نصف قرن على إنقاذ «أبو سمبل»

صورة ملتقطة في 24 ديسمبر 1964 لعمال يفككون تماثيل في معبد أبو سمبل لنقلها إلى موقعها الجديد (أ ف ب)

تتعرض المواقع الأثرية حول العالم للخطر والكوارث من وقت لآخر، وهو ما يستدعي جهودًا جبارة للحفاظ عليها.

وقبل خمسين عامًا، أُنجزت عملية نقل معبد أبو سمبل في جنوب مصر، لحمايته من فيضان نهر النيل، وكانت تلك من أكبر عمليات إنقاذ الآثار التي تشرف عليها اليونسكو، وفق «فرانس برس».

ففي 22 سبتمبر 1968، نُقل عشرون معْلما أثريا ضخما إلى موقع آمن لا يصيبه فيضان النهر، وشارك في ذلك العمل الضخم عدد كبير من علماء الآثار.

بُني المعبد على تلّة مجاورة للنيل في ما كان يعرف بمصر العليا، في عهد رمسيس الثاني الذي حكم مصر بين العامين 1298 و1235 قبل الميلاد، لتكريم إيزيس وأوزيريس.

وكان أبو سمبل من روائع النوبة القديمة، التي كانت تمتد على ضفاف النيل بين ما صار اليوم مصر والسودان.

في مرمى الخطر
في الخمسينيات من القرن العشرين، شهدت مصر تغيّرا كبيرا تمثّل بالإطاحة بالملكية ووصول جمال عبد الناصر إلى الحكم. وسرعان ما أطلق النظام الجديد مشروع بناء السدّ العالي لتوليد الكهرباء وتوسيع المناطق الزراعية والحدّ من الفيضانات.

لكن المشروع شكّل تهديدا على المعالم الأثرية في النوبة، إذ إنه كان يقوم على إنشاء بحيرة طبيعية كبيرة. وتخوّف الخبراء من أن يؤدي ذلك إلى إغراق الكثير من المعالم الأثرية الفرعونية واليونانية الرومانية، منها أبو سمبل.

وكذلك أدى تشييد السدّ الذي دُشّن في 1971 إلى تهجير أعداد كبيرة من سكان النوبة غادروا بسبب غرق قراهم بالماء. في مارس 1960، أطلقت اليونسكو نداء لإنقاذ موقع أبو سمبل. وقُدّمت اقتراحات عدّة، لكن الاقتراح الذي نال الموافقة كان مصريًا سويديًا.

بدأ العمل في نقل كنوز أبو سمبل الأثرية في الأول من أبريل 1964، وجرى تفكيك آثار المعبد إلى 1035 قطعة زنة كلّ منها ما بين 20 طن إلى 30.

واستخدمت رافعات شديدة القوّة لنقل هذه الكتل الضخمة وإعادة تركيبها في مكانها الجديد بالشكل الذي كانت عليه في موقعها الأصلي. بعد ذلك، بُنيت تلال اصطناعية لتحيط بالموقع.

في 22 سبتمبر 1968، أقيم احتفال رسمي لمناسبة انتهاء حملة إنقاذ أبو سمبل، وكانت بحيرة ناصر الصناعية قد طمرت بالفعل الموقع السابق.

وشارك 800 عامل ومئة خبير في هذا العمل الذي امتدّ على أربع سنوات تحت شمس حارقة. وساهمت فيه خمسون دولة وبلغت تكاليفه خمسين مليون دولار.

وقال المدير العام لمنظمة يونسكو آنذاك رينيه ماهو «إنها المرة الأولى التي يقوم فيها تعاون دولي بهذا الحجم في مجال الثقافة».

انطلاق خطة الإنقاذ
في أغسطس من العام 1972 بدأت أعمال إنقاذ معبد فيلة على بعد حوالى عشرة كيلومترات من أسوان، في آخر مراحل إنقاذ آثار النوبة، حسب «فرانس برس».

واستمرت تلك العملية ثمانية أعوام وشاركت فيها أربعون بعثة أثرية من العالم تحت إشراف وزارة الآثار المصرية، وبلغت تكاليفها 30 مليون دولار. وفُكّكت في هذه العملية معابد وتماثيل ومعالم مختلفة ونقلت حجرا بحجر إلى مواقع جديدة.

في 10 مارس من العام 1980، أقيم احتفال رسمي بإنجاز تلك المهمة بنجاح، وخصوصًا الانتهاء من المرحلة الأخيرة وهي نقل معابد جزيرة فيلة في النيل إلى جزيرة أجيليكا المجاورة.

وقال أمادو مختار مبو الذي كان مديرا لليونسكو بين العامين 1974 و1987 «لم تصمد المعالم المقدّسة القديمة في أي مكان آخر في مصر بوجه الزمن كما فعلت تلك الآثار في النوبة، والتي اختفى منها جزء اليوم».