قهوة سي عقيلة الحلقة (53) «حافة العالم الشرقية»

      مجتمع الصيادين والبحر، في العالم كله خصب وشائق المواضيع، لمن يريد كتابتها، وهو يعكس، أيضًا، حال الناس في ذلك الوقت، غير أن قصصًا كثيرة لم أستطع كتبتها لأسباب هي في الغالب تقود الكاتب نحو مطبات هو في غنى عنها.
      كانت القطيعة مع مصر انتهت برحيل أنور السادات، سنة 1981 وتحسنت العلاقات وعادت العمالة المصرية إلى ليبيا، فانتعشت حركة صيد السمك وتسويقه، وفاض المحصول لدرجة أن الصيادين عجزوا عن تسويقه، ولقد وقفت يومًا على الحاج إبراهيم عريبي يوزع محصولاً وافرًا من الأسماك بالمجان، لأن مبرداته امتلأت وكان السمك سيفسد لو لم يهبه صدقة، مثلما قال، وبدأت مشاريع تصديره إلى تونس ومصر واليونان.
لعل الحادثة التي وقعت سنة 1983. والتي حدثتكم عنها في الحلقة السابقة نموذجًا منها، ناهيك عن مسائل وتخوينات وبصاصة من وجوه معروفة في البنكينة لا هدف منها سوى التقرب إلى السلطة، ولا أعتقد أن تناولها بالأمر المستحب خصوصًا وأن البعض رحل عنا ولكنه ترك ذرية صالحة ولا أرى فائدة من ذكرها لأحد.
     تفرغت تمامًا للكتابة ومع ذلك لم تتوقف رحلات الصيد ولا تسويق الأسماك. وإن كانت تواجهني بعض المشكلات، كأن تتزامن بضعة أشياء في آن واحد؛ كأن تطلب مني الشركة الاستشارية عملاً مستعجلاً، وقت إعدادات التسويق الجماعي، أو أن شركة تحتاجني لأمر ما. 
لقد تأخرنا ذات صباح في عودتنا إلى سوق السمك، وذلك يعني صعوبة بيع ما اصطدناه في تلك (السرحة)، وهي التسمية لرحلة الصيد. كانت أسماك ذلك اليوم جيدة ومطلوبة ولكن المسوقين أبخسوها قيمتها، لم نتردد، لا أنا ولا محمد بوكر، أخذنا ميزان السمك وانطلقنا بشارع رئيس من شوارع بنغازي وعرضنا أسماكنا، وما هي إلاّ ساعة أو اثنتان حتى بعنا أسماكنا كلها.
    بعد فترة ذهبت إلى مصلحة ما لقضاء أمر، رحب بي أحد الموظفين، مرددًا أنني درّسته بمدرسة العمال الليلية، وأنه ممتن لذلك. لقد أنجز حاجتي بسرعة وانفرد بي جانبًا، وقال: متأثرًا: «.. والله -يا أستاذ- ذلك اليوم لم أستطع تناول وجبة غدائي، فلقد حزنت كثيرًا عندما وقفت لأشتري سمك، واكتشفت أنك أنت من تبيعة، وخجلت! أستاذي يبيع السمك وأنا الذي كنت تلميذه أقف على رأسه، وهو الذي كان يقف على رأسي ويعلمني ما لم أكن أعلم.. لعنة الله على الزمن الذي يذل الرجال..». قلت له: «هون عليك يا أخي.. صيد السمك وبيعه مهنة شريفة، ثم إنني غاوي الصيد وأمارسه بمزاج.. ولا أشعر مطلقًا بالخجل مما أفعل.. ومع ذلك أشكرك على شعورك». 
