قهوة سي عقيلة الحلقة (47) «المترجم القانوني في نادي الملاحة»

     عدت من الإجازة التي استمرت ثلاثة أسابيع بدلاً عن عشرة أيام، فمَن يعرف خليفة الفاخري، بل وحتى مَن لايعرفه ولكنه زاره أثناء عمله في الدنمارك يعلم أنه لا يستطيع أن يتحكم في موعد مغادرته ليس لكوبنهاغن فقط، ولكن لرفقة «جنقي» الذي أصبح في تلك الفترة وكأنه مقرر على الراحلين من بنغازي إلى أوروبا، خصوصًا أميركا، أن يكون دخولهم أو خروجهم من وإلى مطاراتها من شقة الفاخري، عندما كان عازبًا، وبالنسبة لأخوته وأهله وأقرب أصدقائه  من شقة «أم بسيسي» مثلما كان يسمي زوجته.

    كان يستحوذ على تذكرة السفر والجواز ولا تراهما إلا بعد محاولات شاقة لتقنعه بضرورة سفرك. والحقيقة أن سفرياتي إلى كوبنهاغن أثناء إقامته هناك كثرت، لدرجة أن صديقي عبد المجيد الدرسي قال ساخرًا ذات مرة لأحد الرفقاء بعدما سأله عن أحوالي: « كويس جدًّا. أصبح يتنقل ما بين طرابلس وبنغازي عن طريق كوبنهاغن!».

    وهذا ماجعل أحد المتربصين لفرص النهب من طلبيات الأسواق، يقول لي وهو ولا يعرف علاقتي بالفاخري: «كثرت - يا كازي- رحالتك لكوبنهاغن!» وفهمتُ ماذا يقصد، فقلت له في الحال: «الأسواق لم تستورد شيئًا من الدنمارك، حتى الزبدة الدنماركية وقَّع عقدها صاحبك مع شركة مالطية!».

     لعلها أسابيع من بعد عودتي من الدنمارك، كثرت مناكفات ذلك المسؤول الذي كان يتطلع لرئاسة الشركة، من بعد غادرها طيب الذكر فرج يوسف الفيتوري، ولا أدرى مَن أخبره أنني كنت مرشحًا لرئاستها. أصبح تدخله بصورة فجة. وذات يوم تركته يهذي أمام موظفي القسم وقدمت له ورقة كتبت فيها الديباجة المعتادة، وقلت فيها: «... لا أستطيع مواصلة العمل بسبب مضايقات مستمرة من بعض المرضى. أنا مستقيل وعليكم أن تجدوا مَن يستلم مني قبل نهاية الشهر... »، وغادرت المبنى وأحسست بانعتاق هائل.

     كان التأميم قد طال كل شيء وصارت بنغازي سجنًا بحجم مدينة. كُنا شلة، معظمنا عاطل عن العمل، أو أنه يعمل ولكنه لا يعمل، مديره يغض النظر عن حضوره، فغيابه راحة له من انتقاداته وتعليقاته. كُنت أول مَن يأتي إلى شاطئ النادي، أحيانًا يسبقني عمك الحاج مصطفى زيو، الذي لم يكن حينها قد حج، وكان قد اشتهر ما بين أصحابه بـ «كلينا». كان حينها موظف المصرف التجاري ولكن من يوم أن سمعوا أنه صاحب بيت الشعر الذي قاله ذات ليلة عن بنك ليبيا وهو:

                        «البنك اللي كان أتقول إيش، ومصدر عيش *** تملح تما يرتع فيه الجيش».

   من يوم وصلهم هذا البيت -حامي بارد- صار حضوره مثل غيابه، «رقوه» على الرف. كان يحضر رفقه أبنائه، ثم تأتي بقية الرفاق مع أطفالهم المرحوم يوسف الهدار ومن بعده بقليل المرحوم عبدالحق الورفلي. أما محمد بوزعيك فيظل طوال الوقت «رجلٌ في البحر والأخرى فوق الرمل»، وعينه لا تغيب عن أبنائه الذين أصبحوا، الآن، مثل كل أطفال الرفاق: هندسة وطب وتجارة. نخباً متميزة يشار إليهم بالبنان بطول بنغازي وعرضها. ثم يصل الكردينال العازب حينها، الكابتن مختار اعبيدة عند الغروب. وتبدأ «القرمة» الاجتماعية على الرمال، أما السياسية فنقوم بها ونصف أجسامنا في الماء. تبدأ كالعادة: «اسمعتوا؟» أحيانًا يجلس معنا يوسف الهدار، ويظل ينصت ويتبسم طوال الوقت.

