أيضًا طيب الذكر الدكتور زياد علي الذي فرض نصوصه على جريدة «الدعوة الإسلامية».أما صديقنا محمد كانون فقد كان سندًا حقيقيًّا له طوال الوقت .
     لقد أخطرته رابطة الأدباء والكتاب بقرارها لتكريمه، يةم 28/6/2018 وقد سألني ساخرًا بعدها: «أتظن أني ميت؟».فأجبته مستغربًا عن هذا السؤال الذي لا معنى له، فأجابني أخطروني بتكريمي وأنا أعرف أن ليبيا لا تكرم الأحياء! ومع ذلك كان فرحًا سعيدًا بذلك.
     ذات ليلة غادرنا عزاء خليفة الحمري، بشارع المهدوي.وقفت سيارة بجانبنا بغتة نزل منها صديقنا محمد على الشويهدي، واحتضن خليفة بلهفة وفرحة ملفتة للنظر، خصوصًا لي أنا، لأنني أعرف أن ثمة مشكلة كانت قائمة بينهما بسبب أخطاء في مجلة «الثقافة العربية» لم يكن لخونا محمد علي الشويهدي يد فيه، ولكن خليفة لم يعلم ذلك إلاّ مؤخرًا وأخبره بقرار رابطة الأدباء وبموافقته على تولي مجلة «الثقافة العربية» بإقامة المدعوين.ومررنا على شارع بوغوله واشترينا قناديل للمولد وتركته أمام بيته، ممتلئًا بهجة وضحكًا على قفشات أنهينا يومنا بها.
     كنا على موعد صباح اليوم التالي، وما أن وصلت باب شقته، حتى خرجت زوجته لتعلمني أنه سقط فجر ذلك اليوم وأن جيرانه أخذوه إلى المستشفى، والتقيت بمدخل المسشتفى مع أخيه الدكتور مصطفى لنعلم بعد قليل أنها جلطة في المخ وأن الحالة ليست بسيطة، ولا أحد بمقدوره أن يفعل شيئًا سوى الانتظار، أخبرونا أن علينا الابتهال أن يلطف الله به، وعندما دخلت عليه همست له فأمسك بيدي وأخبرني أن أخبر أصدقاءنا: محمد حسين كانون، والدكتور جمعة إعتيقة، وأحمد إعبيدة.لأنهم مقيمين بطرابلس، واتصل جمعة إعتيقة بالسيد عبد الرحمن شلقم، الذي أكد له أن طائرة إسعاف ستأتي إليه متى يقرر الأطباء ذلك.ومنذ اليوم الأول كان الذين يتوافدون أمام المستشفى بأعداد ويظلون هناك حتى أواخر الليل، لدرجة أن أحد الممرضين، سألني:«  مَن يكون خليفة هذا؟» واستطرد: «توفى الله الكثيرين من أبناء بنغازي  في هذا المستشفى بعد بقائهم فيه طويلا، ولكنني لم أر ناسًا قلقين ينتظرون مثلما أرى الآن؟».
      ورحل خليفة مساء يوم 6/6/2001 وأُقيمت جنازة شعبية كبيرة في اليوم التالي ، انطلقت بصمت بأكاليل الزهور من أمام بيته إلى أن  وسد القبر رقم «16655» ، ثم رجعوا يتباكون، كما لم يتباكَ رجال على أحد مثلما رأيت ذلك اليوم.. كانت والدتي أكثر ما أحس بالخواء والحزن والحيرة .نصحتني أن أشارك في غسله وتهيئته للدفن، وهذا ما فعلته، ولكن مساحة الفراغ الهائل الذي حاصرني كان مؤلمًا للغاية لدرجة أن الكآبة كادت تقعدني، ولكن الحياة ينبغي أن تستمر.
 ليلة عودتي من المستشفى إلى بيت المرحوم، كانت أسرتي قد سبقتني فجاءني ابني زكريا وأخبرني بأن زوجة المرحوم تريدني، فذهبنا إليها، وكانت قوية جاملتني بعبارات بسيطة وقالت لي: «الحي أبقى من الميت.. سوف يمتلئ البيت لأيام، وهذا صندوق جمعت فيه أوراق خليفة كلها.. فخذه لأنني أعرف أنك ستحرص عليه ". وسألتني أن خليفة عاد البارحة بقناديل وحلوى، فأعرف لي من أين لأنه خرج من دون نقودا في جيبه!! وعدت بالصندوق  إلى البيت وظللت لأيام اأراه في دخولي وخروجي.. وتجرأت وفتحته.. ولم أتركه إلاّ بعد أن فحصت ما به من صور وقصاصات ورق ونسخ من صحف وجرائد ونسخ من رسائل متنوعة، وقررت في الحال أن أكتب ما أعرفه عن خليفة وأن أحفظ له هذه الأوراق، وشرعت في الكتاب وطبعته وأصدرته بعنوان «منابت الريح»، ثم ألحقته بكتاب ثانٍ عنونته بـ«قطعان الكلمات المضيئة». كان هذان الكتابان قد ساهما بالفعل في خروجي من دائرة الوجع والفقد واستمرت الحياة، وكأن خليفة لم يفارقنا واعترف بأنه كان لشقيقه الدكتور مصطفى الفضل الكبير في ذلك.