    وبعدما غادرته تعجبت من أمرنا، وزاد من حنقي أن أحد ثوار ذلك الزمن تناول في موضوع نشر بمجلة الثقافة العربية منتقدًا نشر المجلة موضوع (الرياس): كيف لها أن تكتب موضوعًا مزفرًا عن الأسماك! الغريب أن الحضارات كلها كانت تزدري السمك وأكله، ولم يصبح سلعة مطلوبة إلاّ في العصر الروماني، بل في مسلة فرعونية نقش قاله فرعون الوجه القبلي لفرعون الوجه البحري يعايره من بعد أن انتصر عليه ويقول له: «أنت يا ذو الرائحة الكريهة، يا آكل السمك تحاربني؟». معظم ما كتبته في تلك الفترة كان عن الأسماك، وقصص قصيرة أغلبها عن صيد السمك مجتمع الصيادين، ثم بدأت في كتابة أول روايتي، وهي «ليلة عرس الجمل»، ولكن لم أنجزها وانشرها إلاّ بعد وفاة الفاخري بستة أشهر.
     كان قد وصلني أن هناك من قال إنها لخليفة ولكن بعدما رحل نسبها العمامي لنفسه، ولقد فرحت حينها كثيرًا، لأنني أيقنت أنني أسير في الطريق الصحيح، وما قالوه يعني أنني أكتب بمستوى على الأقل يقترب من مستوى خليفة. لقد بدأت كتابة رواية «ليلة عرس الجمل» في (هالم بي)، وهو خليج مشهور في فيتنام، واطلع الرجل النقي الشريف العفيف الذي لم يتلوث مثل كثيرين تولوا مناصب وانتهزوا فرصًا وأثروا، ولقد ثابر على تذكيري بأشياء ظلت نصب عيني طويلاً طوال تلك الرحلة، إنه الأستاذ عوض بن موسى، الذي ترأس وفدًا كنت أحد أعضائه في مهمة إلى فيتنام، لقد أعجبته هذه الفقرة كثيرًا، أطْلعته عليها في الطائرة التي عادت بنا من سايجون، وذكرني بها بعد صدور الرواية، وأخبرني ما زال يحتفظ بمخطوطتها.. تقول الفقرة: 
«انتصف ليل (هالم بي) 
     تعالت قهقهات رفاقي واختلطت بطنين الآلات الموسيقية الفيتنامية، وأغاني البحارة السكارى وتعليقاتهم الماجنة. على نحو مباغت نهض بأعماقي حزن جليل لم أستطع إخفاءه. تظاهرت بمجاراتهم، حاولت أن أبدو سعيدًا ولكن حزني غلبني فانسللت من بينهم في هدوء. 
لم ينتبهوا لمغادرتي فقد كانوا لاهين بهمسات فتيات التدليك الواعد. كان الشبق قد عزلهم عن كل ما حولهم، وكانت الفتيات الصغيرات الملطخات بالأصباغ لاهيات بالتدخين والأكل والشرب والرقص، فيما امتزج رنين ضحكاتهن الخليعة بأغانيهن الشعبية، التي تشبه إلى حد كبير مواء القطط في الليالي الربيعية! 
    ولما اصطفق باب الحانة خلفي، ولفحتني رياح خليج (هالوم) الشرقية المشبعة بالرطوبة والحر الشديدين، بدا لي الأمر كما لو أن أبواب الجحيم انفتحت أمام وجهي مباشرة. تنفست بعمق ثم عبرت الشارع نحو البحر، وعندما وصلته، خيل لي أن ذلك التنين الآسيوي الأسطوري، المرسوم على مقدمة مركب خشبي عملاق، مطلي باللون الأصفر، مشرئب نحوي بشزر وينفث دخانه في وجهي مباشرة! 
فوق حافة رصيف البحر، تلاشى ذلك الهرج المروع الذي كان يحاصرني عندما كنت بالحانة، سكن كل شيء.. كل شيء، سوى ذلك الحزن القابع بأعماقي والذي أنفثه بين الحين والآخر أنفاسًا ملتهبة، مثلما يفعل ذلك التنين الذي يتوعدني من فوق ذلك المركب الأصفر. 