    هناك، غير بعيد عنا المهندس مبارك الشريف وبجانبه عبد الرحمن البوري. وهناك عند مخزن معدات الغوص، الحاج عبدالله عصمان وسيجارته المشتعله طوال الوقت، يناكف عمك عبدالهادي حمزة «المد» عن الحرايمي السامط. يقول له ملوحًا بسبابته: «قلت لك مليون مرة الحوت يبي ملح لأن ربك أراده أن يكون خفيفًا لتسهل حركته ولا يغطس «كالبيمبو». كثر الملح وأخلطه جيدًا مع الكمون والثوم وأنت تتبل، «ما نبيش نعيشلك ديما»، ويضحك حسين بوليفة مُتشفٍّ من المدْ، وابنه إيهاب هناك يقلد رياضيي كمال الأجسام. عند باب المطبخ أحمد الفلاح وبجانبه ينبه وليد: «لاه.. لاه يا وليد»، وعبد القادر التائب يوضح لخالد الفلاح كيف يربط الحبل، وطارق عصمان يصارع «نص بالتن».. وها هي     غادة ومي وغسان أما مرحي فمتعلقة برقبة «جنقي» لا تريد أن تمشي على الرمل: «(اللمله) حامية».

     ذات يوم جاء صديقنا داوود شاكير رفقة أطفاله. لم يكن أحد من الرفاق قد وصل. كنت أناقش يونس عاشور في الخطأ الذي ارتكبه في «طرح القاقو» الأخير الذي خسرته أنا وكان المفروض أن يخسر حسن بن عامر أو نوري الشريف، حتى «لكريك» انتبه للخطأ، بل حتى «مادي» الذي كان حينها مبتدئًا لم تعجبه لعبة يونس. جلس داوود بجوار صندوق مبرد. وذهب مع أطفاله إلى البحر. بعد قليل جاءتني ابنتي هند مبلولة. عاد داوود، وضع يده على رأسها وسألها: «كم عمرها؟»، أجبته: « سبع سنوات، عيد ميلادها نهاية يوم 31. تصور إنها جاءت قبل الفاتح من سبتمبر بست دقائق»، أجابني ببديهيته: «مواليد الفاتح الليبي (مبحبحين)».. النظام مهتم بهم كثيرًا لوكان تأخر دقائق لكسبتي سيارة. قالت هند: «جيعانة؟..»، تدخل داوود فتح صندوقًا مبردًا معه. أخرج موزة وقال ساخرا: «خذي. أبوك ما يحبكش لأنك ضيعتي عليه سيارة». تأملت هند الموزة ونظرت نحوي وهتفت: «باتي.. الراجل عطاني.. عطني»، وترددت قليلاً ثم قالت: «عطاني خيارة». ضحكنا كثيرًا، لأنها كانت لا تعرف أساسًا الموز فهى لم تره من قبل. كان ذلك أيام السنوات العجاف.

     ظللت ثلاثة أو أربعة أشهر دون عمل، وبلغ الحال مداه، وأصبحت نفقات معيشتي يومية. وأخذت مدخراتي تنضب إلى حد مقلق. وكنت أقضي أغلب يومي، خصوصًا الفترة الصباحية ببيتي، ومن بعد الظهر بنادي الملاحة.  كانت لقاءاتي أو زياراتي مقتصرة على عدد من أصدقاء، كان الدكتور رؤوف بن عامر من بينهم، فلقد كنت أعيره أي شريط فيديو لفيلم أوروبي جيد. كنا شلة منتظمين في الحصول عليه.

     ذات يوم أخبرتني زوجتي إن الدكتور رؤوف جاء أثناء غيابك، وسأل عنك، ووجد والدتك أمام الباب، ومن بعد أن تبادل السلامات، عاد إلى عربته وأحضر السماعة الطبية وكشف عليها، وترك لها روشته، كانت مكتوبة باللغة الإنجليزية: «ضغط أمك أحسن من ضغطي أكيد أنك موفر لها أشرطة فيديو جيدة.. وتارك صاحبك لصراخ تلفزيون ليبيا ! ».

     ذهبت إليه في المساء، من بعد أن تكرم علي الصديق سالم الزغيد ببعض الأشرطة الجيدة، التي قال عنها إدريس العمامي رحمه الله يسجلوا له فيها انسباته من شقتهم القريبة من تلفزيون البي البي سي!». وتحدثنا كالعادة في الحال والأحوال، وسألني ماذا أفعل الآن من بعد أن تركت الأسواق، أخبرته ساخرًا بأنني أعبي نسيم نادي الملاحة في زجاجات الببسي الفارغة!.  بعد ثلاثة أو أربعة أيام جاءني ليخبرني بأنني على موعد مع مدير شركة «جيمس كيوبت» المشرفة على تنفيذ مستشفى 1200 سرير.

