قهوة سي عقيلة (45) «مخازن الأسواق في الهواء الطلق»

      بعدما نشرتُ في حلقة سابقة إعدامات 7 أبريل، أضاف لي صديقي الدكتور جمعة عتيقة جزئية أعرف بعضًا منها، ولا أعرف الجزئية التي أضافها. أخبرني أنه كان من المقرر شنق شاب لم يتجاوز عمره عشرين عامًا هو المرحوم عبدالسلام الحشاني، شقيق لاعب كرة القدم الشهير عبد الجليل الحشاني، ولكن وكيل النيابة المكلف تنفيذ الحكم الأستاذ محمد مؤمن، لم يكن مقتنعًا بالحكم، فاتفق مع جمعة عتيقة على مغادرة طرابلس، كي لا يجدوه، وبالفعل ذهبا إلى صديقهما صالح الإدريسي في زوارة وأمضيا ليلة الخميس هناك، وقد بحث رئيس مكتب الادعاء العام الأستاذ حسن بن يونس عنه ولم يجده، ولما كان اليوم التالي يوم جمعة لم ينفذ الحكم، ويوم السبت رفض الأستاذ محمد مؤمن التنفيذ لقناعته ببطلان الحكم. وبسبب هذا التعطيل تمكنت عائلة الحشاني من إقناع القذافي بتغيير الحكم إلى المؤبد بسبب صغر سنه. وفي اليوم نفسه شُنق في جامعة طرابلس الشهيد رشيد كعبار، والشهيج فرحات حلب بميدان زوارة. أنا لا أعرف السيد محمد مؤمن ولكنني أعرف أن جمعة لا يقول إلا الصدق.

    لعل وحشية تلك الإعدامات التي نُفِّذت في الشوارع، كانت هي التي سهلت تنفيذ برامج التأميم التي شملت كل شيء بما في ذلك محلات بيع الخضار. في تلك الفترة كان لي محل «21» للأحذية، وسوبر ماركت «أرض الطعام» في بنغازي، وفي الحقيقة لا يمكن اعتبارهما من المشاريع الرأسمالية، فكلاهما ممول بقرض من المصرف، ومع ذلك طُبق عليهما الزحف والتأميم. ولكنني ثابرت بمطالبتي بقيمتهما لسداد دين المصرف إلى أن وصلتُ معهم لاتفاق السداد شريطة العمل في الأسواق.

    لقد كانت الخبرة العلمية تنقص كوادر الشركة. وبسبب تخصصي في اللغة الإنجليزية عُيِّنت في مطلع الثمانينات رئيسًا لقسم المستندات والتخليص الجمركي. كانت كل ورقة تصل الشركة مكتوبة باللغة الإنجليزية تحال مباشرة إلي، فلقد كان المرحوم موسى حشاش مديرًا للإدارة وما أن تصل رسالة إلى بريده اليومي مكتوبة باللغة الإنجليزية، حتى يكتب على المظروف المغلق تحال إلى «النصراني». كانت الرسائل تصلني مغلقة لدرجة أن رسالة ضمان لعمولة لرأس من رؤوس الشركة أُحيلت إلي واحتفظت بها إلى أن سلمتها له بعد خروجه من السجن، فلقد كان من ضمن الذين تعرَّضوا للتعذيب والتحقيقات في مداهمات 7 أبريل المشهورة. ولأن الموردين الأجانب يتعاملون مع العمولة كإجراء تجاري متعارف عليه، لم ينتبهوا لمغبة وصول اتفاقيتها للنظام، ولكن ما أن عرفوها حتى وظفوها لانسياب عقودهم، ونيل حصصهم في التوريدات المستمرة. كانت الفوضى بالغة لدرجة أنه تم أكثر من مرة سداد قيمة بضاعة مرتين وبطريقة رسمية، بل وصلت شحنات لم يطلبها أحد ومع ذلك سرحت وسدد ثمنها. لم تكن بالشركة دورة مستندية بالمعنى المتعارف عليه أو ميزانيات حقيقية، وكان همي عدم الوقوع في مطبات هذا الخلل، ولذلك انتقيت نخبة من شباب أعرفهم وأعرف أصولهم ولم تكن علاقتي بهم علاقة رئيس بمرؤوس، وإنما صداقة «عيال بلاد»، منهم عبيد الدرسي وأحمد عبد الكافي السمين وعباس العبار وإبراهيم الشيخي وعبد المنعم قرقوم، وغيرهم بخلت علي ذاكرتي بأسمائهم؛ كانوا لي سندًا، فلقد كانت «البصاصة» والابتلاء والنفاق مؤهلات للتقرب من إدارة الشركة وللترقية، ونيل ما يشاؤون من المخازن، في حين كانت السلع تباع أحيانًا للمواطنين في أكياس لا يعلم مشتروها ما بها. ولقد علمت بالصدفة أن أحد رؤوس الشركة الكبار كان متحسسًا من انتقاداتي لبعض ما يرد من بضائع وأسعارها، فقرر أن يبعدني عن المستندات بطريقة ذكية، فمدحني برسالة مثمنًا إخلاصي، وأرفق بها قرارًا بترقيتي مديرًا لإدارة المخازن، وذهبت إلى المخازن.