     وكانا، ايضا، السبب في انخراطي في الشأن الثقافي الليبي، خصوصًا من بعد حضورنا في مطلع سنة 2001 قبل وفاته بثلاثة أشهر لاحتفالية الذكرى الخمسين لرحيل الشاعر إبراهيم الأسطى عمر في مدينة درنة، الذي حضره معظم الكتاب والأدباء الليبيين، الذين قدموا من مختلف المدن الليبية، فتعرفت على كثير منهم، وكانت مرحلة ساعدتني بحق، وكانت سببًا في كتابة ست روايات ومجموعتين قصصيتين، وكتاب تاريخي تحليلي عن المسألة الصهيونية وكتب عن البحر والأسماك، ولم تتوقف كتاباتي الأسبوعية منذ ذلك التاريخ .وبللتُ من حزني واستمرت الحياة ولكن صار لجنقي ذكرى يومية، لم تعد محزنة ولكن مبهجة فمَن يترك تاريخًا كتاريخه يحق له أن يهنأ، فلقد رحل كنهر لا يترك وراءه سوى حياة وذكرى ملونة كالربيع. كنا نريد ارفاق مقاطع من تأبينه وموكب جنازته ولكن لأن الوسط تعد في فيلما عن حياته وادبه رأينا ان تَضمن هذه الوثاق بالفلم الذي يتناول حياته وسيرته
      لقد كتبت هذه الفقرة يوم 8 نوفمبر سنة 2018 كنت قبلها مع الصديق سالم الكبتي فأخبرني أن هذا يوافق 49 سنة على كتابة رائعته غربة النهر الذي عنون به كتابة الثاني، وأهداه إلى صديقه محمد حسين كانون الذي قال فيه: «إنه يتنفس ودًّا ومحبة»، فيما مرت منذ أشهر خمسون سنة على كتابة مقاله الرائع «عيون الكلاب الميتة»، الذي يعد مدخلاً فنيًّا لمقالته «غربة النهر». وهذا العنوان اأُعجب به صديقه الشاعر الكبير عبد الوهاب البياتي فنسج قصيدة بالاسم نفسه وجعله لاحقًا عنوانًا لديوانه الذي أصدره سنة 1969.
       وكان لابد أن أجد عملاً فـ «العيال كبرت» ومنهم مَن لم يجد في الدراسة غياته، وكان مجال الكمبيوتر قد افتتحت مجالاته فبدأته بمعونة ابني، ثم لحق به أبناء أختي وتطور إلى قسم للأثاث المكتبي، وأصحبت شبه متقاعد، إلى أن شاءت ظروف وملابسات يطول بل يصعب شرحها وتأسس مقهى، خطر على بالي قبل اسميه  «الديوان»، أن يكون  «قهوة سي عقيلة!» ثم خطرلي أيضًا أن اسميه «قهوة جنقي» وتزين جدرانه بصورته وبعض من أعماله، ولكن كان هناك مَن نصحني بأن ابتعد عن تسميته على اسم أشخاص، فذلك أمر يصعب الحصول على ترخيص له، ولكن فكرة مقهى أدبي كانت واردة فبكل عواصم الدنيا مقهى لكتابه، إلى أن اتفقنا على تسميته «الديوان»، خصوصًا وأن حرف  ورقم  كفيلان بإشهار التسمية وهما «D1» فيكون ديوانًا للكتاب والأدباء.وهكذا تأسس الديوان وقام الصديقان الفنانان: محمود الحاسي وفتحي بدر بمجهود رائع في تجهيزه، وأصبح ملتقى للمثقفين، ولوجوه خيرة من أبناء بنغازي، واستقبل مقهاه الذي أُعد للسيدات العديدات من وجوه بنغازي الطيبة، وأصبح مطعم الرياس للأسماك الذي أُلحق به مزارًا لعشاق السمك..وبجزء منه كتبت الكثير من مقالاتي، وأخرج الفنان فتحي بدر كثيرًا من روياتي. أصبح «الديوان» عنواني وعنوان أصدقائي حتى ليلة 15 فبراير 2011.

 

الاديبان على مصطفى المصراتي وخليفه الفاخري
ونيس وخليفه الفاخري
الدكتور الشاعر جمعه عتيقه
امام مطعم الرياس الديوان
الاديب محمد على الشويهدي ومحمد عقيلة العمامي
الشاعر محمد الشلطامي والادباء :الدكتور زياد وخليفه الفاخري و سالم الكبتي
خليفة الفاخري 1959
الفنان التشكيلي عادل جربوع والمصور فاتح مناع
خليفة في محاضرة عن المتنبي بنادي التحدي 1962
الصبي الملاكم خليفه الفاخري
خليفه الفاخري 1962
خليفه الفاخري في مطلع الثمانيات
خليفه الفاخري ومحمد عقيلة العمامي
خليفه الفاخري والفنان التشكيلي محمود الحاسي
الفنان فتحى بدر
الفاخري وصديقه ( الشمعاكون)
الشاعران رجب الماجري وراشد الزبير السنوسى في الديوان
المهندس خليفه الجروشي
واجهة مقهى الديوان
الاستاذ مختار الجدال والشاعرة خديجه بسيكري في حفل توقيع ديوانها اغاني العلم في الديوان

المزيد من بوابة الوسط