الحلقة (50) من قهوة سي عقيلة - من الهواية إلى الاحتراف

كتبت في قصتي (فرس السبع موجات) :

    ".. كانت عند خريف العمر، عامرة بثمارها كله. وفيما كنا متحلقين ذلك الصباح الخريفي حول موقد شاي الإفطار. كانت واقفة أمامنا كمهرة أصيلة، كان أحد بحارة الرايس موسى الكعوار يزن لها ما أنتقت من اسماك، ولا أدرى كيف سمعها الرايس يونس الخشمي، وهي تسأل عن (حصان بحر) فقال لها :" لن تجدي حصان البحر إلاّ عند أولئك الذين يصطادون بالجرف، نحن نصطاد بالصنار والشباك. في المينا المجاورة الثانية تجدين الجرافات ، وأيضا الكثير من الخيالة .. أقصد البحارة ".

      وعندما ابتسمت السيدة، أحس يونس باطمئنانها  وقبولها لمداعبته فواصل، كعادته، تغليف كلامه بما يشبه الغزل الذي لا يبخل به كلما تسنى له ذلك، فاستطرد قائلا:

-           " ولكن ما حاجتك لحصان بحر، فانا لا أرى أنك تحتاجينه، فمن لها حسنك لا تحتاج لغيره في أسر فحلها والمحافظة عليه !"

انتبهت السيدة أنه يعرف لماذا  تريد  فرس البحر ، فابتسمت وقالت بصرامة تظللها انتشائها من إطرائه .

-           "دواء ،  لقد وصوفوه لي كدواء " .

-           "دواء ؟ "  تساءل يونس بابتسامة ماكرة، ولكنها لم ترد، وإن ظلت الابتسامة مرسومة على وجهها، المغلف بشال حريري، الذي حولته نحو البحر.

مال الرايس عيسى الفلاح نحو موقد  الجمر ليشعل لفافة تبغه وقال: " ( البروا) تحتاج إلى زوارق. سوى الرايس موسى الكعوار الشماغ الملفوف حول رأسه وقال: " ( القش  باهي  بالحيل )".

- " القش عالي صحيح، لكن ( الكلاوي) مفتوحات.. ( الكويرطا) واسعه. بصراحة المركب يحتاج إلى محرك كبير. وأين أجد  له محركا يناسبه ؟ " كذلك قال الرايس سالم الزليتني بخبث. تدخل عيسى الفلاح:

- " يا ناس حرام عليكم .  يبدو أن مراكبكم ساءت للغاية حتى تنبهروا بالمركب الذي ينوي يونس ان يشتريه" . أجابه يونس : " اتريد أن تفهمني أن مراكبك أفضل من هذا المركب؟ يا راجل اسكت .. نحن نعرف البئر وغطائه  ".

      كان يونس قد نهض يصف إلى السيدة موقع الميناء الآخر. ولما استلمت السيدة كيس السمك، من بحري الرايس موسى، ودفعت ثمنه، سمعنا يونس يقول لها : " سوف تجدينه هنا صباح يوم الجمعة القادمة بعون الله ".

-           " إن شاء الله ما تنساه" قالت السيدة وهي منصرفة. ملأت ابتسامة ماكرة وجه يونس الحليق على الدوام، بخلاف وجوه بقية الرياس، وقال لها : " عيب يا أبله ... ". ولما ابتعدت السيدة، التفت الرايس موسى نحو يونس وقال له : " ومن أين تجد لها خصان بحر .. يا بغل ؟ " أجابه  يونس : " لن تعد في حاجه لحصان بحر .. إنها تريد ماء سبع موجات. لقد اقنعتها بفاعلية الماء مع قطعة شبكة ليلة خميس .. " تعجب الكعوار وقال له : " تقدر على الكبائر، لو موهبتك في صيد السمك مثل موهبتك في صيد العجائز لما وجدنا بعدك سمكة واحدة. "  قال يونس :

-           " وحق الله ، ماء السبع موجات أكثر فاعلية من حصان البحرـ بالله نعرف عجوز زوجت بناتها الأربعة بمية السبع موجات وشبكة خميس، بعد أن فشلت في تزويجهن باستحدام حصان البحر ".

