عزة سمهود: نحتاج التخلص من المجاملات وتغيير الدماء في شرايين وأروقة الثقافة

الشاعرة والروائية الليبية عزة رجب سمهود (تصوير: مريم العجيلي)

عزة رجب سمهود، هي شاعرة وروائية ليبية، كتبت الشعر والقصة والمقال والنصوص السردية والنثرية، تنطلق كتاباتها من مبدأ الإنسان، مناهضة قضايا العنف ضد الطفل والمرأة، ومؤيدة أنسنة الجمادات، تكرس كتاباتها بشكل عام ضد الحروب التمييز العنصري وممارسة العنف، لها رواية وأكثر من خمس مخطوطات شعرية ومجموعة قصصية ومجموعتان سرديتان ومقالات فكرية وفلسفية عديدة ومتنوعة المواضيع.. وفي هذه المساحة نحاورها.

ـ نصوصك حداثوية في آخر نسخة مطورة من لغات البرمجة الشعرية.. كيف جئت إلى الشعر؟
لم يكن الأمر مصادفة، فأمي رحمها الله شاعرة، تعاطت الشعر الشعبي والمحكي منذ طفولتها، واعتادت على الترحال الذي أكسبها تجربة ذات موروث شعبي أصيل، فقالت الشعر المحكي والغنائي.

- كيف تحيلين الألم اليومي إلى شعر وبساطته إلى عمق وعاجله إلى فلسفة وكل التقاط إلى لسع وكل ما يمرَّ وينطلي إلى إثارة وأسئلة في روعة حزينة؟
الألم شرنقة نولد فيها جميعًا، وقدرتنا على الخروج منها تعتمد على أسلوبنا في تعاملنا مع الكيفية التي تسكن ذواتنا، هنالك مَن يترجم ألمه بالفرشاة، وهناك مَن يغني له وهنالك مَن يكتبه وهنالك مَن يشيح بوجهه عن ألمه فينساه ويدفنه كعظام رميم، لا يحييها إلا جرح جديد. علاقتي بالحزن تكاد تكون مشبوهة، أكثر من مرة تواجدت معه متلبسة، كنت أبدي له احترامي وأكتب من أجله، لكني لا أتجاوز عنه ببساطة، بل أدقق في ملامح تكوينه، أدلله حتى يكبر و يتجلَّى، فإن تجَّلى فله قدسية الشعر، وعبقرية الفِكرة، وله أنْ يصبح جميلًا كقمر سافر في معارج البياض.

- لك خيال خاص حيث تطوعين العمق الفلسفي في سيريالية.. ماذا تقولين؟
لكل منا خياله يجنح به أينما امتطى صهوة الشعر، الاختلاف بين شاعر وشاعر لا يحدده سوى الثقافة والاطلاع والقراءة، لذلك العمق الذي يكتسي النصوص الشعرية هو بحر الشاعر نفسه، ولا أعتقد أن المسألة فيها جانب التطويع قدر ما هو جانب التأثير، فاللغة تتأثر وتتشكل في النص وفق المخزون اللغوي والثقافي الذي يصبها على الورقة البيضاء قد يكتسي حينها مضمونًا موضوعيًّا أو سرياليًّا أو تجريديًّا أو فلسفيًّا أو فسيفسائيًّا متحولاً.

- اختيار قصيدة لكِ ضمن قصائد عربية ترجمت للإنجليزية ثم للإيطالية وغنيت بالإيطالية.. كيف وجدتِ هذه التجربة؟
هي تجربة خلاقة لأهمية بعدها الإنساني الشمولي، الشعر في نظري ومبدئي الخاص إذا لم يحقق المبدأ الشمولي فهو غير جدير بأن يقرأ وإذا لم تقده دالة المعنى التي تؤثر في القارئ فتجعله مهتمًا ومحبًّا للقيم النبيلة والسامية فهو لا يستحق أن يكون عابرًا للقارات وعابرًا للهوية وعابرًا للطائفية وعابرًا للغة لأن الغاية القصوى من الشعر أن يكون للإنسان رسالة الأرض للسماء.

- يعاني المشهد الثقافي الليبي الشللية والنخبوية.. لماذا برأيك؟
لعل السبب أنها لم تواجه ولم يتم نقدها ولم يثر عليها المجتمع الثقافي فكان لها أن تتمدد وتبقى، من أجل مصالحها الشخصية، ما بقي الصمت حيالها قائمًا.

- الانقسام الذي يشهده الشارع العربي بين قوى التكفير والجهل والتخلف امتد لكل ساحات الأدب والثقافة.. دور المثقف في هذا المجال كيف يجب أن يكون؟
المثقف مسؤول عما يكتب ومسؤول عما يسوقه للآخرين، المبدأ الإنساني لا أتخلى عنه في كتاباتي، والانفتاح في نظري ليس فوضى لفكري بل هو إعادة لتنظيم أفكاري وطريقتي في التعاطي مع الحياة لذلك أتعامل مع الانقسام القائم بشكل طبيعي، فالاختلاف سمة خلقها الله في كونه، والتعصب في الآراء تجاه الآخرين يمنع حقهم في خياراتهم، يجب أن يكون دور المثقف نابعًا من مبدأ احترام رأي الآخر والاستماع له والتعاطي معه وفق احترام حرية خياراته، كما يجب أن نراعي الفرق بين النقد والانتقاد، فالأول ظاهرة صحية من أجل خلق وعي جماعي منظم والثاني ظاهرة مرضية تزيد من انقسام المشهد.

