قهوة سي عقيلة الحلقة (46) ليلة «الفجعة» وجراءة شباب

     اثناء فترة عملي في الأسواق اكتشفت حقيقة أنني أحب العمل غير المُقيد بنظم وحضور وانصراف وشكليات الملبس والتراتبية الإدارية.. و " أهلا بالاستاذ.. " والاستاذ في اجتماع والتصنع والوقار. أكتشف ان تركي سريعا لأي عمل لا علاقة له بمن ادعيت أنني تركت العمل بسببهم. والان من بعد أن (وضعت المداري على التبن) أعترف أن العيب في شخصيتي، وليس في النظام، أي نظام، لأنني بالتأكيد لا أستطيع أن أغير نظام قائم ومتفق عليه، وأن أجعله أن يكون، أو يسير بالشكل الذي ارى انه النسب.

       فضلت خلالف فترة عملي بالاسواق أن اكون رئيس لقسم وليس مدير إدارة، والسبب أن طبيعة عمل هذا القسم ميدانية، ولقد نجحت فعلا في إقناع الادارة أنه من المستحيل أن يطبق نظام الحضور والغياب على مستخدمي هذا القسم باعتبار ان طبيعة المخلص الجمركي هي متابعة مستنداته حتى تسريح بضاعته من الميناء‘ إذ  لا يعقل ان يتوقف المسرح الساعة الثانية والرافعه تضع الحاوية على سيارة النقل مثلا.  لقد نظمت القسم، الذي انتقيت عناصره بمعرفتي وعملنا فريق واحد، وحتى نتجاوز الحضور والانصراف والساعات الإضافية اتفقت معهم على التالي:  لكل واحد منهم 120 ساعة اضافي تضاف إلى مرتبة من اول الشهر، وكل واحد منهم يستلم مستنداته صباحا وينطلق إلى الميناء وليس مرتبط بموعد محدد لعودته، ولكنه مرتبط بتسريح البظاعة منذ ان يستلم مستنداته، وتخصم منه ساعة واحدة من الاضافي عن كل يوم يتاخر فيه التسريح  واليوم التالي والثالث  ساعتين، والرابع والخاس ثلاثة وهكذا. أما أن سرحت الشحنة في حينها فساعته تظل كما هي. أما الأصعب هو ان الشهر التالي لا تنزل له 120 وانما الساعات التي بقيت له من الشهر المنصرم. ومن لايفقد من ساعته سوى اقل من الثلثن تضاف اليه عشرين ساعة  .. وكنت اخرج معهم إلى الجمرك بمستند لشحنة ويطبق المظام علينا جميعا. لقد نجحنا تماما في تأدية عمل صعب وكان التسريخ هو المشكلة الرئيسية التي واجهت اسواق طرابلس.

      لقد عملنا كفريق واستمتعنا باسلوب العمل واستفدنا كمرتبات وبالتأكيد كانا أول من يأخذ نصيبه السلعة في وقت كانت تشح احيانا كثيرا. ولكن كثرة ما وجدته من اخطاء في المستندات وتلاعب كبير وصل درجة سداد المستند مرتين، ناهيك عن بضائع ترسل ضد مستندات ويدفعونها هكذا، في نظام استمر لسنوات من دون تغلق ميزانية سنة واحدة!  كل ذلك جعل بعد المستفيدين يتبسمون وجهي ولكن طريقة عملي لم توافق هواهم. فتركت مبكرا على الرغم من  الود والألفة التي تخلقت لي مع الكثير من الانقياء الجيدين.

       فماذا حدث؟

       سنة 1981 قرر نظام القذافي افتتاح سوق الرويسات العامة في بنغازي لمناسبة إعلان سلطة الشعب. كانت إدارة السوق قد شكلت لجنة لتجهيز هذه السوق، ولكن حركة التنفيذ لم تبشر بافتتاح السوق في موعدها.  كنت بمكتب مدير الشركة لأمر ما، فدخل المرحوم إبراهيم بكار؛ كان حينها أمين اللجنة الشعبية في بنغازي. عرفته في مطلع السبعينات بعدما استبعد النظام عددا من رجال إدارة جامعة بنغازي، وكلف نخبة ممن يثق فيهم، وكان بكار أحدهم، وتولى منصب الأمين الإداري للجامعة، والحقيقة كان ودودا، عمليا وخدوما، فتمكن سريعا من نيل ثقة واحترام من عمل معه على الرغم من كونه قد جاء كثوري ليحل محل من ليسوا ثوريين بمعايير سلطة ذلك الزمن. لم يتعامل مع أحد من منطلق أنه ثوري فوقي. كان همه هو خدمة الجامعة، وأثبتت الأيام أنه عشق الوطن، وخصوصا بنغازي فقدم لها الكثير.