-           " يا حمار عيب عليك الناس وصلت القمر.. اتعني حقا ما تقول ؟ " قال الدنفير :

-           " أول شيء حصان البحر لا تستخدمه النسوة لتزويج بناتهن ولكن للاحتفاظ  بالزوج مدي الحياة: الطليان  يقولون أن حصان البحر هو المخلوق الوحيد الذي يحتفظ طوال حياته بزوجة واحدة.. وعندما تبيض يحضن لها بيضها، ويحمله لها حتى يفقس.." ضحك يونس وقال : " زوجة واحدة ! الأن عرفت  سبب البلاهة المرسومة على وجه ذلك الفرس البليد ! " تدخل الرايس خليفه مغاليه : " وحق الله ، لو سخروا ليونس خيول البحر كلهن، لوجد يونس منفذا إلى امرأة غير زوجته "  سألت يونس وكان سؤالي هذا هو مشاركتي الوحيدة في الحديث :

-           " وما هو ماء السبع موجات؟ ".

-           " هو ماء بحر يغرف من تكسر سبع موجات على الشاطئ  من كل موجة يغرف مقدار واحد، وينبغي أن يكون ذلك عند أصيل يوم الخميس، يجمع المقادير وتغتسل به الفتاة التي تعطل زواجها، ثم تسكبه في الشارع قبيل ظهر يوم الجمعة ! ذلك الماء سيصطاد لها عريسا من الذين يتخطونه، يطرق بابها ويتزوجها " رد خليفه مغلية ساخرا:

-           " وإن تخطاه حمار ؟ "رد الكعوار في الحال :

-           " خير وأبرك منك  "  ضحك الجميع . التفت نحو حسين مغالية الفلاح، وسألته:

-           " الرياس كانون يتحدثون عن السيدة وليس عن مركب! أليس كذلك؟  " غمرت ابتسامته الدافئه محياه وقال :

-           " أنت الآن اصبحت رايس بحر حقيقي ! " .

       لقد تواصل ابحارى كهاوٍ لصيد السمكة وتطورت مهارتي، لدرجة أنني ابتكرت فخاخ صنار لصيد (فراريج) كبيرة كانت تعيش بسبب طبيعتها بحفر شكلتها حواجز الميناء، أو كما تسمى: -حيط 7 و 8- وكان من الصعب صيدها بسبب سلوكها عندما تلتقط الطعم، إذ هي ما إن تلتهم الطعم حتى تتجه نحو حفرتها ويصعب إخراجها منها، أو ( أتحجر) مثلما اصطلح عليه؛  فصممت وسيلة لصيدها بشرك صنار بخيط جعلت طوله لا يعود بالفروج إلى حفرته، وثبت الخيط بثقل بالقاع تولى أحد الرفاق، لا أذكر من وثقه؛ محمد بوكر أو أحمد المطماطي فقد كانا غطاسين ماهرين. وهكذا لم يعد بمقدور السمكة العودة إلى حفرتها وبالتالي يسهل إخراجها.

  وغالباً كنت أستخدم قطعاً من بواقي كرش البقر، كطعم، فلقد عرفت من الرايس حسين الفلاح أنها تجذب أسماك القاع النهمة كالفروج، بسبب رائحة الدهن. غالباً ما أنصب شركي قبيل المغرب وأعود إليه فجر اليوم التالي.

   ذات يوم وعند وصولي إلى موقع الشرك وجدت فلوكة يحاول بحارتها التقاط سمكة ضخمة قريبة من شركي، ولكن ما أن يقتربوا منها حتى تغوص، ثم تطفو من جديد. عرفت أن مثانة السمكة الهوائية قد فسدت، لأن إخراجها سريعاً من القاع يتسبب في تلف هذه المثانة، وهي ذلك البالون الذي نراه أحياناً خارج فم سمة الفروج، وبالتالي يصعب عودتها إلى القاع. كانت السمكة من نوع (كاجوج) أو ما يعرف الآن (أوراتا) أو (دينيس)، وهو منتشر باعتبار أن تقنية زراعته ناجحة جداً، ولكن عندما يكون هذا النوع بحرياً فيكون غاية في الجودة، خصوصاً وأن السمكة كانت كبيرة. اقتربتُ من الفلوكة وأخبرتهم أنها سمكتي فلقد أعددت لها طعماً من الليلة الماضية، فأجابني رايس الفلوكة ساخراً: «وما هي (سيمتك)؟» يقصد تلك العلامة التي تميز بها الأبقار والأغنام، فأجبته سريعاً: «الطعم تجده في بطنها.. ستجد كرشة!» أجابني ساخراً مرة ثانية: «غريبة أول مرة أسمع أن للسمك كرشة»، كانت تلك الحادثة أول معرفتي للرايس محمد بليقة، ومنذ تلك الحادثة أصبحنا أصدقاء ثم شركاء حتى اليوم. لقد ذهبت إليه في مقره ووجدت السمكة محفوظة بعد أن وجد الصنارة والطعم (كرشة) مثلما قلت له.