- هلى أثرت التقنيات الحديثة من شبكة التواصل الاجتماعي على تطور الشعر.. أم برأيك أدى إلى تراجعه لانشغال الشعراء؟
مواقع التواصل الاجتماعي حملت معها الأصوات التي حرمت من حقوق النشر والتي لم يتسنَ لها الوقت لتبدأ التعريف بنفسها ورقيًّا، بل إن لمواقع التواصل الفضل في تطوير الشعر والتعريف به وجذب جمهور العوام إليه والتعرف إلى خطوط الكتابة وأشكالها وطريقة الشكل البنائي لكل وحدة شعرية.

- هل ترين أن الشعر خاصة والأدب عامة قصَّر في إرساء قيم التسامح والمحبة بين أبناء الوطن؟
لعل الاقتصار على الكتابة فقط أمر يبخس حق الوطن في حماية قيمه ومبادئه باعتبار أن مبدأ الكتابة يرتكز على المعايير القيمية والشمولية قبل أن تكون تعبيرًا ذاتيي التوثيق، لكل ما يحدث هو مهمة الشعر ومسؤولية السرد، حاولت قدر الإمكان ألا أسقط في فخ الانحياز السياسي لأي تيار وكتبت للوطن فقط ولأبناء الوطن فقط في منشوراتي أحاول ألا يكون الشتم والسباب وسيلة للتعبير لأنها تذكي روح الفتنة ولأنني مسؤولة عن قيادة القارئ نحو القراءة الآمنة، خاصة أن القراء مستويات، فهنالك مَن يتأثر وينقل رأيي للشارع ويؤثر به .لا أعتقد أن الشعراء قصروا في إرساء قيم المحبة والتسامح وفي توثيق الحرب، كلهم يكتبون من أجل ليبيا، نحن فقط نرجح أن سبب طول عمر المشهد البائس هو أن الذين يتحكمون في مجرياته لا يجدون وقتًا للقراءة وللتعاطف مع الناس والإحساس بمعاناتهم. إنهم مشغولون بقضايا السلطة والمصالح .

- برأيك ما الذي نحتاجه للوصول إلى مشهد ثقافي حقيقي؟
نحتاج للتخلص من المجاملات أولاً وللقناعة بأن ثمة جديدًا كل يوم، نحتاج لشخصيات قيادية مثقفة ممتلئة فكرًا حقيقيًّا، نحتاج لظاهرة النقد البناء وتقبل الآخر، نحتاج للتعدد وتغيير الدماء في شرايين وأروقة الثقافة انطلاقًا من مبدأ أن التحديث يعني التجديد، وأن التجديد يعني الاستحداث .

- يعتبرك كثير من النقاد والشعراء شاعرة متجددة حداثوية.. كيف ترين نفسك؟
أرى نفسي صديقة الشعر، أكتب وأنكب على كتاباتي بحب شديد. أنصت لكل شيء حولي وما حولي من نكرات ومعارف لها قيمة وجودية في نفسي لطالما كنت صديقة الجمادات وصديقة البشر والحيوانات يلاحظني بعضهم كيف أكتب بطريقة متجددة لكني في قرارة نفسي أجدد من إيماني المطلق بالشعر ليس أكثر.

- مسؤولية المثقف جراء الأحداث.. كيف يجب أن تكون؟ هل تعتقدي أن كثيرًا من المثقفين قد تملصوا من أدوراهم؟
تقع، أي تسقط، مسؤولية المثقف إذا خاض من أجل تيار ما، مقدمًا إياه على كلمة الوطن. المثقف يجب أن يكون بعيدًا وعلى مسافة متساوية من كل التيارات السياسية ومن أيديولوجيات السلطة ويتعاطاها وينقدها بالشكل الذي تستحقه دون تعاطف أو تبرير، ولذلك أعتبر أن تعقيد المشهد الذي وصلنا إليه الآن سببه الانقسام الثقافي بين النخب وأصحاب المصالح وما يسمى في السياسة الخارجية بجماعات المصالح، وكان لها دور في خدمة تيارات معينة والترويج لها خاصة عبر منصات التواصل الاجتماعي.

- ما الذي شكل تجربتك الشعرية؟
التجريب هو الذي ساهم في تشكيل ملامح تجربتي الشعرية ثم يأتي الاطلاع، فأنا أحب القراءة للجميع دون تمييز. أتعامل مع تجاربهم بإحساس عميق بمعاناتهم وما قد يكتبون من أجله.