    كان وقتها صديقي محمد البعباع رئيسًا لقسم الملابس، يرأس عشرات من الأفريقيين يعملون كخفراء وعمال مناولة. علمت منه بصريح العبارة أنها فوضى ولا يمكن أبدًا السيطرة على البضائع المكدسة في العراء، ولما قمنا بزيارة أقسام هذه المخازن، لفت انتباهي عامل كان قدَّم لي كوب شاهي ببدلة ليبية بيضاء ومتسخة، ثم رأيته قادمًا من داخل المخزن ببدلة جديدة سماوية اللون- بلغ عدد طلبية هذه البدل نحو 100 مليون بدلة اُستُوردت من هونغ كونغ، و«عدالات» شاهي بالعدد نفسه وخوارق أخرى من المصدر نفسه. نبهت حينها البعباع، فقال: «عادي.. تعرف إن الخفراء يعبئون سيارة نقل صغيرة من هذه البدل في الليل بمئة دينار، أما الكبيرة فبمئة وخمسين. لا يمكن السيطرة على المخزون منها»، ثم تنهد بمرارة واستطرد: «الإدارة تعرف ذلك، ولكن المهم ألا ينقص شيء من الأسواق وتظل مفتوحة حتى لايتهموا بإفشال التجربة». رأيت أكوامًا من ملابس من دور أزياء عالمية، وجبالاً من معلبات زيتون «كلماكا» اليوناني وفولاً مدمسًا مستوردًا من إيطاليا وحلوة تركية وعصير راوخ بمختلف النكهات وكلها في الخلاء الخالي.

    فكتبتُ إلى الإدارة معتذرًا لعدم قدرتي على العمل بسبب الغبار لأنني مصاب بالربو! وعدت إلى عملي ونسوا أن يعيدوني إلى سابق درجتي وظللت مدير إدارة. ذات مرة وصل المصرف مستند قيمته نحو ربع مليون دولار، ثمن صندوق لا أعلم عنه شيئًا كان قد وصل إلى مطار بنينا، وزنه نحو سبع كيلوغرامات. أخذت المستند وذهبت إلى المطار كان حينها فرج السنوسي مسئولاً عن الحظيرة الجمركية. لم نجد الصندوق في خزينة الحظيرة وإنما وجدناه بين عمال متحلقين حول «عدالة الشاهي» فوق الصندوق الخشبي، ولم يعلموا أنهم «ينعنعون» الشاهي فوق ربع مليون دولار. تسلمته سريعًا وذهبت به مباشرة إلى خزينة مصرف ليبيا بعلم وتنسيق مع الإدارة وأودعته هناك. لم أجد أحدًا أساسًا لهذه الطلبية، قالوا إنها ضمن قوائم طلبيات إلى جنوب شرق آسيا. ونُقل الصندوق إلى الإدارة العامة في طرابلس وقالوا إنهم أعادوا شحنه للمصدر!

    لقد استمرت فوضى الأسواق حتى تولى إدارتها سعيد رشوان، كنت حينها قد استقلت، ولكن زملائي أخبروني بذلك، بل وطلبوا عودتي للعمل، غير أنني أُصبت بعشق البحر، فلم أعرف بعد ذلك كيف أتنفس بعيدًا عنه. أثناء فترة عملي في الأسواق التقيت نماذج كثيرة ومثيرة ومتباينة.

     إنه أمر لا يعرفه سوى أقرب أصدقائي، وهو أنني خلال فوضى الأسواق، تملكتني خشية لم أستطع أبدًا أن أتغلب عليها وهي خشية من الولوغ في رزق أؤتمنت عليه. كنت أعرف تمامًا كيف يؤسس لعمولات تضاف على قيمة السلعة الفعلية، ولقد حاول الكثير إقناعي بأن الشطارة أن تأخذ عمولاتك من بعد أن تتحصل على أفضل الأسعار ولكنني لم أقتنع أبدًا بذلك على الرغم من معرفتي بمَن كوَّنوا ثروات من هذا العمل.

