قهوة سي عقيلة الحلقة (55) « بعضهم ولد ليكون قبطان »

        "ظل محرك الديزل الهائل يدفع جرافة الصيد (شحات) وهي تجرّ شباكها خلفها طوال الليل وراء اسماك ( التريليا) ، التي تشبه مجساتها المتدلية اسفل دقنها ( شنبات) السلطات إبراهيم ، واسماك المرجان، وايضا بضعة اسماك أخرى تعيش على التريليا وبيضها مثل (المناني الأبيض ) و ( الشكاطلو) .. وعد آخر من أسماك ملونة.

      طوال أربع أعوام، منذ ان أصبح ( دوكو) الميكانيكي المسؤول عن غرفة المحركات، لم تتعطل سفينة الصيد ( شحات) . (دوكو أوكران أيايا) ميكانيكي محركات بحرية من الطراز الأول، يحب عمله .. والبحر .. والشعر، وما يقطر في الخفاء من كحول يحتسيها بمفرده في تلك الليالي الحزينة، التي لا ينام خلالها ابدا.

       قال لي : " كلما يتحداني النوم، افتح محفظتي وأنطر إلى صورة ابنتي التي تنتظرني لأعود لها بمهر عريسها! كانت زوجته قد اخبرته أن عرس أبنته، التي جاء من اجلها إلى ليبيا ليجمع لها تكاليفه، طوال ثمانية أعوام : أربعة في (أكرا) وأربعة في بنغازي، قد تحدد، فعاد إلى وطنه مسرعا، وترك خلفه بضعة أشياء منها قدر كاتم تتفرع منه ماسورة نحاسية لولبية، كانت ذات يوم قطعة من قطع مبرد ثلاجة الجرافة الكبيرة العاطلة منذ مدة.

     قال لي أنه سيعود بعد شهر، ولكن اشهر مرت ولم يعد . أحد أبناء عمومته أخبرني أنه لم يستطع أن يجمع ثمن تذكرة السفر، ولا الديون المستحقة عليه لحانة ( الكلب الأبيض) برصيف الصيادين بميناء أكرا . وما زلت اذكر اشعار (دوكو) التي تتحدث عن الرجال البيض الذين سرقوا الماس من حبيبته وتركوا جيدها عاريا. وتحاصره الغربة، فتخنقه الغربة، وتطلعه إلى اليوم الذي يعود فيه لينام في حضن حبيبته تحت شجرة الموز، عندها يتحول الشعر إلى غناء ويعلو صوته فوق صوت المحرك، إلى أن ينتبه أحد البحارة إليه، فيقوم في الحال بتهيئة فراشه، ويحل محله في مراقبة غرفة المحركات. كان البحارة كلهم من ليبيين ومصريين ومغاربه يحبون ( دوكو) كثيرا." – من مجموعتي القصصية ( الديوك).

    وكلفت بالسفر إلى غانا للتعاقد مع عمالة متخصصة لجرافات الشركة الليبية للصيد البحري. كان معي عضوان اقترحت ان يرافقاني هما : عيسى الفلاح، وداوود شاكير، وكان علي أن ابحث عن( دوكو) في حانة الكلب الأبيض، لثقتي فيه بالدرجة الأولى وقناعتي بخبرته ليس في اختيار الأطقم فقط، بل في معرفته للرجال، فلم يقل رأيا في احد ممن عاشرتهم في الميناء إلاّ وتأكدت لي فراسته. وجدته في الحانة وكلفته بما نحتاج.

