قهوة سي عقيلة الحلقة (51)

         تقاعد الدكتور رؤوف بن عامر، وهو الذي لم يعتد أن يبقى من دون عمل، وبسبب انشغالي بالبحر قلّت زيارتي له، وما إن علم باهتماماتي البحرية وبدء كتابتي عنها، حتى أخذ يزودني بأية معلومة عن بحر بنغازي وحكاياته، لعل أبرز ما أفادني به هي قصة (بابور باله) التي كادت أن تُعد مسلسلًا مرئيا عن البحر لولا رحيل الكاتب أحمد المسماري، فقد كان مهتمًا بها، وشرع في إعدادها، ولكن الموت باغته مبكرًا. كان الدكتور رؤوف يوافيني بأية معلومات عن بحرنا كانت تصادفه في قراءته للكتب الإيطالية القديمة، التي كان يجيد لغتها بالإضافة إلى الإنجليزية والفرنسية واليونانية.

         لقد حدثني عن كتاب إيطالي قديم، عنوانه (بنغازي) نشر سنة 1914 عاد به من إيطاليا، وكلما وجد به شيئًا مثيرًا نقله لي، كتبت منه ( حكاية رجل لم يحكوا لنا عنه) واقترحت عليه أن يترجمه، وأقنعته أن صديقي خليفة الفاخري سيراجع لغته العربية، إلى أن جاءني ذات يوم بمسودة الكتاب، فسلمتها إلى خليفة وسرعان ما راجعها.

        ومن بعد تقاعد الدكتور رؤوف بن عامر تولى من بعده المهندس مبارك الشريف زميل دراستي الابتدائية، وأحد طلبة ثالثة خامس بمدرسة الأمير. وذات يوم، عندما كنت بمقر شركة جيمس كيوبت، أخبرني السيد (بروجوني) مدير الشركة أن المهندس مبارك يريدني أن أمر عليه بمكتبه بالموقع نفسه.

       وجدت عنده الدكتور رؤوف ومعه نسخة من الكتاب، واكتشفت في مقدمته شكرًا لإلحاحي عليه بترجمته. وتحدثنا في مواضيع شتى، وعندما هممت بالمغادرة مع الدكتور رؤوف، أفهمني المهندس مبارك بطريقته غير المباشرة، أنه يريدني لأمر مهم. ودَّعت الدكتور رؤوف عند باب المقر، وعدت إلى المهندس مبارك، وأخذ يخبرني بلباقته وسياسته، ودفئه وترحيبه المعهود بمعلومة مفادها بأن ثمة نقدًا عليّ وكذلك على الكابتن محمد محجوب بوكر، لامتهاننا صيد السمك. فلقد علم من معارفه من اللجان الثورية، الذين لم يكونوا مؤذيين أنهم يرون أن التجاءنا إلى تلك المهنة هو شكل من أشكال رفض النظام وإصرار على «عدم مساهمتنا» في بناء المجتمع الاشتراكي الحر السعيد، فكيف تؤهلنا جامعة، وتتولى الدولة الإنفاق علينا ونترك تخصصنا، ونمتهن صيد السمك.

       في الحقيقة أن كثيرين، في تلك الفترة ابتعدوا عن تخصصهم ومارسوا أعمالًا بعيدة تمامًا عن مجالهم، فأنا أعرف مثلًا كفاءة متميزة امتهنت رعى الأغنام، رافضًة المشاركة في العمل الحكومي. والحقيقة لم أكن بالفعل رافضًا العمل مع الحكومة ولكن الخلل كان في تكويني، فلقد تنقلت بين عدد من الوظائف ولكنني لم أجد ما يمنحني الرضا والاستقرار، ناهيك عن أن مرتب الخريج حينها كان 128 دينارًا، وهو بالتأكيد لا يكفي من يعول عائلة كبيرة.

        فسرت له الأمر، وأكد لي أنه يتفهم ذلك ولكن لا أعتقد أنهم يقبلون ذلك، واقترح أن أمارس عملي من خلال المجال نفسه، وأخبرني أن ثمة شركة للصيد البحري تؤسس في بنغازي ونصحني بالموافقة على قبول العمل بها، وكعادته ومن دون تضييع الوقت ذهبنا إلى المسؤول عن هذه الشركة. وبالفعل كانت الشركة تتبع حينها «أمانة العدل»، وكان الصديق مفتاح بوكر أمينًها، وأيضا رئيسًا للشركة وذهبنا إليه ورحب بزيارتي وأصدر أمرًا بتعييني وأرسلني إلى الصديق خليفة النعاس كان حينها أمينا للقوى العاملة. رافقنا السيد مفتاح بوكر حتى باب مكتبه، وقال لي بود: «دع صاحبك ولد عمي (يطير وينزل)  ثم يذهب ويصطاد السمك».