 كان عملي في الأسواق هو التخليص الجمركي ومتابعة سداد قيم المستندات، وكانت إدارة الحسابات تعتمد أية مستندات تحال مني بعد تسريح بضائعها. كانت التعاقدات قد تمت بالفعل وإن كانت ثمة عمولة فهي من نصيب موقع العقد. غير أن كافة ما كان يستورَد في تلك الفترة له وكيل غير مرئي قد يكون متفقًا مع أحد في الشركة أو قد لايكون. كثيرون جاؤوني ووضَّحوا لي أنها شركتهم ويعلم الله أنني لم أشِ بأحد ولا استطاع أحد منهم أن يقنعني أن أتسول منه عمولة على الرغم من أن بعضهم عرض علي وبصورة مباشرة، ولكنني كنت أعرف أنني أستطيع بعد ذلك النظر في عينيه مباشرة، وتلك مصيبة لا يعرفها إلا مَن يلتقي بك، ولا يستطيع النظر مباشرة في عينيك لأنك تعرف ما وراء تلك العينان .

 كان هناك مَن ينبهني طوال الوقت: «اللي تهينك ما تربيك»، وزاد من هذه القناعة ودعمها مجيء الرجل الفاضل الطيب الحاج الشريف عبدالله عبد الصمد ألى الشركة.

 صباح وصولي إلى مقر الشركة لمحت شخصية أحترمها كثيرًا، فهي من الشخصيات المعروفة، في منطقتي، التي كما أخبرتكم من قبل، تمتد من «القبطانارية» مرورًا بشوارع النصارى، ثم ميدان الشجرة، ثم امتداد شارع عمرو بن العاص حتى فندق بن غربال عند مدرسة الأميرة شرقًا. وتمتد أيضًا نحو الشمال حتى بحر الشابي؛ الحاج عبد الله أعبيد عبد الصمد من نخب بنغازي ومن عائلاتها المعروفة، كان سنة 1960 نائبًا في المجلس التشريعي، ثم تولى في ما بعد مكتب خاله الشاعر عبد الرحمن بونخيلة لتحرير العقود. كان مشهود للحاج عبدالله بالنزاهة والأمانة والطيبة وخوف الله. يسكن بشارع شلوف، الذي يربط شارعي الرعيض واللواحي، وعند خروجه من مسكنه متجهًا نحو اليسار يرى عبر مساحة خاوية الوجيه الحاج مصطفى أمنينة بأناقته المعروفة باللباس الوطني الليبي جالسًا أمام بيته بشارع قصر حمد، وغير بعيد من منزل الحاج قويدر والد ابراهيم، رفيق الطفولة، الذي لم تبخل على والدته عندما كنا تلاميد بمدرسة الأمير بمايفيض من ملابس ابراهيم.  كان للحاج عبدالله منزلان بشارع المسطاري، حيث كانت تسكن عائلة خليفة الفاخري، في المنزل الذي ينتهي به شارع أسنيدل، ثم يلتف نحو اليسار ليبتدئ شارع لحيول الذي غلب عليه اسم المسطاري، ذلك الفقيه المسلم، الذي جاء إلى بنغازي من «مستير» في يوغسلافيا، فبنى مسجدًا يُعلِّم فيه أصول الدين للبسطاء. المسجد مازال قائمًا في نهاية الشارع بحيث لم يترك سوى مسرب ضيق يؤدي إلى شارع تسكنه عائلة يهودية عجوزها -اسمها «دودا» وهو تصغير لـ«مسعودة»، تصنع «البوخة» وكان الشياب يبعثونني لشراء قنينة منها، تفاديًا للشبهات، فأنطلق من قهوة سي عقيلة حتى بيتها وأعود بالزجاجة، وأفوز بنص قرش، وأحيانًا قرش كاملاً.

 استأجرت احد المنزلين، وأستأجرت الثاني عائلة رجب المقوب والد صديقي الاستاذ محمد، وعثمان وبقية  أشقائه وأذكر أنني تأخرت في سداد الإيجار لشهر أو اثنين، فذهبت إليه مُفسرًا الأمر فاقترح أن أسدد له نسبة من الإيجار المتراكم مع الأشهر المقبلة، وهكذا وجد حلاً لمشكلتي من دون أن يحملني أكثر من مقدرتي، ومنها صرنا أصدقاء.

 عند الممر المفضي نحو مكتبي، رحبت بالحاج عبد الله، وأخذته إلى مكتبي وعلمت منه أنه عُيِّن مديرًا للمخازن. لا أخفي عليكم خشيتي عليه فأخبرته بواقعها، وفسرت له: إن المخازن التي رأيتها لا تحتاج إلى إنسان، يا سي عبد الله. إنها تحتاج إلى «سوبرمان وجراندايز» يتعاونان معًا، وبالتأكيد يحتاجان إلى معجزة لتنظيمها.