كانت البقعة التي وقفت عندها تقع فوق مرفأ قوارب ومراكب سفن النزهة الملونة الموثقة من مقدمتها، بامتداد الرصيف، وكانت الأضواء الخافتة، المنبثقة من فجوات قمراتها تتمايل وتخبو وتتوهج، فتلك المراكب تستغل في المساء، كمساكن لملاحيها وعائلاتهم أو تؤجر بالساعات للباحثين عن مأوى يخمدون فيه نيران عواء الضحكات الشبقة!. 
    هناك.. عند حافة العالم الشرقية، كان كل شيء لزجًا على الرغم من الهواء الحارق الذي يلفني، وبامتداد بصري بدت لي تلك الجزر الجبلية العجيبة، في ظلام الليل وتحت ضوء القمر، كأشباح مرعبة مشرئبة بأعناقها نحو حافة البر، كما لو أنها تنتظر منه تفسيرًا لمجيئي في تلك الساعة المتأخرة من الليل. عندما رأيت تلك الجبال أول مرة بهرتني بجمالها، كانت كلوحة من اللوحات الفنية الآسيوية المرصعة بالعاج والأصداف والأحجار الملونة، لم تبدُ لي، كما هي الآن، أشباحًا مرعبة، وإنما جبال مكسوة بالخضرة والأشجار والأزهار.. كانت ككتل هائلة من زمرد منثور بساحل أزوردي مضيء. كانت لوحة إلهية عجيبة رائعة للغاية! 
    خيل لي أن تلك الزفرة المشبعة بالكآبة، التي انطلقت مني تقول إن الأشياء ذاتها تتباين.. حتى رؤيتنا لأعماقنا، عندما نتأملها من خلال انفعالاتنا.  وعندما انتبهت أنني أقف وحيدًا، كقطرة مطر غمرني إحساس عارم بغربة قاهرة واعتصر قلبي حزن عميق، وأمتلأ حلقي بمرارة العجز، وتمنيت لو أن الله يزرع لي جناحين هائلين.. أبتعد بهما عن هذا الحزن الذي يخنق روحي. ولكن إلى أين يطير بي؟ وكيف أهرب من غربة سكنت روحي؟ وأين يهرب من فَقَد هويته؟ وعلى نحو مباغت انهمرت –كعادتها– أمطار آسيا الموسمية، فاحتميت بمظلة ركاب الحافلات المنتصبة بمواجهة الحانات والملاهي الليلية، وأعمدة الإنارة المزروعة بحواف الرصيف المقابل، حيث يجلس بائعو الحلوى، والمشروبات الغازية المثلجة والأصداف المطبوخة، ولحوم الأوز المدخنة، وبائعات الهوى، والسكارى، وفتوات الليل وعساكر الأمن، ومدمنو الأفيون والعجائز القاعدون طوال الوقت أمام أكواخهم...».