- استخدمتِ خيالكِ الشعري في تناول قضايا بلدكِ.. هل تثبتين أن الشاعر ليس بعيدًا عن قضايا بلده؟
الشاعر قريب جدًّا من إحساس الناس والبلد. هو مجموعة هؤلاء الناس لست وحدي من أثبت أن للشعر إحساسًا عميقًا بالقضية. كل شاعر ولد على هذه الأرض حمل على عاتقه القضية. الشعر هو القضية والشاعر صاحب تلك القضية ـ يوصلها بصوته وقصائده المتفاعلة، نيابة عن أبناء شعبه.

- اختارتك مؤسسة الشعر العربي والنبطي والشعبي كسفيرة فخرية في ليبيا لتمثيلها في نقل حراك الشعر والأدب الليبي.. ما الرسالة التي تسعين لنشرها؟
توصيل معاناة أهلي وبلادي للعالم هو غايتي القصوى، نجحت في ذلك عبر الترجمة للإنجليزية والفرنسية والإيطالية وكان لي شرف المشاركة بعدد من الدوريات والأنطولوجيا العربية والعالمية، ولعل أهم القضايا التي أحرص على توصيلها هي حقوق الناس ومعاناة المرأة بشكل خاص ومعاناة المهجرين قسرًا والمخفيين عمدًا والمسلوبين من حقوقهم.

- غبتِ مؤخرًا عن الحراك الثقافي في بنغازي.. لماذا؟
لا أعتبر نفسي غائبة وإن كنت أعلم أن بعضهم يصر على الدعاية بأنني غائبة عن (مناشط بنغازي) التي لها مالها وعليها ما عليها من مآخذ ثقافيًّا. بنغازي قدمت وكتبت لها ومن أجل التعريف بالحرب التي تخوضها نحوالي جزأين من سلسلة تتحدث عن الحرب في داخلها تحتوي قرابة خمس وثلاثين نصًا سرديًّا وقرابة مئة نص شعري وعدد من المقالات الفكرية والقضايا السياسية التي نشرتها في موقع «ليبيا المستقبل» والحوار المتمدن العالمي وكان لها قراء مثقفون من كل مكان واستخدام صفحتي في الدفاع عن حقوق الآخرين وحقهم في الحياة وتوثيقي سيرة الحرب في روايتي المطبوعة «فر الريح»، فهنالك وسائل أخرى يمكنها أن تكون أقوى وأكثر حرية وفاعلية وتأثيرًا، لذلك أنا موجودة في مناشط بنغازي بالطريقة التي توافق حريتي التعبيرية وتحفظ مكانتي.

ـ تعرضتِ لسرقة أدبية.. كيف يمكن للأديب أن يحمي إنتاجه في ظل فضاء أزرق واسع لا حدَّ له؟
نعم للأسف تعرضت للسطو على نصوصي بشكل مباشر وغير مباشر، فالسرقات التي تمت بشكل مباشر كانت تذيل نصوصي بعد نسخها باسم مَن سرقها وبعد تعديل أسماء مدن وأمكنة ذُكرت في النص الأصلي المكتوب عن دولة ليبيا أو إحدى مدنها، أما السرقات غير المباشرة فأنا أتابعها جيدًا وأعلم أن ثمة استنساخًا للشكل البنائي الذي كتبت عليه نصوصي بحيث تتطابق مع شكل بنائي لنص كتبه شاعر آخر، وهذا حدث وأشاهده بشكل شبه يومي، لا أعرف طريقة يحمى بها نتاج الأديب سوى النشر الورقي والحصول على ترقيم دولي.

ـ عُـرض عليكِ نشر كل إنتاجكِ الأدبي من قبل دور نشر عربية.. هل سنرى نتاجك قريبًا في المكتبات؟
صحيح قُدِّمت لي عروضٌ من قبل شخصيات عربية معتبرة تتابع نتاجي من أجل حفظ حقوق الملكة الفكرية لنصوصي. في الحقيقة خجلت من قبول هذه العروض، فقد اعتبرتها مأخذًا كبيرًا على بلادي التي تعوم فوق بحيرة نفطية فبقيت مخطوطاتي الشعرية وعددها يقارب سبع مخطوطات بين سردية تعبيرية وسردية مفتوحة وشعر ونثرية تنتظر في أدراجها في ظل الأوضاع المتردية وقلة دور النشر وارتفاع أسعار طباعة الكتب وغياب المرتبات... إلخ من الهموم التي تحبط بشدة.

ــ ماذا بعد «سفر الريح»؟
بعد «سفر الريح» شغلت بدراستي في الأكاديمية البريطانية الليبية، ثم عكفت بعد ذلك على تجميع نصوصي، وحاليًّا أقوم بتنقيحها تجهيزًا لطباعتها في حال توافر الفرصة، أما بخصوص كتابة رواية ثانية فهذا بعيد قليلًا بالوقت الحالي لأن الرواية تحتاج لمناخ خاص ووقت لتدارس الفكرة والموضوع، ولم يتوافر لي الزمن المناسب ولا المناخ الجيد للانشغال بها.
 

المزيد من بوابة الوسط