فأجابني بأنه اكتشف ذلك وأنه كان ينتظرني لأنه يريد أن ينتقل للعمل معي، لم أتقبل أن أكون رئيسه، فذهبت إلى مدير فرع الشركة وأخبرته بأنني لا أقبل ذلك، لأن الطبيعي أن يُنقل بدرجته، ويكون هو المدير وأنا مساعده، فأكد أنه هو مَن يريد أن يعمل مساعدًا لي ولم نتفق، فذهبت إلى الحاج عبدالله وأخبرته برأيي، مؤكدًا له أن إمكاناته وقدراته وحنكته أكبر من قدراتي.. ولكنه قاطعني: «يا محمد أنا لا أستطيع أن أكون مديرًا لا للمخازن ولا للحسابات ولا للشؤون الإدارية، ثم أنا أعرف ما يدور في الجمارك والميناء، أرجوك دعني أكون معك، فأنا لا أريد أن أحتك بأحد ولولا الظروف لما جئت إلى هذا المكان. أنا أعرفك، وأعجبني انتقاؤك للذين يعملون معك. إنهم عيال بنغازي وأعرف أغلب أهاليهم، فهذا عبيد الدرسي، ولد شارعي ومُسمى على والدي، أحمد عبد الكافي السمين، أعرف عائلته، وعباس العبار ولد خويا سعيد وإبراهيم الشيخي، وعبد المنعم قرقوم ولد سي عمر، قيّم سوق الذهب، بالتأكيد سوف أعمل وأنا مطمئن».

 والحقيقة أنه صار ضمن فريق همه توفير ما يصل إلى الميناء من مواد، خصوصًا الغذائية، للناس. ولكن من خلال المستندات والفواتير اكتشفنا هول الفساد، ولم يكن بمقدورنا أن نفعل شيئًا.

 في ذلك الوقت لم تكن هناك وسيلة للترفيه سوى أشرطة الفيديو، فالتلفزيون الليبي كان كارثة بكل المقاييس. وكان لي معارف وأصدقاء متزوجون بسيدات أوروبيات، يتحصلون على أشرطة لأفلام أجنبية حديثة، ولم يبخلوا عليّ بها. ذات يوم شاهدت شريطًا كرتونيًّا يحكي قصة «مزرعة الحيوانات» التي أُخذت من رواية «جورج أورويل» الشهيرة، فأعرته له. في اليوم التالي وجدته كعادته قد وصل قبلي، وما أن رآني، حتى نهض وسلم لي الشريط واستحلفني ألا أقول لأحد أنه شاهد الشريط : «واو يا خويا بالله ما يحكي إلا علينا.. تصور أنني لم أستطع النوم، ولو كنت تسكن قريبًا مني لجئت إليك البارحة به. تصور ما قد يحدث لو وجدته الحكومة في بيتي؟!». العفو والمغفرة للحاج عبد الله عبيد عبد الصمد، الذي انتقاه الله سنة 1988، أثناء رحلة عمرة، رفقة عوض عبد الوكيل البيجو، ليدفن بالبقيع خلف قبر الصحابي الجليل عثمان بن عفان .

الحاج عبدالله اعبيد عبد الصمد
الثاني من اليسار الدكتور جمعه اعتيقه ويليه الاستاذ سالم بوعود
الحاجوقويدر والحاج مصطفى امنينه
الشاعر عبد الرحمن بونخيله
من اليمين المربي والشاعر الاستاذ الشريف الماقني والموسيقار مصطفى المستيري
الشهيد رشيد كعبار
الشهيد فرحات حلب
الوجيه مصطفى امنينه
صالح مختار الصابري ومحمد صالح الصابري واستاذي حبيب صالح الصابرؤي
عباس سعيد العبار
في منتصف الصورة صالح السنوسي لاعب فربق التحدي ورجل الجمرك العفيف الشريف
وقوفا من اليمين المبروك بوقعيقيص وعبد الله اللبار وعلى خلقي وجلوسا محمد على بوقعيقيص والحاج قويدر ومحمد على اعبيده
الاستاذ محمد رجب المقوب
وقوفا من اليمين مصطفى امنينه والشريف الماقني ومصطفى المستيري والجالس شاعر الوطن احمد رفيق المهدوي
عبدالله سعيد العبار ومحمد عقيلة العمامي والحاج سعيد عبداللطيف العبار
من اليمين محمد البعباع وعبدالواحد الغرياني