قهوة سي عقيلة الحلقة (44) -«خوصة» من الحج

      قال سي عقيلة: «عندما هممتُ بإعدام (السبسي) في الطفاية أمسكت (لبْنيه) يدي وقالت لي: «لا يا سي عقيلة. هذه طفاية عبد القادر؛ أهي طفايتك أنت». طائرة فيها أكثر من 500 كرسي، كل كرسي قدامه طفاية دخان. عمرك سمعت عجبه كيفها؟» ثم استطرد سي عقيلة: «قالت لي البنية اللي تقول غزيله، أكيد (قريتليه) طيارات ليبيا كلهن بالطفايات!» حكى الحاج عقيلة هذه «العجبة» لكل الضيوف الذين قدموا يهنئونه بعودته من الحج؛ حكاها لعبد السلام الفلاح وابنه عقيلة، ووحكاها لونيس قطيش وجمعه الرعيض، وسي خير الذي جاء رفقة ابنه يونس ، ورجب السمين، وبوسيف وصالح ومحمد الفقي، ومحمد المغبوب والحاج عوض شمام، ولكل مَن سأله عن مكة المكرمة وكأن مسألة الطفاية أهم اختراع في الطائرة، لا شأن له في معرفة كيفية إقلاعها أو هبوطها. فقط بدعة الطفاية التي أعجبته.

     في طفولتي لم تنقطع حكايات سي عقيلة، التي يصف لي من خلالها العالم ويحدثني عن مغامراته في روما والقاهرة وبلدان «القرنقا» - وهم لمن لا يعرف التسمية الليبية للفرق الأفريقية التي شاركت في الحرب العالمية الثانية - يحدثني عن تونس، وعن الحبيب بورقيبه، وحرب «الدزاير وجميله بوحريبه» وكيف هرّب إليهم مع رفاقه السلاح، والراحة التي نالوها في طريق عودتهم في مراكش!! وبعدما كبرت علمت أنه لم يرَ من العالم سوى بنغازي وقمينس ومكة. ولما واجهته بعدما صارت علاقتنا صداقة رجل لرجل، قال بجد: «يعني تريدني ألاّ أحكي مثلما يحكى الآباء الآخرين لأطفالهم. صحيح أنا لم أزر هذه البلدان ولكن أصحابي حكوا لي عنها وهم لا يكذبون».

    كانت أموري المادية تحسنت كثيرا مع بداية سنة 1974وذات يوم التقيت عبد القادر نبوس أحد أبناء منطقتنا وصاحب سي عقيلة يجهز مستندات وثيقة حج، فباركت له. عندها سألني لماذا لا تبعث سي عقيلة إلى الحج. أخبرته أنه لم يفاتحني أبدًا في موضوع الحج، واعترفت له أنه مشروع لم يخطر على بالي: «بالله يا قدوره اسأله أن كان يريد الذهاب بمقدوري أن أجهز له كل ما يحتاجه. في العشية جاءني عبد القادر في محل 21 للأحذية بميدان الجامعة . أخبرني أن سي عقيلة فرح كثيرا بموضوع الحج، وظل ساعة كاملة يدعوا لك بالخير. وذهب سي عقيلة مع قدوره نبوس إلى الحج، وبعدما عاد أصبح الحاج عقيلة. أمضى أياما يضيف محسنات لقصة الطفاية. وذات يوم مررت لأعطيه المبلغ الشهري المعتاد. قال لي: «خلاص احتفظ به أمانه، جمّعهُ لأعراس بقية البنات. لقد عرفت الأوقاف أنني (حاج) واختروني قيم الجامع!» . ثم علمت من محمد خليفه الترهوني أنه أخذه إلى مسئول يعرفه في مصلحة الأوقاف. وبعدما رحب به وطلب له القهوة، وتبادلا الطرائف، قال له سي عقيلة: «أنا حجيت السنة الماضية، وحافظ جزء عما، وأظن أنني قبل نهاية هذا العام سوف أفقد بصري، يعني جاهز لأكون فقي. عينوني في جامع سي محمد». فعينوه المؤذن الرسمي للجامع. من بعد شارع المسطاري انتقلت عائلتي إلى شارع شمسة، ثم شارع الرعيض، ومن هناك بدأت رحلة سي عقيلة اليومية إلى جامع نبوس وأستمر الحال أربعة أعوام، لم نعرف أنه فقد البصر تماما إلاّ بعد فترة ليست بالقصيرة. كان يقف أمام البيت حتى يتعرف على صوت من يحييه فيمسك بكتفه ويغمره بحكاياته حتى يصلا الجامع. بعدما أعترف لي بذلك وأكد لي أن ذلك لا يعيق مشاويره اليومية إلى الجامع، غير أن مشوار الفجر هو ما كان يقلقه. صرت أزوره في الأفجار لأنقله بسيارتي إلى الجامع، ولم يقلقني ذلك ابدا بل كنت استمتع كثيرا بحكاياته، وإن كانت تلك المشاوير تسببت في عدد من حوادث مرور صباحية بسيطة من تأثير السهر! كان سي عقيلة محور حكايات شياب الجامع، وشباب المنطقة. كانوا يحبونه ويستمتعون بحكاياته وخفة روحه ودمه. كانت النكتة عندما تفرض نفسها لا يحبسها أبد.