     كان محمد سالم قادير رئيسًا للشركة، وقال لي صراحة واصل عملك في (البنكينة) واستمر فيما تكتب عن البحر ـ كنت حينها أكتب في مواضيع متفرقة بين حين وآخر- وبالتأكيد سنحتاجك عندما تتأسس الشركة تمامًا وتباشر عملها ولن ينقص شيء من مرتبك! وهكذا صرت موظفًا في الشركة الليبية للصيد البحري، ولكن عملي لم يتوقف في (البنكينة)؛ لا أنا ولا محمد بوكر ولا أحمد المطماطي. فقد صرنا بالفعل (حواتين مزفرين) ولكن لزفرة الحوت عند الصيادين طيبًا لا يقارن بروائح كريستيان ديور! أو مثلما قال الرايس موسى الكعوار: «بالله زفرة الحوت عندي أطيب من الأونطا!».  تعييني كان في الواقع نقلة مهمة في حياتي، فإلى جانب استقرار دخلي من تسويق الأسماك، صار لي دخل شهري ثابت، والأهم هو تفرغي شبه الكامل للكتابة.

     يوم 1/1/1989 أعلنت حركة الزحف على السفارات وتحويلها إلى مكاتب شعبية، وانتقى النظام نخبًا من ثواره ورجاله ليتولوا الإشراف على التسليم والتسلم، وكان حظ خليفة الفاخري، أن المشرف على سفارة الدنمارك هو صديقنا عبدالله الحاراتي الذي كان مسجلا لكلية الآداب، وهو أيضًا من رفاق صبا خليفة، فتأجلت عودته إلى حين وضع زوجته مولودها، فعاد من الدنمارك براحته، على الرغم من محاولة النظام العراقي ضمه كمدرس بالمدرسة العراقية، إلاّ أن خليفة رفض العرض مبررًا لي أنه لا يستطيع أن يقتلع جذوره من بنغازي، مهما كان الثمن. وبالفعل عاد بعد فشل محاولة نقله إلى كينيا! ولم يكن وراء ذلك سبب إلاّ لكونه لم يكتب ما كان النظام يريده.

    لم يرتح في إقامته في طرابلس فلقد تعطل قرار إيفاده بسبب تعنت مقصود، وكانت الإقامة في فندق قصر ليبيا صعبة مع زوجة وطفلين ناهيك عن مزاج الخارجية في سداد إقامته، فطلب نقلاً إلى فرع الخارجية في بنغازي، وكان التحاقه بهذا الفرع هي بداية النهاية لعمله الوظيفي في الحكومة. صار وقت فراغه موزعًا ما بين البنكينة ، ونادى الملاحة،  وتصحيح جريدة أخبار بنغازي، ثم الثقافة العربية كمتعاون في الفترة التي تولاها الأستاذ محمد حسن البرغثي، ثم في الفترة التي تولاها الأستاذ محمد علي الشويهدي.

    في تلك المرحلة كانت ليالي الصيف ممتعة سواء في مخيمات الصيد، أو في البنكينة، أو في رحلات صيد بحرية كثيرا ما رفقنا (جنقي) وإن اقتصرت كتاباته في تلك الفترة التي استمرت اكثر من خمس سنوات عن : (طين البحر) و(ثعبان الليل) ، و(النوارس)  التي التقط مشاهدها من مراقبة النورس وهي تلتقط  فضلات تنظيف الأسماك وهي تصيح، فيما يدلي قدمية في الماء و يتأملها.  

     أما أنا فلقد كتبت تجربتي الانسانية، كصياد وبائع للسمك في البنكينة، في اطارها الادبي  من خلل قصص قصيرة هي  التي ضمتها مجموعتين هما (الحوات والقبلي) (الديوك)، وكتبت أربعة كتب متخصصة عن البحر والأسماك، قدم الفاخري لبعض منها.  كان مجتمع الصيادين والبحر خصبًا ومتنوعًا وشائق المواضيع، غير أن قصصًا كثيرة لم أستطع كتابتها لأسباب هي في الغالب تحشر المرء في مشاكل هو في غنى عنها، ولعل أبرزها حكاية (برعي) التي لم أنشرها في حينها: 

