دور العرض السينمائي في بنغازي.. مشاهد من «فيلم حزين»

لم يكن لأحد أن يتخيل أنه في منطقة الوحيشي أوالمحيشي كانت توجد سينما (الفردوس) في فترة الثمانينات، وهي التي أمدت شباب تلك الحقبة بالكثير من العادات والإطلالات المأخوذة من عالم الموضة وما يعرض في الأفلام، لهذا يمكن القول أن السينما غيرت حياتهم، لكن بعد تأميم دور العرض في بنغازي خبت شعلة هذه السينما وغيرها، وتحولت إلى صالة أفراح.

وفي تلك الحقبة، كانت في بنغازي وحدها عشرين دارعرض أوما يزيد، ولكن لم يتبق منها إلا الأماكن، وأخرى لم يتبق منها حتى الأطلال، حيث أزيلت تمامًا وأقيم مكانها مبانٍ أخرى، أو تُركت أرضًا فضاء، وعن تلك الأماكن وتلك الذكريات يتحدث عدد من المهتمين والمختصين، ومنهم فتحي البرقاوي أحد أكثر المهتمين بتاريخ بنغازي القديمة.

● ما هي أهم دور العرض التي كانت موجودة في بنغازي؟
بنغازي منذ القدم هي عاصمة الثقافة والفن والأدب والشعر، فكان يوجد بها أكثر من عشرين دارعرض، وبدأت دور العرض في فترة الخمسينات وكانت عبارة عن ما يعرف بسينما الشوارع، حيث يختار مبنى كبير لعرض الأفلام الوثائقية عليه، أوأفلام تشارلي شبلن آنذاك وكانت الناس تأتي إلى هذه السينما مجانًا.

و في أواخر الخمسينات بدأت دور العرض في الانتشار حيث تم افتتاح سينما البركة ولم تكن مصممة كدارعرض، وإنما كانت عبارة عن قاعة تابعة للألعاب الأولمبية وكانت تقام فيها الحفلات الموسيقية، وتخصصت هذه السينما في عرض الأفلام الإنجليزية.

و في ذات الفترة تم افتتاح سينما الريكس، وهي دار عرض المجاهد الآن وكانت هذه السينما منظمة جدًا، وتوجد بها ثلاثة عروض للأفلام الأمريكية، ويتم الحجز مقدمًا، و كان يمنع فيها دخول صغار السن.

كما تم أيضًا افتتاح سينما البرنيتشي وهي حاليًا دار عرض بنغازي، وكان تصميم هذه السينما مميزًا جدًا حيث صممت كدار للأوبرا، و توجد بها ثلاثة أدوار للمشاهدة، وكانت هذه الدور مخصصة للأجانب، وأسعارها مرتفعة، فتم إنشاء سينما الهايتي في منطقة الفندق، وهي سينما شعبية وتعرض فيها الأفلام التي يتم عرضها في دور العرض السابقة بفترة. أيضًا هناك سينما النهضة مكانها في الشارع المقابل للمسرح الشعبي، وهي سينما صيفية مفتوحة وتغطى في الشتاء أحيانًا، ثم أنشأت سينما الاستقلال في منطقة الفندق، وسينما 9 أغسطس في ميدان البلدية، وكانت هذه السينما سينما مفتوحة، ولا توجد بها كراسي وكانت الناس إما أن تقف أوتحضر معها شيء تجلس عليه، وكانت تعرض الأفلام الأمريكية والمصرية وفيما بعد الأفلام الهندية. أما في فترة الستينات فبدأت بافتتاح سينما الوحدة بمنطقة البركة وسينما الشرق بمنطقة الصابري، وسينما النصر بجانب الفندق أيضًا، كذلك تم افتتاح سينما ليبيا بمنطقة سيدي حسين.

وفي بداية السبعينات افتتحت دار عرض أول سبتمبر بمنطقة البركة، وتغير اسمها ليصبح فيما بعد دار عرض الهلال، وسينما المدينة بميدان الشجرة وكانت تعرض الأفلام الأمريكية الحديثة جدًا، أيضًا سينما الزهراء بمنطقة البركة وسينما الحمراء في شارع بيروت، وسينما الأوطان بمنطقة السلماني. ومع نهاية السبعينيات توقف إنشاء دور العرض وبدأت تتلاشى قيمتها لدى الناس خاصة بعد إنشاء الشركة العامة للخيالة، وظهور التلفزيون.

● بماذا تميزت كل مرحلة في عمر السينما في المدينة؟
فترة الخمسينات تميزت بعرض الأفلام الأمريكية والإنجليزية ثم انتقلت فترة الستينات إلى عرض الأفلام المصرية إلى جانب الإيطالية، وبعد ذلك بدأت تدخل إلى السينما الأفلام المصرية والهندية.

● وكيف كانت تجلب هذه الأفلام.. وهل كان للدولة سيطرة أورقابة؟
الأفلام كان يجلبها وكلاء تخصصوا في هذا الجانب، فكل منهم متخصص في جلب الأفلام من دولة ما بالاتفاق مع الوكلاء في تلك الدول، طبعًا كانت هذه الدور تتبع للدولة، لكن برخص خاصة وكان من أشهر أصحاب الوكالات في بنغازي عائلة الزني والجاعوني والطابوني.

