قهوة سي عقيلة الحلقة (52) «الحواتون والديوك »

   قد تكون الفترة التي بدأت من بعد عودة خليفة الفاخري إلى بنغازي، التي لم يستقر خلالها تمامًا بسبب مشاكل عديدة حالت دون توافر سكن له، فتخصيص الشقة التي أوصى بها إبراهيم بكار ظلت قائمة ولكن عمارات الكيش لم تنجز. واستقرت عائلته في بيت أهلها وهو في بيت أهله. كانت فترة صعبة للغاية له، فخليفة الذي عاد من الدنمارك بعد سنين طويلة، أنفق كل ما تقاضاه من مرتبات، شيَّـد بمثلها مَن لم يصلوا لسقف مرتبه منازل فخمة في ليبيا وجدوها جاهزة عندما رجعوا إلى مدنهم، أما خليفة فقد أنفقها على أصدقائه ومعارفه بل وحتى على عددٍ لا يعرفون إلاّ اسمه، وعاد إلى ليبيا بعد أعوم بسيارة (سيتروين) مستعملة.

   كانت الفترة تلك هي الأسواء في تاريخ حياته، والله وحده يعلم كيف اجتازها، وكيف أن أخويه ونيس ومصطفى قدما أكبر من قدراتهما لمساعدته، ولكن البلاد كان تحت وطأة عوز عمت الجميع، وأصدقاؤه الحقيقيون لم يتخلوا عنه أبدًا، خصوصا رفاق الستينيات مثل محمد كانون ومفتاح الدغيلي ! .

   ذات يوم بعث سيد قداف الدم في طلبه، وسألني أن أرافقه.. وبالفعل ذهبنا إليه وكان الرجل كريمًا دافئًا يحمل احترامًا كبيرًا لخليفة، وعلمنا منه أن أصواتًا كانت ترتفع منتقدة عدم كتابته لأنه لا يحمل ودًّا لـ«سبتمبر»، وعلمنا أنه تصدى للعديد منهم، وفي حالة صفا قال لخليفة إن ما يصله عن أخباره لا يسر، وذكَّره برفقتهم أثناء الحقيقة، واستحلفه أن يفتح قلبه ويحدثه عن مشاكله، غير أن خليفة بإصرار مبالغ أكد له أنه في أحسن حال وأنه سعيد جدًّا في حياته، عندها قاطعته وأخبرت سيد بتفاصيل حاله، وعلى رأسها مسألة السكن، حاول خليفة أن يوقفني ولكنني أخبرته بكل شيء.

    في اليوم التالي جاء أحد رجال سيد وأخذ خليفة وقدم له شقة، التي كان يصف موقعها لأصدقائه ساخرًا بأن «قصر عبدو إسماعيل جاره!» قريب منه، أما إذا كان لا يريد أحد ممن يصف لهم موقع بيته أن يزوره فيقول: «الأمن الخارجي والداخلي أيضًا أمام بيتي مباشرة! الشباب مقابل الشبك، حتى أنني أسمع شتائم التحقيقيات..».

   كان المبني أصلاً للسيد علي القماطي، وكأن حينها حيًّا يرزق، وذات ليلة كنا عند نسيبه وابن أخيه عبد الله القماطي، بارك لخليفة وأخبره بأنه فرح بتخصيصها له لأن محمد المهدي الفرجاني الذي كان يسكن في العمارة ذاتها حدثه عن خليفة، وهذا في الواقع ما جعل خليفة يرتاح فيها إلى أن سخر الله وانتقل إلى عمارات الكيش. استقرار خليفة بان عليه كثيرًا، ومنذ استقراره أصبحت لقاءاتنا يومية.

     منذ ليلة رأس سنة 1985 توقفت تمامًا عن التدخين، والأشياء الأخرى. استقرار خليفة استفدت منه كثيرًا، خصوصًا من بعد أن ارتاح في البنكينة، وبدأ يكتب بين حين وآخر، وأصبحت أتلقى منه دروسًا يومية، خصوصًا في اللغة العربية التي كان يجيدها، فهو مأخوذ بها حد العشق. في تلك الفترة كتبتُ مجموعة كتب الأسماك، ومجموعتين قصصيتين، وأصبحت أكتب بانتظام في الصحف الليبية.

    ذات يوم سألني : «لِمَ لا أكتب الرواية؟» فسألته ولم لا يكتبها؟ فأخبرني أنه حاول ولكنه لم يستطع، فكثير من قصصه كانت بداية لرواية وانتهت إلى قصة قصيرة. الآن من بعد تجربتي أيقنت أن ما كتبه صادق النيهوم عنه هو «واقع الكتابة» عنده، فهو بالفعل ينحت الكلمات ولو عدنا إلى مسوَّدات أعماله، وبحوزتي عددٌ منها، نجد كثيرًا من الكلمات اُستُبدلت مرات ومرات، ولعل نصه الأخير «منابت الريح» خير دليل على ذلك، فأنا أعلم أن النص كان بحوزتي وجاهرًا للنشر، ولكنه طلب مني ألاّ أنشره، وتركته في مكانه إلى أن جاءني ذات يوم، من بعد أكثر من شهر وغيَّـر كلمة واستبدلها بـ «نهض».. نهضت الريح، قال: «أريد أن أعطى الريح مدلولاً انسانيًّا!» ومثل هذه الدقة يصعب جدًّا أن تكتب رواية!