فكيف كتبت هناك وما الذي أوصلني إلى حافة العالم الشرقية؟
     امانة الثروة البحرية، التي كان يترأسها الأستاذ مفتاح كعيبة، كانت شكلت في مطلع التسعينات وفدًا للسفر إلى فيتنام لتسوية قرض أخذته أثناء حربها مع أميركا. كان المفروض أن نستورد بقيمته مواد للصيد البحري، ولكن في ذلك الوقت لم تكن لديهم صناعة حقيقية لهذه     المواد، وإن كان الفيتناميون يريدون بالفعل سداد ما عليهم من ديون إلى ليبيا، كان يرأس الوفد الأستاذ عوض بن موسى الذي كان حينها وكيلاً للوزارة. كنت أعرف الأستاذ عوض منذ أن كان مقيمًا في بنغازي، وكان رفاقه يجتمعون يوميًا تقريبًا عند الأستاذ عصمان خلقي جاري في شارع محمد موسى، كانوا شبابًا متميزين في ذلك الوقت، أذكر منهم: عاشور قرقوم، محمد ونيس بوزعيك، عبدالعاطي العبيدي، صالح الشريف (صالح جردينة). كان للأستاذ عوض بن موسى سيارة رياضية أميركية، متميزة، ناهيك عن أنه من الشباب المعروف في بنغازي، في تلك الرحلة اكتشفت شخصية ما اعتقدت أن لها مثيلاً، فـ(الخدمة على الرأس) من أساسيات من يكلف بمثل تلك المهمة، ولا أدرى كيف توجس مني، فلم يتوقف منذ أن وصلت إلى طرابلس للاستعداد للرحلة، حتى أمطرني بنصائح تبين مغبة المال الحرام، وأن خيانة أمانة لقوت فقراء بلادك هي أسوأ الخيانات، وأن جزاءها شنيع. ولم يرتح حتى أحس براحة لوجودي في الوفد، خصوصًا من بعد أن وضحت لبقية الرفاق في حضوره أنها مغامرة حقيقية أن يلعب المرء بالدولار بين حكومتين ثائرتين على أميركا، فكل ما نقوم به مكشوف للمخابرات الأميركية!! وعليهم أن يتوخوا الحذر، وبالفعل لم يحدث شيء مما كان يخشاه الأستاذ عوض، على الأقل في تلك الرحلة. 
     من بعد نقاشات وزيارات لعدد من المصانع اقتصر استيرادنا على سلعتين هما (جابتينلو)، وهي اللباس الشتوي العلوى وأقنعتهم بقبوله باعتبار أنه للرحلات البحرية، ولكن ما إن وصل ليبيا حتى أصبح وكأنه زي رسمي للبلاد كلها، خصوصًا وأن سعره كان في متناول الجميع، وأن البلاد خالية من مثل هذه السلعة. أما السلعة الثانية فكانت أسماك التن المعلب، وبالفعل أصبح التن الفيتنامي المعلب ولزمن طويل هو المصدر الوحيد لسندويتشات التن بالهريسة. 
   كان عوض بن موسى أحد أشرف وأنقى ممن التقيت، فلقد كان بين يديه فرصة إثراء لو أنها وقعت في ذمة رجل آخر لعاد منها مليونيرًا! ولكنه ظل يذكرني بحادثة كنت قد حكيت له عنها ونحن في طريقنا إلى فيتنام. الحادثة حدثت أثناء رحلة مشابهة إلى موريتانيا، وهي التي سوف نتناولها في الحلقة القادمة، فبامتداد عملي الوظيفي كنت عضوًا في عدد من المهمات، ابتدأت رفقة الزميل بورقيعة إلى مصر لاستيراد مواد عضوية لقسم التشريح! ورحلة إلى الهند لاستيراد بهارات للأسواق، ورحلتين إلى موريتانيا لاستيراد أسماك مجمدة، ورحلة إلى أكرا للتعاقد مع عمالة للصيد البحري، ورحلة إلى هيلسنكي كمترجم مرافق لطلبة إدارة مخازن، ورحلة إلى اليونان لتسوية عقود فاشلة! وكلها سنعرج عليها لاحقًا.

الاستاذ عوض بن موسى
الاستاذ مفتاح كعيبه
الاستاذ فرج قرقوم وعاشور قرقوم ورمضان قرقوم ابناء شارع محمد موسى
كابت طيار محمد محجوب بوكر
الحوات محمد عقيلة العمامي
مادي تربل ومحمد محجوب بوكر
الرايس ابراهيم عريبي
محمد عقيلة العمامي وخليفة الفاخري ( بجبوتينو ) فيتنامي وبينهما الدكتور زياد على
الثاني وقوفا من اليسار عصمان خلقي
خليفة الفاخري حبيب الاطفال ومع ابناء الفلاح
عصمان خلقي خلف الاستاذ يوسف بورحيل مرتدي البدلة البيضاء
الاستاذ عبد العاطي العبيدي والاستاذ عاشور قرقوم
الاستاذ محمد ونيس بوزعيك
الاستاذ عبد العاطي العبيدي