      لقد استحدثت وزارة للثروة البحرية، وأسست ثلاث شركات للصيد البحري وكان المركز الرئيسي لهذه الشركة التي تعد المنطقة الشرقية هي إقليم عملها في مدينة سوسه، وأصبحت بنغازي فرعا وضمت إليها شركة بنغازي، ولكن رئيسها العقيد محمد قادير لم يبقى بها، وبدأ الصراع على من يحل محله، كنت حينها مهتم بمركبين للصيد تعاقدت على تصنيعهما بالإسكندرية، تولى الرايس عيسى الفلاح ادارتهما وأيضا بتسويق وتصدير الأسماك، وفوق ذلك ابحاثي وكتاباتي عن الأسماك والرياس. وعلمت أن الصراع على تولى رئاسة مكتب بنغازي على اشده، وأن اسمى مطروح، ولكن وشايات وصلت فرج نصيب تقول أنني سخرت من قدرته في إدارة هذا المشروع، وأصر خليفه الجروشي، باعتبار انه امين اللجنة في بنغازي على ترشيحي، ولكن الأمر لم يحسم إلاّ بعد أن تدخل إبراهيم بكار ووضح لفرج نصيب أن ما سمعه عني لا صحة له، وأنه يعرفني جيدا، ودعاني ذات ليلة لعشاء في منزلة وهناك التقيت بفرج نصيب، وأسمعني ماذا قلت عنه، وأكدت له أنني لا أتطلع لهذا المنصب، وبالتالي لم اقل ما سمعه منسوبا إلى، ثم أن أخلاقي لا تسمح لي بالطعن في شخص لا اعرفه. منذ تلك الليلة لم اعد مجرد موظف في شركة يرأسها بل أصدقاء، فلقد ارتبطنا وصداقة تواصلت حتى رحيله، تعرفت أيضا على حوسات الصادق حوسات وكان نعم الرفيق، فلقد كان مجلس إدارة الشركة يتكون من فرج نصيب وحوسات الصادق، وعبد الله عصمان، واحمد الشريف، والعبدلله .

     ولقد فوجئت بالحديث عن جرافات حديثة ستصل إلى ليبيا، وتأكدت من الخبر وكتبت اكثر من مرة أن الصيد بالجرف سوف يؤذي ثرواتنا البحرية، فالعالم الان انتبه إلى مغبة الصيد بهذه الوسيلة في مياهه الإقليمية لأنها تحيل القاع إلى مجرد حمام سباحة لا حياة فيه، واذكر أنني قلت هذا الكلام للسيد مفتاح كعيبة الذي كان وزيرا للثروة البحرية، واخبرني أنه لا يد له في هذا التعاقد، فهو لم يعلم به ابدا به ، وأن من تعاقد على هذه الجرافات مع كوريا عبد السلام جلود. واخبرني ان الجرافات ستبتعد عن الشواطئ، وأن بحرنا غني بكائناته البحرية، وأذكر أنني أرسلت له نسخة من تقرير الأمم المتحدة الذي اعد سنة 1952 يؤكد أن المخزون السمكي في الشواطئ الليبية بالكاد يفى بحاجة سكان البلاد. ولم يكن للسمك اقبالا من السكان، ذلك إذا استثنينا طرابلس واقل بكثير في بنغازي، وكان الطريف حتى السبعينيات، أنه من العيب أن تقدم المرء لضيفه اسماكا في وجبة ضيافة ، وقبلها كان حتى الدجاج معيبا، فإكرام الضيف بلحم الضأن بالدرجة الأولى. والحق يقال أنه كان يريدني بالسبل كافة أن اتولى إعلاميا أهمية السمك كغذاء، وكان وراء كتابتي لكتب الوجبات السمكية.

    قد نختلف مع السيد مفتاح كعيبة في قناعاته بثورة القذافي، وبشخصه وفكرة، ولكنني اشهد أن الرجل نقيء وشريف وأن ذمته المالية لم تتشوه مطلقا، وكان بعيدا عن أي فساد مالي، وهذه شهادة مسئول عنها امام الله.

    ما أن علم بموعد وصول الجرافات، حتى شكل لجنة للتعاقد مع عمالة بحرية من المغرب، وغانا، وسفرنا إلى المغرب، وكان قبطان مغربي اسمه ( اللموكي) هو من بعثته قبلي إلى بلاده وهناك انتقى عددا من البحارة قبل وصولنا إلى المغرب وتعاقدنا معهم غير انهم لم يستمروا طويلا فلقد عاد الكثيرون وبقى القليل منهم ، فلا عمالة توافقت مع الليبيين في مجال الصيد البحري، سوى المصريين والغانيين.