    ولكن لم تتوقف قصصي القصيرة في ذلك الوقت وكانت تنشر تباعًا في الصحف المحلية، وأغلبها إن لم تكن كلها تتناول حالة البلاد من خلال ما أراه في الرصيف. مما رأيت هذه الواقعة التي أساسها حقيقي وبطلها هو المرحوم طاهر عبد الهادي إستيتة الذي امتهن من بعد هواية بناء قوارب الصيد وكان بارعًا فيها. القصة اسميتها «طه والديك»، وهي من مجموعة الديوك:

«أنا أعرفه، وكذلك صيادو وبائعو الأسماك، والعمال المرتبطون بنشاط الرصيف. علاقته بهم لا تتعدى التحية، أما في حال قيامه بعمل لأحدهم، فتزداد على التحايا مناقشة العمل.

اسمه طه، وهو صانع ماهر لقوارب الصيد الصغيرة. تجده عند حوض رفع المراكب، أو عند تلك القوارب التي لم تعد صالحة للاستعمال، وأحيانًا خلف السوق. المرء قد يراه في أي مكان في الرصيف، ولكن يستحيل أن يجده بالمقهى، أو متحلقًا مع آخرين حول موقد شاي أو سيرة شخص آخر.

أول أيام شهر رمضان الماضي اتفق مع جاري سعيد ليصنع له قاربًا، فخصص له مكانًا أمام داره. ذلك يعني أنه على نحو ما سوف يصنع القارب أمام داري أيضًا. وهكذا بدأت علاقتي به. غاب يومين أو ثلاثة، وجاء بأعواد خشب مختلفة الأشكال والأطوال؛ وضع (القرينة) وهو العود السميك الأساسي الذي تثبت به ألواح الهيكل. ثم جاء بالقوس وثبته بالمقدمة، وأخذ يثبت أضلع القارب (القرابيز). كان يقيس ويقطع الخشب وينظفه ويثبته في مكانه مثلما يريد، ثم يبتعد عنه ويتأمله من الزوايا كلها. طه يتأمل أخشاب القارب، وأنا أراقبه من داخل داري.. لم يكن طويلاً ولا قصيرًا، يرتدي على الدوام قميصًا وسروالاً كاكيًّا. وكان يحتفظ بشعر رأسه الذي تشئ حوافه بشيب قد غزاه، داخل قلنسوة زرقاء تغطي أحيانًا أذنيه من حيث تبرز حوامل نظارته الطبية. وعندما اقترب مني ذلك اليوم يبحث عن علبة فارغة يخلط بها طلاء الصدأ الأحمر ليدهن المسامير، تأملت وجهه فأوحى لي أنه كان في صغره وسيمًا، وقدرتُ أنه في نهاية عقده الخامس.

تطورت مراقبتي له، إلى إحساسي بعشقه عملية الخلق التي يقوم بها، وأصبحتُ انبهر بما تتحول إليه الأخشاب التي يأتي بها مقصوصة كل يوم ويضعها في مكانها الصحيح، فيقترب القارب من شكله النهائي.

في منتصف شهر رمضان تقريبًا، بُعيد العصر وضع عدته في جرابه، وتأهب لمغادرة الرصيف. عرضت عليه أن يتركها في داري بدلاً عن مشقة حملها والعودة بها في اليوم التالي. تردد قليلاً ثم وافق، قائلاً: «المفروض أن يترك لي سعيد مفتاح داره ولكن يبدو أنه نسى».. قاطعته: «سعيد لا يعمل خلال شهر رمضان. لقد اعتدنا ألا نراه إلا بعد الإفطار. لا تقلق فداري هي دار سعيد فضع عدتك، وتستطيع أن تأخذ منها ما تشاء وقت ما تريد، فالعامل الذي يساعدني مقيم بالدار طوال الوقت». تلك هي بداية علاقتي الحقيقية به. ثم صار يتقرفص أحيانًا بجواري، أمام الدار فنتحدث في مواضيع شتى.

عندما علمت أن له ولدين يدرسان بالجامعة، تعجبت كثيرًا خصوصًا بعد أن أخبرني أنه رباهما وحده فقد تركتهما أمهما صغيرين، فسألته: «ولمَ لمْ تتزوج بعدها؟» أجابني بهدوء: «وكيف أجد لهما وجهًا أقابلهما به بعدما يكبران ويعلمان أنني استبدلتهما بشهوتي؟» أذهلتني إجابته المباشرة، وازداد احترامي له ولم أسأله بعد ذلك في خصوصياته.