    كان الدكتور رؤوف قد كلف رئاسة لجنة الإشراف على تنفيذ المستشفى، ولقد أوضح للشركة المشرفة ضروة أن تكون المراسلات باللغة العربية بحسب نصوص العقد، واقترح عليهم اسمي لثقته في شخصي، فبدا الأمر لهم وكأنه أمر واتفقت معهم، وبمرتب مجزٍ، وبدأت بالفعل، ولم يطل الأمر حتى عرف المرحوم المهندس فتحي جعودة امتهاني لهذا العمل، فقدمني إلى رفيقه في المكتب الأستاذ المهندس محمد المحيشي للقيام بالترجمة القانونية، وطباعة مستخلصاتهم. تكفل صديقي سالم الزغيد بإتمام إجراءات ترخيص من المحكمة يؤهلني للترجمة القانونية.

     كنت أخبرتكم أنني نلت الشهادة الابتدائية، سنة 1961، سلمتها للسيد المراقب الإداري بوزارة الأشغال العامة، المرحوم محمد عبد الهادي إستيتة، فأصدر قرارًا بترقيتي من مساعد قارئ عدادات إلى كاتب فواتير بمصلحة المنافع العامة. لم تستفد مني المصلحة بقدر ما استفدت منها، لأن الفواتير كانت تكتب يدويًّا، فتحسن خطي كثيرًا وكدت أصبح خطاطًّا لولا نزقي وكثرة مغادرتي، لدرجة أن «الباشكاتب» المرحوم ونيس الجبالي، الذي كان من رواد قهوة سي عقيلة، وكنا نعرف أنه ملاكم، قال لي مازحًا ومتوعدًا: «يا رجل اهمد في كرسيك، وإلا نضربك (بوني) يرقدك لعند نهاية الدوام».

    سنة 1963 نلت الشهادة الإعدادية، فنقلني المرحوم محمد إستيتة إلى الإدارة، وكان بالمكتب آلة طباعة إنجليزية مركونة، نظفتها وتعلمت النقر على حروفها، فانتبه المرحوم إستيتة لذلك، فنقلني كسكرتير للمستر آدم، كبير مهندسي المياه.

    الواقع أنها ليست تمام وظيفة سكرتير، ولكنها كمهمة الخادم الخصوصي، ولقد ارتاح إلي المستر آدم كثيرًا، لعله بسبب صغر سني ورغبتي في التعلم، وكان يأخذني معه عندما يذهب مرتين في الشهر إلى مشروع مياه الدبوسية، وهو مد أنابيب مياه الشرب من عين الدبوسية إلى قصر السلام بطبرق. كانت رحلات فخمة، في سيارة «همبر» رسمية سوداء بإقامة في فندق شحات أو البيضاء مع وجبات فخمة، وكان يحكى لي طوال الوقت بالإنجليزي، وأعتقد أنه كان يعرف أنني بالكاد التقطت منه بضع كلمات، أرددها وكأنني مترجم حقيقي.

    كانت أكبر مهامي هي تنظيف مكتب المستر آدم، هي حراسته وألا يدخله أحد في غيابه، وأيضًا تقشير التفاحتين، اللتين يحضرهما معه كل يوم. أقشرها عند طلبه مثلما علمني وبالطبع لي منهما برج وأحيانًا برجان. أو نقل رسائله من وإلى الإدارة والحسابات ومكتب الوزير. خلاف ذلك أقضي بقية الدوام أنقر على الآلة الإنجليزية حتى تعلمت بالفعل الطباعة، يعني نقل النص كما هو من دون أن أعرف معناه تفصيلاً.

     سنة 1963 بدأ جيل الرواد يتوافد على وزارة الأشغال: المهندس عمر بن عامر، المرحوم فتحي جعودة، المرحوم طه الشريف بن عامر، سامي الجربي، والمرحوم محمد المنقوش، كان هناك غيرهم ولكن هؤلاء تحديدًا كنت أراهم باستمرار، خصوصًا من بعد تكليف المهندس فتحي جعودة الذى تولي نظارة الاشغال من بعد السيد محمد سالم ، ثم كلف بوزارة الأشغال العامة وكان مكتب المستر آدم في مواجهة مكتبه.

     وفيما كنت ذات يوم بالمقصف في الدور الأرضي، وعدت إلى مكتبي، وجدت شابًا بالمكتب، واضعًا رجلاً فوق أخرى، ظننت أنه إنجليزي. وضعت كوب الشاهي بالحليب علي طاولتي، وقلت له مهللاً: «هالو.. جود مورننج» فرد متبسمًا: «صباح الخير» أخفيت دهشتي وسألته إن كان يود أن يشرب شايًا أو قهوة فقال: «قهوة قد قد» نزلت وأحضرت القهوة ولكنني لم أجده. جاءني المرحوم ابراهيم  أمنينة سكرتير الوزير وطلب مني أن أحضر القهوة إلى مكتب الوزير. قال لي: «المهندس محمد المنقوش مع الوزير» قال لي: «بعد ما يأتي المستر آدم، أخبره بذلك ».