       كانت كلية الطب المتعاونة في ذلك الحين مع جامعة القاهرة، قد استضافت جمعية الجريدلي لطب الأسنان، ففي ذلك الوقت كانت العلاقات وثيقة والتعاون يشمل كل المجالات، وكانت الجامعة تعج بالمصريين، أذكر أن على الريشي اقترب مني عند المقصف وهمس في أذني ساخرا، أنه سمع طالبة مصرية تشتكي إلى زميلتها قائلة: «ياه.. دا الطلبة الليبيين كتروا في جامعة بنغازي أوي!».

     كنت في تلك الفترة مسجلا لكلية الطب، ولذلك كلفني بكار بمرافقة هذه الجمعية التي رأت أن يكون جزءا من منهج طلبة الامتياز عمل ميداني في القرى المحيطة ببنغازي، والحقيقة أنهم قاموا بعمل ممتاز، فلم تكن هناك عيادات منتشرة في تلك القرى ناهيك أن المواطنين كانوا يلجؤون إلى ما تعودوا من أساليب بدائية لعلاج أسنانهم. كان واضحا أن الطلبة الذين قدموا متميزين ومنتقين بدقة، حتى إن الكثير منهم عادوا إلى مصر بعقود عمل وجاءوا إلى بنغازي مباشرة بعد تخرجهم. لقد قدموا لبكار رسالة شكر نالني منها أكثر مما أستحق، ومنها صارت علاقتي بالمرحوم بكار جيدة، إلى أن تركت الجامعة، وصار هو شخصية بنغازي البارزة، بعد أن كسب محبة أهل بنغازي بسبب تفانيه في خدمة المدينة، وكذلك تواضعه وعفة يده وابتعاده عن المبالغة في ثوريته.

     زمنذ ان تركت الجامعة لم ألتق به إلا ذلك اليوم. ومن قبل أن ينتهي ترحيبه التف نحوي، وقال للمدير: « انا لا اعرف ماذا يعمل العمامي في شركتكم ولكن من الآن كلفه بتجهيز السوق». وفهمت أنهم يريدون افتتاح السوق في فترة لا تتجاوز ثلاثة أسابيع. حاولت أن أتملص ولكن لم تكن هناك فرصة لذلك، وسريعا ما خطر على بالي أن المرحوم خليفة الفاخري، الذي كان قد عدت منه مؤخرا، وأعرف أن مشكلة السكن بعد رجوعه من الدنمرك إلى بنغازي تؤرقه كثيرا، ففي ذلك الوقت تقلص عدد الشقق كثيرا، فبمجرد تطبيق مقولة البيت إلى ساكنه.

      اصرار المرحوم بكار على تكليفي جعلني أقول له في حال، وليس من باب الابتزاز، سوف يجهز السوق قبل الموعد بأسبوع، بمجرد تكتب رسالة إلى الإسكان لتخصيص شقة بعمارات الكيش لصديقي خليفة الفاخري، وكان لحسن الحظ يعرف خليفة من خلال كتاباته وشرحت ظروفه، فالحقيقة لم يتردد أخذ ورقة وكتب بصيغة أمر تخصيص شقة من شقق الكيش، فأضفت له مازحا و(دبر) لي في تأشيرة خروج لأذهب إليه في الدنمرك وأسلمه قراراك هذا»، ضحك وأضاف: «ومع التأشيرة مكافأة» فأجبته ساخرا أيضا: «معقولة مكافأة؟ مع التأشيرة وتذكرة السفر.. لالا (هكي واجد)!» ضحك: «وراسك درجة أولى»، وبالفعل نفذ ما وعد.