    عمل ( دوكو) بإخلاص وجهد كبيرين، وانتقى الأفصل، وبالفعل كانوا جيدين للغاية، ولم يعجز سوى في أيجاد قبطان لصيد اسماك التونة، فلقد كانت هناك جرافتين حديثتين لصيد التونة، ولكن تخصص هذا العمل نادر ومطلوب بشكل كبير، وبالصدفة التقيت بالفندق حيث نقيم بشخصية اعتقد موظف الاستقبال انه يتبعنا، عندما اخبرني أن القبطان ( أكران) طلب منه ان يخبرني أنه سيتأخر قليلا، ولقد اعتقدت أنه ( دكو) فانتظرته، وعندما وصل أشار إليه بمكاني. سألني عما اريد، فأخبرته أنهم قالوا لي أنك تريد مقابلتي، وعرفت منه أنه قدم من مدينة أخرى لمقابلة شخصية إيطالية، وأنه بالفعل قائد سفينة لصيد التونة! وانتهى الحديث بعرض قدمته له عدل فيه بضعة اشتراطات، وافقته واخبرني أن العادة أن قبطان مثل هذا التخصص هو الذي ينتقي مساعديه فوافقته.. ومنذ لقائي ايقنت انه بالفعل خبير في عمله، وأنه يعمل منذ سنوات في البحر الأبيض المتوسط، مع سفن إيطالية، واعجبت بشخصيته واصبحنا أصدقاء خصوصا عندما طلب قيمة مالية يحتاجها .. لم تكن في الواقع كبيرة، فغامرت بها لقناعتي بأنه شخصية جيدة.

     وصلت الجرافات، والعمالة ، وأحتقل بوصولها رسميا، ولم ينتبهوا أن الجرافات لن تعمل إلاّ اذا عرفنا كيف نتعامل انسانيا مع اطقمها وأن نعي جيدا انهم بشر مثلنا، وليسوا مجرد خدم او عبيد. لقد انتبهت أن الاعداد كان لضيوف الوزارة فقط، بل كلفوا بعضهم للفيام بخدمات الضيافة. كنت أعرف من ( دكو) أن افضل اكرام للغاني أن تخصة برأس البهيمة، وكانت اللحوم تذبح وتوزع من خلال الشركة الوطنية للحوم، فأتصلت بمصطفى الفيتوري الذي حينها يعمل مع الشركة وشرحت له حاجتي إلى رؤوس اغنام، فأكد لى بعد اتصالاته مع القائمين على الذبح، أن استطيع ان استلم صبح اليوم التالي من 150 إلى 200 رأس. مقابل كمية من الاسماك. في اليوم التالي بعثت السيارة المبردة إلى المجزرة وعادوا بها ممتلئة برؤوس الخراف. في الصباح نفسه قبل الحفلة التي كان موعدها بعد الظهر. جمعت الغانيين كانوا حوالي 150 بحري ورياس اشباك. وجعلت دوكو ينظمهم، ويوزع عليهم مافي العربة المبردة

  . كانت فرحتهم عارمة، بمفاجئتهم بهذه الرؤوس، وايضا لاهتمامي بعادتهم، فصرت من ذلك اليوم وكأنني ” أمين لجنة الغانيين الشعبية" وفوق ذلك صديقهم. ولقد تركت الشركة وكان منهم من استمر بعدي، لا يعود من رحلة صيد إلاّ ويحضر إلى بيتي أفضل ما تأتي به شباك الصيد . يوم توزيع الرؤوس، كان ( أوكران) قبطان سفينة الصيد متكئ على حاجز قمرة القبطان. كان هو الوحيد الذي لم يصطف أمام عربة الرؤوس. نظرت إليه وقلت له :

 Some people born to be Captains, You are one of them!" "