     تلك كانت أول مرة اقترب كثيرًا من الوزير فتحي جعودة الذي صار بعد نحو 10 سنة صديقي جدًّا. لم ينقض شهر من ذلك اليوم حتى سافر المستر آدم وأعطاني ظرفًا وجدته ثروة به لم ترَ أمي في حياتها مثلها، 30 جنيهًا! لا يمكنني بأي حال أن أصف لكم بدقة ماذا حدث في بيتنا عشية ذلك اليوم. يكفي أنهم كادوا يزوجونني من قريبتنا.

    صار المهندس محمد المنقوش كبير مهندسي المياه، بدلاً للمستر آدم، وصرت مديرًا لمكتبه، حتى وصل القذافي السلطة، فصار المرحوم محمد المنقوش وزيرًا للإسكان. ولم يعد المهندس فتحي جعودة وزيرًا، فلقد أُلغيت وزارة الأشغال.

    المهندسان محمد المنقوش وفتحي جعودة أصدقاء منذ أن كانا طلبة. رحل المنقوش ودرس في تركيا، وجعودة في مصر، وعادا بهمة يعملان بإخلاص ووطنية صادقة في بناء ليبيا. غير أن المهندس فتحي جعودة سرعان ما خاب أمله، من بعد سنة 1970 وغادر إلى لندن ولم يعد إلا بعد سنوات، ولفد  زرته تلك الففترة  رفقة صديقي عمر جعوده ومنها اصبحنا صديقين وكان الثالث من عائلتهم احد رفاق مرحلة سيدي حسين وهو محمد على جعوده . ثم  عاد  المهندس فتحي جعودة بهمته وخبرته في بناء الوطن من خلال مكتبه الهندسي الاستشاري، الذي ضم الكثيرين من أبناء بنغازي الخيرين الذين جمعتهم محبة الله والوطن وصداقة تواصلت عقودًا كاملة، ولعل من الاعمال التي اشرفت عليها  مجموعة مكتبه هو مشروع 7000 وحدة سكنية في بنغازي ، وهو الذي وفر العمل في تلك الفترة.

     وصرت أقضي وقت فراغي مع أطفالي في مصيف الملاحة مع المرحوم عبد الحق الورفلي والمرحوم يوسف الهدار، ومختار إعبيدة، وعبد الله عصمان، ومحمد بوزعيك، وهناك كان للمرحوم مصطفى الفيتوري قارب، دعاني ذات يوم لرحلة مسائية لصيد السمك رفقة يونس عاشور ونوري الشريف، فعلقت سمكة بائسة بخيطي، فكانت بداية لتجربة ثرية غيَّـرت مسار حياتي بالكامل.

المهندس محمد المنقوش
المهندس محمد المحيشي
اخر رئيس وزراء العهد الملكي ونيس القذافي يتوسط المهندسان فتحي جعوده ومحمد المنقوش
رافع عمر جعوده
الملاكم وحكم الملاكمة وباشكاتب المنافع العامة المرحوم ونيس الجبالي
الاول جلوسا فتحي جعوده والثالث طه الشريف بن عامر والثاني وقوفا مصباح عريبي والخامس المهنس محمد المحيشيى
الشيخ مادي تربل
الرياضي مادي تربل
مصطفى زيو ( كلينا) ومحمد القنين
عبد الهادي حمزه ( الّمد)
الكبتن مختار اعبيده
يوسف الهدار يتوسط عنر بالتمر من اليمين وحسين صليح من الشمال
سالم الزغيد
( جنقي ) الدبلوماسي خليفة الفاخري في الدنمارك
لاعب الهلال القدير وأحد رجال نادي الملاحة عبدالرحمن اشتيوي
من رجال نادي الملاحة الأول من اليمين طار عصمام والاول من اليسار يونس عاشور
خليفة الفاخري ومحمد عقيلة العمامي
الاول من الصف الثالث نوري الشريف
محمد على جعوده
الرايس عبد الله عصمان
عبد الحق الورفلي
مصطفى الفيتوري (الكريك) في صدر الصورة
داوود شاكير
المهندس طه الشريف بن عامر والمهندس فتحي جعوده
بمنتصف الصورة الاستاذ محمد المرتضي وعلى يساره سامي الجربي
وجهاء من بنغازي الأول وقوفا الدكتور محمد فرج ادغيم والثاني الحاج احمد صويدق والثالث عمر بن عامر وفتحي جعوده ثم سليمان امنينه والاستاذ اجمد القلال ومحمد المحيش والاول موقوفا نجل الحاج احمد صويدق ثم نجل الدكتور وهبي البوري وعبدالرحمين هويدي بالروين والكات
محمد ونيس بوزعيك
محمد عبد الهادي استيته

المزيد من بوابة الوسط