     وانخرطت مع الرياس في برامج البيع والشراء والتسويق، وأصبح صيد السمك مهنتي رسمياً وصرتُ شريكاً في جميع مناشطهم، فلقد كانت إرهاصات مبكرة للمشاركة في تسويق الأسماك، فلقد كان السمك متوافراً جداً ولا يتوافق حجم المحصول مع القدرة الشرائية، فالسمك لم يكن وجبة رئيسة في بنغازي إلاّ مؤخراً. واستطعنا أن نجد وسيلة لإرساله إلى تونس، وللحد من الخلافات والمنافسة اتفقنا أن نجمع محصولنا جميعاً ونصدره معاً.

   من نوادر تلك المرحلة كان الرايس سالم الزليتني أحد أبرز رجال البنكينة، كان شهماً كريماً صادقاً في الحق، ولكنه كان عصبياً وصعباً للغاية، وكان الصيادون يعرفون جيداً مدى انفعاله في شهر رمضان، ليلة هل هلال رمضان، اجتمعنا كالعادة، حول (طنجرة حرايمي) وأخبروني أنهم سيواجهون مشكلة إن ظل الرايس سالم الزليتني معهم أثناء العمل في هذا الشهر، واتفقوا باعتبار أنني صديقه ولي عنده مكانة خاصة أن آخذه بمجرد أن يأتي إلى البنكينة ولا أعود به إلاّ إلى منزله قبل المغرب، مؤكدين أن (الباي) يعني حصتي وحصته من الدخل محفوظة كما لو أننا متواجدان. وهذا ما حدث.

   وكان بالفعل (حشاش) مثلما نقول على صائم رمضان. من طرائف رفقتي معه، أنه ذات يوم شاهد نصف عجل أمام محل علي بوراي في الرويسات، وكانت مشاكل اللحم بسبب التأميم في ذلك الوقت كثيرة. طلب مني أن أقف عند المحل، وطلب من علي أن يزن نصف العجل ويقسمه على اثنين، وقام الجزار بمهمته، وأثناء ذلك كان أحد معاونيه يسلخ في رأس العجل، فقال الحاج سالم له، أضف قيمة هذا الرأس على الحساب. قبيل المغرب أنزلته أمام بيته أخذ أحد الكيسين وترك الآخر لي، وقال لي خذه للحاجة يقصد والدتي.. وأخذ هو رأس العجل. وتواعدنا على اللقاء من بعد الإفطار.

   في المساء وجدت صهره عبدالله الفيتوري، استقبلني ضاحكاً، وأخبرني أن الحاج دخل المطبخ وقال للحاجة أعدى لنا هذا الرأس، لم يكن يفصلنا عن المغرب سوى أقل من ساعة، فقالت له: «يا حاج، لم يعد هناك وقت لطهيه، ثم كل عيون الغاز تعمل فدعه ليوم الغد». قال لي نظر إليها متردداً ثم وجد قِدراً يغلي على موقد منفصل.. فوضع الرأس في القدر.. وقال لها: «دعيه.. سوف ينضج قبل المغرب وغادر» أخبرني أن الرأس ما زال على الموقد. فسحتنا اليومية محصولها كميات هائلة مما نجده: ثلاثين فردة خبزة... (قابية) فلفل حار.. (شك معدنوس ومثله كسبر». نص عجل، كروش، كوارع   كان كريماً حد الدهشة.

  

------------ 

( البروا ) مقدمة المركب. ( القش) مؤخرة المركب. ( الكلاوي ) جانبي المركب الغاطسين. (الكويرطا ) سطح المركب . جميعها مصطلحات لهجة محلية يستخدمها الصيادون في بنغازي .

شكوربو سمكة شهر رمضان
" ديك" الرايس حمد العجل
الرايس محمد بليقة صاحب قاجوج الكرشه
وجبة "حرايمي " محمد العمامي وخليفه الفاخري ومحمد بليقه
الرايس يونس الخشمي وقرش
الرايس ابراهيم عريبي والرايس سالم الزليتني
الرايس عبد السلام الاصفر
محمد عقيلة العمامي وبرنقالي
الرايس موسى الكعوار
الرايس عيسى الفلاح والرايس سليمان كويدير
الرايس حمد العجل والرايس سالم الزليتني
السمنو وشباك عامرة
الرايس محمد عمر
الرايس ناصر الورفلي