     اتفقنا مع المدير على تخصيص شاحنتين، وتفريغ عدد من موظفي قسمي، وعدد من عمال المناولة وعلى مكافأة مالية لهم. وجهز السوق، وخرجت من تلك المناسبة بحقيقة مزعجة؛ وهي أن فاعلي الخير، هم البصاصة المتطوعون، وليس أولئك الذين يربون منها عائلتهم، هم سبب دمار البلاد ووصولها إلى ما وصلت إليه زمان والآن. كان المرحوم بكار يطلعني على ما كتب زورا عني، والعجيب أنه ممن اعتقدت أنهم أصدقاء. وشاهدت ضابط أمن كبيرا كنا نخشاه، (مزنوقا) في ركن دخلته بالصدفة، عندما صفعه شاب أحول، لافا رأسه بقطعة قماش خضراء، وهو يقول لضابط الأمن: «ني قوتلك ما تنحيش القفل..» وخجلت له واختفيت، وكان ذلك سببا كافيا ليتحاشاني ذلك الضابط حتى انتقل إلى ربه. وقبيل الافتتاح بأيام قليلة ولم يبق لنا سوى رتوش بسيطة، لم يغب أحد ممن كانوا يسيطرون على البلاد، منهم من أحضر عائلته لترى هذا (الصرح) ومنهم من أحضر زميلته النقيب فلانة، وكأن المنجز هو (سيلفرردج) بريطانيا الشهير. وفي ليلتي الأخيرة في السوق كنت منهمكا في تنسيق دولاب عرض، أقعيت لأن الرف قريب من الأرض. كان بجانبي عبيد الدرسي، وكنا رائقين، نسخر من أحد الحراس، فنهض عبيد فجأة مرتبكا: «محمد.. محمممد» فقلت له، مقلدا الحارس: خيرك؟ «والتفت لأجد معمر القذافي ورائي مباشرة فتسمرت في مكاني. خشيت أن حركتي ستتسبب في سحب أقسام كلاشينكوف.. وأنا لا أحب قعقعته». عندها قال المرحوم إبراهيم بكار: «نحن لم نستعن بأية خبرة أجنبية مثلما قيل لك يا قائد.. هذا الشاب -كنت حينها شابا- هو ورفاقه هم من أنجزوا هذا العمل الجبار» أجابه : «زين.. زين» ثم التفت نحوي الخويلدي قائلا: «اشبح .. اشبح (القزم) الإيطالية، امتا يا بوزيد تصنعولنا زيهن»، وظللت في مكاني مرعوبا لا أعرف إن كان من اللائق أن أقوم أو أستمر في عملي. لم يطل بقاءه والتف، فالتفتوا كلهم وغادروا وأنا قاعد.. قاعد.

       من بعد عودتي من رحلة الدنمارك لم يطل بقائي بالشركة. افتعلت مشكلة مع مديرها وقدمت استقالة فقبلها في الحال. لم يخطر ببالي أنني سوف أشقى قبل أن أجد عملاً بديلاً. فلقد بدأت الدائرة تضيق، ومن وصل منصبًا، أبعد كل مَن كان يخشى على كرسيه منه. وأذكر كل الذين تعللوا وكذبوا ووقفوا حائلاً دون تعييني في عدد من شركات ومؤسسات . لم تكن ثمة فرصة حقيقية لعمل حر شريف. ولكن لم تخلو بلادنا ابدا من الشرفاء الذين تجدهم وكأن قلقك وحسرتك تسري اليهم في ليلهم فتجدهم يطرقون بابك ليشاركوك قهوتك الصباحية. 

من اليمين الدكتور عثمان شميسه ومحمد عقيلة العمامي وخلفه الدكتور عمران الفيتوري وعطيه بدر وعلى مرسي الشاعري محي الدين البشاري وابراهيم بكار زالدكتور رؤوف بن عامر
من اليمين على الريشي ومحمد عقيلة العمامي وحسن الهنتاتي ومصطفى الرايس وطالبات من قسم الفلسفة
من اليمين مهندس ايطالي وعبدالوهاب الزنتاني وفرج الفيتوري وعوض الفيتوري عند تشييد اول معمل تفريغ دجاج في بنغازي
خليفه الفاخري ومحمد عقيلة العمامي
ابراهيم بكار
صلاح الدين الغزال
عبد الواحد الغرياني ومحمد البعباع ورجب بوخضره وفرج قزح من رجال سوق الحشيش
الحاج فرج يوسف الفيتوري
لعلها احدث صورة لصديقي فرج يوسف الفيتوري
حسين كويدير احد سجناء محاول سوق الرويسات
الشيخ على الصلابي احد سجناء محاول سوق الرويسات
محسن ونيس القذافي اصغر السجناء السياسيين بعد محاولة سوق الرويسات