    كانت القطيعة مع مصر انتهت برحيل المرحوم أنور السادات، سنة 1981 تحسنت العلاقات وعادت العمالة المصرية للعمل في ليبيا، فانتعشت حركة صيد السمك وتسويقه، وفاض المحصول لدرجة أننا عجزنا عن تسويقه، وبدأت مشاريع تصديره إلى تونس ومصر واليونان.  لعل الحادثة وقعت سنة 1983. جئت من بعد العشاء إلى البنكينة أريد سمكًا. قابلت أحد الرياس أخبرني أنه سلم محصوله الآن إلى الثلاجة وهم يجهزونه للتصدير، فذهبنا معًا وانتقيت ما أريد وكلف أحد بحارته بتنظيفه. وفيما كنت أراقب رص السمك في صناديق التصدير، قام مصدر السمك بصفع عامل على وجهه. كان عملاً شائنًا وبشعًا أن تصفع رجلاً مثلك مغتربًا أمام رفاقه، في الوقت الذي تعرف أنه لا يستطيع أن يرده عليك بسبب غربتة، يعلم الله وحده أسبابها، لا لشيء إلاّ أنه أخطأ أو تأخر في إغلاق صندوق السمك. لقد انفعلت ونشب عراك بيني وبين ذلك المُصدر، وأذكر أنني تماديت بسبب ما فعل. طيبت خاطر العامل المصري وأخبرته أننا إخوة فلا تأخذ في بالك وأقسمت له أنني سآخذ له حقه، وبالفعل اعتذر صاحبنا للعامل في اليوم التالي أمام رفاقه.

    بعد تلك الحادثة بزمن غير قصير، وصلت الحدود المصرية قادمًا من القاهرة، من بعد مشاركة في معرض الكتاب، وكان فوق سيارتي شبك يحمل الكثير من الحقائب والصناديق. ركنت عربتي وأخذت جواز سفري وجوازات عائلتي وقدمتها إلى الجندي، فأمرني أن أنزل الصناديق للتفتيش، وفيما كنت أحاول إقناعه بإعفائي من ذلك سمعت ضابطًا كان يراقبنا يقول له: «روح اختم جوازات الأستاذ العمامي وهات له شاي بمكتبي وحاجة صقعة لعياله». ولقد استغربت فالضابط لم ير جوازات سفري حتى يعرف اسمي.

    صافحني الضابط مرحبًا وأخذني إلى مكتبه. قلت في نفسي لعله شاهدني في ندوة أو لقاء ما في التلفزيون في تغطية الإعلام المصري لمعرض الكتاب. رحب بي وأجلسني، وأخذ ينظر إلىّ متبسمًا ثم قال: «أنا متأكد إنك ما عرفتينيش» اعتذرت لأنني فعلاً لم أتعرف عليه. عندها أخبرني أنه العامل (برعي) الذي صفعه مصدّر السمك!  عرفت منه أن الأمن كانوا قد عرفوا أن (هيروين) كان يهرب بجوف السمك ويريدون أن يعرفوا المصدر فكلف برعي بالمهمة، وظل في البنكينة عامًا كاملاً، الله وحده يعلم كم من مهانة وسوء معاملة وازدراء نالها بسبب الزفرة. ولكنه نجح في مهمته.

ليلة صيد بالصنار ( برنقالي )
خليفة الفاخري ومأدبة سمكية بالبنكينة
مهندسي جيمس كيوبت الدكتور محمد فرج ادغيم من اليمن ثو الدكتور عثمان الكاديكي الدكتور عبد الجفيظ الزليتني و الدكتور هادي بولقمه والدكتور رؤوف بن عامر والاستاذ محمد السعدوية
ليلة رحلة صيد شاركنا فيها ( جنقي)
المهندس مبارك الشريف
محمد عقيلة العمامي ومسجل كلية الاداب الاستاذ عبد الله الحراثث وعبد المحيد الدرسي واحد الزملاء حفل التخرج سنة 1972
اعداد برنقالي
عندما خليفة النعاس مدير مكتب عميد كلية التجارة وطالبا مسائيا
خليفة النعاس
محمد سالم قادير
الاستاذ محمد حسن البرغثي
الاستاذ محمد على الشويهدي ومحمد عقيلة العمامي
هيثم محمد عقيلة ممسكا باصغر فروج اصطدته في حياتي
الاستاذ مفتاح بوكر
صباح ليلة صيد وفيرة
الرايس سعيد الفيتوري
محصول شيكة جرافة
خليفة الفاخري مع غاده وغسان
وجبة افطار صباحبة بعد عودة من ليلة صيد عقيله محمد عقيلة والرايس عيسى الفلاح

المزيد من بوابة الوسط