كان رائق المزاج يوم أتم القارب، رأينه يشعل لفافة تبغه، ويطوف حول القارب قبل أن يسأل سعيد عن اللون الذي يريده للقارب. بعد يومين غسل فرشة الطلاء وكذلك يديه، وكانت بهجة واضحة تغمره، فقلتُ له مازحًا عندما جلس القرفصاء، كعاته، بجواري: «أراك سعيدًا. سوف تقبض حقك وتدفئ جيوبك». نظر إلي وابتسامة رضا ملأت وجهه، وتفرسني برهة وقال: «الأمر ليس كذلك. ولكن لا أعرف كيف أفسره لك؟ إنه إحساس هائل بالرضا يغمرني بعد أن أنجزُ قاربًا، أي قارب. إحساس يجعلني ممتنًا لله، قريبًا منه، فالقدرات التي منحها لي جعلتني خلاقًا، أستحق أن أكون خليفة له في أرضه. أشعر أنني قوي، غني، راضٍ عن نفسي. إن الغبطة التي أشعر بها الآن، لا يتصورها مخلوق». أحسست بصدق ما قاله وابتهجت لغبطته. غير أن أحد مخلوقات الله المزعجة وقف أمامنا ليفسد فرحته.

كان طويل القامة، ثبَّت شعر رأسه فوق صلعته بأكثر مما ينبغي من مثبتات طرية ساحت على جبهته فلمعت مثلما يلمع حذاؤه. بدا كمن شم رائحة كريهة. ضاقت عيناه وتكور خداه وأطبقت شفتاه. كان يرتدي سروالاً أزرق وقميصًا مشجرًا، قال: «كم تكلف هذا القارب؟» أجبته: «ثلاثة آلاف دينار» أجاب وهو يلوي سلسلة مفاتيح عربته الذهبية: «واو غالي؛ أنا من شركة استيراد الخشب، خشب القارب كله لا يكلف ألف دينار» قاطعه طه: «ولمَن تبيعون الخشب؟» لم ينتظر إجابته: «ألم تقفلوا محلاتكم وصرتم تبيعونه لشركائكم؟» قال رجل القميص المشجر متصنعًا صرامة زائفة: «كيف؟» نهض طاهر محتدًّا: «لقد سمعتني»، وتغيرت سحنته واستطرد: «أنا لا يهمني مَن تكون، ولكنني متأكد أن مرتبك الشهري لا تستطيع أن تشتري سلسلة مفاتيحك هذه فما بالك بعربتك الفخمة. ولست مستعدًّا لنقاش تفاصيل أنت لا تفهمها. إنك لا تستطيع أن تصنع مثل هذا القارب حتى لو استوردت خشب العالم كله وابتلعت عملاته. إنك لا تستطيع أن تصنع شيئًا بما تملك سوى كرشك، فاغرب عني قبل أن أحطم رأسك».

خيل لي أن الذي يتكلم ليس طه الهادئ الوديع. هزَّ رجل القميص المشجر رأسه وانسحب ككلب مجروح، فيما استطرد طاهر: «يعتقدون أننا لا نعرف شيئًا. لقد أنفقت نصف عمري ما بين مالطا واليونان وأعرف كيف يسرق هؤلاء الأنذال؟» قلت له: «لا تدعه يفسد يومك» قاطعني: «هذه الأشكال أفسدت حياتي، ولكنهم لن يستطيعوا أن يفسدوا روحي. أنا لست لصًّا مثلهم» ثم نهض وجلس على حافة الرصيف يرنو إلى البحر والنوارس وأشعل عددًا متتاليًا من لفافات التبغ. ظل زهاء ساعة ثم قام، لملم عدته، وأقبل نحوي وقال لي: «يبدو أن سعيد لن يأتي اليوم، أخبره أنني سأمر عليه غدًا أو بعده» وذهب ولم أره لأكثر من أسبوع. سألت عنه سعيد، فقال: «من الممكن أنه سافر، لا تستغرب فقد لا يعود قبل شهر، أو حتى سنة. لقد سافر أول مرة لقضاء أسبوع في اليونان فمكث بها أربع سنوات».

لم أرَ طه منذ ذلك اليوم. أيكون قد رحل؟ لا أعلم. رحم الله طاهر عبد الهادي إستيتة.

محمد حسين كانون
مفتاج الدغيلي
خليفه الفاخري ومحمد عقيلة العمامي
الفاخران ونيس الفاخري ومصطفى الفاخري
ابراهيم بكار
على القماطي
الاستاذ حذيفه الهوني وصادق النيهوم وحمد الكوافي ويعلوهما يوسف الهدار ورشاد في اقصى يسار الصورة
سيد قداف الدم
مجموعة الديوك القصصية
خليفة ووليمة اسماك في البنكينه
خليفة مع غسان وغاده
محمد المهدي الفرجاني
عبد الله الصالحين القماطي
قصاصة من مسودة مقالة منابت الريح

المزيد من بوابة الوسط