    شكرني على أطرائي وذكرن بعباراتي هذه من بعد أن ترك الشركة وعاد للعمل مع الطليان، واتصل بي بالاسلكي من عرض البحر. فلقد ظل بميناء بنغازي طويلا، اعد شباكه، وافهمنى أن الخروج الآن هو مضيعة للوقت واهدار لوقود، فأسماك التونة لن ترتفع إلى السطج إلاّ بعد أن تصل حرارة سطح المياه إلى مستوى معين، غير أن السيد مفتاح كعيبه ظل يتصل هاتفيا مؤكدا لي مثلما كان يقول : " والله " عبدك" ما ينفع .. تعال شوف قبطان جماعة طرابلس .. يطلع كل يوم ويعود بحوت .. " وعندما اخبرت ( اوكران) بذلك، أكد لي أنه من المستحيل ان يعود بتن في هذا الطقس ، قد يكون يصطاد بعض اسماك السطح الأخرى، ولكن قيمتها لن تغطي تكلفة صيدها. واصر على عدم الخروج مالم تكون درجة حرارة الماء مناسبة.

    ذات يوم هاتفني من عرض البحر وأخبرني أنه متجهة نحو الغرب، ولن يعود إلاّ بالتونة ذات الزعنفة الصفراء وهي الأفصل في المتوسط. بعد حوال عشرة ايام أتصل بي واخبرني انه ثلاجة سفينته ممتلئة، وكذك صطحها وانه قريب من طرابلس وسيتجهة إلى الميناء وقد يصله مساء اليوم نفسه. اتصلت في الحال بالسيد مفتاح كعيبة واخبرته بالمعلومة .. وصلت الجرافة، ولم تجد من يستقبلها .. واتصلت مجددا بالسيد الوزير وجند كل امكانيات الوزارة من اجل نقل الشحنة إلى الثلاجة، غير أن رجال الاعلام اصروا على تصويرالاسماك .. ولم يغب التلفزيون والزوار وظلت الأسماك لليوم الثالث والرابع وقبطان السفينة يكاد يفقدعقله. فطرت إلية واخذت منه ميزان المحصول وكان يربوا عن 55 طن. وابرقت إلى الادارة العامة بما حدث، وطلبت منهم ان يعدوا له نصيبة وهو 10% من قيمة الشحنه ويصدروا به الصك وييعثوه لي. في اليوم التالي وصل فرج نصيب بالصك .. وسلمته للقبطان، ولكنه كان يتحسر على الشحنة التي بدأت تتحلل، لأن ( مافيا) اسمك التن التي كانت تصدره تونس ابغصوا سعره بدر جة كبية، فأشرت على رئيس الشركة أن يقايض المحصول بتن معلب من الشركة وكذلك سردين مجمد. وهذا ما حدث. غير أن القبطان أخذني جانبا وقال لي أنه لا يستطيع أن يعمل مع هذه العقليات، وانه لن يجدد عقده. فأخبرته ألاّ يخبر احد حتى تتم اجراءات مغادرته.

    كانت الأخطاء جسيمة، ولكن كان الجميع يعمل على الدعاية أكثر من النتائج العملية، فمثلا كانت تنظم مسابقات الصيد بين مختلف السفن كمشاركة في احتفالات الفاتح من سبتمبر، وكان المحصول معظمه من اسماك القاع كالفروج والمناني، ولكن عندما نبهتهم أن شهري اغسطس وسبتمبر هما شهرا القاء هذه الاسماك لبيضها. اجابني احدهم : " بَطّل تشويش .. تو انت مولّدها من قبل! " وبطلت تشويش ثم (بطّلتْ بكل)! .

الرايس عيسى حسين الفلاح
جلوسا من اليسار مصطفى الفيتوري وبجواره أحمد فكرون وقوفا على الفيتوري محمد حمامه ومختار اعبيده
داوؤد امين شاكير
محمد عقيلة العمامي وخليفه الفاخري ومحمد بليقه
الرايس عيسى الفلاح وعقيله محمد عقيله اقصى اليسار
ابراهيم بكار
المهندس خليفه الجروشي
مفتاح كعيبه
مصطفى الفيتوري يتصدر الصورة من اليسار بنادي الهلال