   ذات ليلة كان بجوار الجامع، حفلة «عراسه حمد الغرياني » من بينهم المرحوم صالح الفقي، الذي قال لي: «أنت تعلم أن الفجر هو خاتمه حفلات العراسة. ولكن غالبا ما يخطر على أحد أن يغني ما يخطر على باله ولكنه لا يستطيع أن يكمل الأغنية لأسباب لا تغيب عليك. ظهرت أغنية في ذلك الوقت من بين كلماتها: «وين الجماعة يا غالي». كان البعض يدندن بأغنية ولكن لا يكملها. عندما صعد سي عقيلة إلى الميكرفون. رفع الآذان، واستطرد صالح: «كنا ندندن بتقطع فصمتنا، أكمل الأذان. صمت برهة ثم نقر الميكروفون وشرع يغني: «وين الجماعة يا صلوحه ..ساعه بساعه يا صلوحه، قولي وين راحوا يا صالح؟» فخرجت له: «يا سي عقيلة الميكروفون» أجابني أنا أذنت لكنهم ما زالوا نيام، فقلت أغنى لكم أنتم يمكن توبوا وتلتحقوا بالصلاة».

  خلال شهر رمضان نجتمع جميعا للإفطار في بيته، واخترنا يوما نفطر شقتي . اخذت الاسرة من الصباح، واتفقت أن اخذه من الجامع، قبيل المغرب بحوالي نصف ساعة اركنت سيارتي، واخبرته أنني هناك انتظره بعد أن ينتهي من الآذان. وما أن وصلتُ السيارة حتى سمعته يؤذن، فعدت اليه والناس مشرئبه نحوه: «يا سي عقيلة ما زال على المغرب نصف ساعة!» أجابهم: «لا أحد منكم ينتظر في أذاني أنكم تفطرون على آذان الراديو. انتظروه، أنا أذنت وماشي مع أبني، أما أنتم فانتظروا راديو طرابلس!» نزل وهم يتندرون. التفتَ نحوهم وقال: «هيا تفضلوا معنا».

عندما كنت في لجنة قبول طلبة طرابلس لكلية الطب بنغازي. أتصل بي الدكتور رؤوف بن عامر عميد الكلية، وأخبرني انه اتفق مع أخي وأصهاري أن يسرعوا بنقل والدتي، التي كانت في غيبوبة، إلى القاهرة. أخبرني أنه جهز لها الإجراءات وسوف تنقل إلى مستشفى الجامعي - مستشفى قصر العيني - وهناك سيتولى أحد زملائه إجراء عملية عاجلة بالمعدة، وأكد لي أنها سليمه بأذن الله مشكلة هذه العملية هي العناية الفائقة لما بعد العملية. طرت من طرابلس إلى القاهرة واستقبلتها وأُجريت العملية وتعافت، وعدت بها بعد حوالي أربعون يوما. ما زلت أذكر جيدًا لهفة سي عقيلة وهو خلف باب البيت وراء شقيقاتي وهن يتناوبن على عناق وتقبيل والدتي . ثم حان دوره طوقها بذراعيه وقال لها: «عدتي من بعيد، الحمد لله، الآن تأكدت أنني سأرحل قبلك، ربي يعرف أني لا أقدر على الحياة من دونك» طوقتُ كتفه، وكنا خلفهم جميعا التفت نحوي وقال عبر دموعه: «ما فكرت أن قلبي رهيف، يا «كازي» تاريتني غاوي فيها».

رحم الله سي عقيلة، كنت في سويسرا عندما هاتفني الدكتور رؤوف بن عامر وأخبرني برحيله يوم 25/3/1977 بعد أن مرض أخذه بعد ثلاثة أيام. عندما وصلت شارع الرعيض كانوا قد عادوا لتوهم من المقبرة. اقترب مني صهري خليفه العمامي واعطاني «خوصة » يعني دبلة، كان سي عقيلة قد احضرها من مكة وظلت في اصبعه بقية عمره. وقال خليفه لي: «إنه راضٍ عنك تمامًا، وقال لك لا تنسَ الأمانة المتفقين عليها وإن احتجت: بع «الخوصة» وما يفيض من ثمنها تصدق به على الفقراء! يرحمه الله كان يعلم بالتأكيد أنها ماشية ببركة «الخوصة» الذي جاء بها من مكة.

الحاج عوض شمام
من اليمين عبد العالي العقيلي ومحمد الضراطوحليم مفراكسواحمد القلال وسالم الشريف واحمد المرتضي ومحمود الكيخيا
محمد احمد العبارة
الحاج رجب السمين
محمد جبر المغبوب
حمد عثمان العمامي
صالح الفقي
أحمد المرتضي
الحاجة وافيه محمد دقيق العمامي زوجة سي عقيلة
احمد المرتضي و محمد ابراهيم السوسي
سى عقيلة ومختار بزيو
عبدالرازق العقوري ومحمد بازمه وحمد الغرياني
محمد عقيلة العمامي ووالدته الحاجه وافيه في القاهرة سنة 1973
خليفه عثمان العمامي وليث بن سعود وحسن طلوبه
الحاج عمر دقيق والحاج عثمان العمامي
محمد خليف الجزار وبقوفا من اليسار وبقية رجال شارع سنيدل
ابراهيم عقيلة العمامي
جمعه الرعيض وونيس قطيش
الاول من اليمين يونس خير
عبد القادر عقيله العمامي وابوسيف الفقي
عقيله الفلاح