● كيف أثرت السينما في معاصريها؟
أثرت فينا السينما كثيرًا خاصة في تشكيل وعينا السياسي والفكري وتطوير ذائقتنا الفنية، فكان لها دور كبير في ذلك خاصة مع عدم وجود التلفزيون في فترة معينة وانتشاره بشكل محدود في فترة لاحقة.

● برأيك ما هي الأسباب التي أدت إلى اندثار السينما في بنغازي؟
السبب الأول هو ظهور التلفزيون وانتشاره فبدأ الناس يتجهون إليه عوضًا على السينما، ثانيًا وهذا أهم بعد فترة من قيام الانقلاب العسكري عام 1969 بدأت الدولة آنذاك تتجه إلى تأميم كل شي، ومنها دور العرض وألغيت الوكالة من أصحابها وسلمت للدولة، ومن ثم إنشاء الشركة العامة للخيالة واستلامها لمهام الاستيراد والعرض، وبدأت الدولة تحضر الأفلام الهابطة التي انتشرت في تلك الفترة، مع عدم الاهتمام بالصيانة والدعاية.. يعني كانت السينما ضمن حلقات الهدم لكل مقومات الدولة، ومع حلول منتصف الثمانينات كانت السينما تلاشت في بنغازي.

وعن دور المؤسسة العامة للخيالة التقينا عصام طرخان أستاذ السينما بجامعة بنغازي، والذي تولى في فترة سابقة إدارة فرع بنغازي للمؤسسة، فقال: «في العام 1979 حين صدر قرار الزحف على القطاع الخاص وتجريده من إمكانياته، زحف أيضًا على دور العرض في بنغازي، و في عام 1981 م إنشئت المؤسسة العامة للخيالة، وعملت المؤسسة على شقين هما الإنتاج للسينما، وتشغيل دور العرض فأصبح هذا عبئًا ثقيلًا عليها، و تولت بدلًا من التفرغ للإنتاج السينمائي، الاهتمام بمشاكل العاملين بها، وصيانة الأجهزة والمباني والآلات ورفعت على الشركة قضايا في المحاكم من قبل أصحابها الأصليين الذين كانوا يحرصون كل الحرص على نجاح هذه الدور، ومع هذه المشاكل التي أثقلت المؤسسة بدأ الاهتمام بدور العرض يخف إذ أن الدولة لم تخصص ميزانية لها من أجل حل هذه المشاكل، وبالتالي بدأت تختفي دور العرض من بنغازي، بعد سحب الرخص من أصحابها، حيث أصبحت الدولة مسؤولة عن الاستيراد كان كل شي يتم عن طريق طرابلس، وكانت تستورد بصفة شهرية بعض الأفلام الأجنبية، ومن ثم توزعها على باقي المدن الليبية بما فيها بنغازي».

● برأيك ما هي أهم الأسباب التي جعلت من دور العرض في بنغازي تختفي؟
أولا ظهور الفيديو والتلفزيون، ثانيًا أخذ الوكالة من أصحابها فيما يسمى بتأميمها، وتسليمها للمؤسسة العامة للخيالة التي عجزت عن استيعاب المشاكل، والأضرار التي لحقت بتلك الدور، أيضًا زحف ما يسمى بالمؤتمرات الشعبية واللجان الثورية على دور العرض بحجة أنه سيتم تحويلها لقاعة مؤتمرات، أو لغرض مناقشة القضايا التي تهم البلاد، وبعد فترة يتم استغلالها لصالح شخص ما وأذكر أن سينما الهايتي بمنطقة الفندق تم تحويلها إلى مكان لوضع المواشي فيها ما يسمى بالزريبة.

● هل حاولتم إعادة إحياء هذه الدور في فترة توليكم لمهمة إدارة الفرع في بنغازي ..؟
قمنا بعدة محاولات و لكنها فشلت لأنه عند إنشاء المؤسسة حددت معها المدة التي تعمل بها، وبالتالي لديها فترة صلاحية معينة ومع حل الشركة ضاعت كل الآمال بإعادة افتتاح هذه الدور.

● هل هناك أمل بعودة افتتاح دور عرض في بنغازي بعد ثورة 17 فبراير ..؟
قمنا بمحاولة مع وزارة الثقافة ومكتب بنغازي خاصة، وكونا لجنة للإنتاج السينمائي تابعة لبنغازي عاصمة ثقافية، ونحتاج إلى دور لعرض هذه الأفلام.. نعم سينما الفيل بالقرية السياحية تستقبل مثل هذه العروض لكنها خاصة، ونحن نحتاج إلى دار عرض تتبع الدولة لذلك خاطبنا وزارة الثقافة لأجل صيانة دار عرض بنغازي و ما زلنا ننتظر الرد.

وعما تقوم به وزارة الثقافة ممثلة في مكتبها في بنغازي من صيانة وإعادة افتتاح بعض دور العرض في بنغازي يقول محمد المسلاتي: «هناك مخطط قام به مكتب الثقافة في بنغازي من أجل إعادة صيانة وترميم وافتتاح دور العرض الموجودة في بنغازي غير أن استيلاء بعض الناس على بعض هذه الدور، ومطالبة أصحابها الأصليين بها منعت المكتب من البدء في تنفيذ هذا المخطط ونحن مازلنا نسعى من أجل حصول ذلك وإعادة إحياء دور العرض في بنغازي، وهناك خطة أكبر للوزارة من أجل بناء دور عرض جديدة».

بعد عملية الكرامة ضد الجماعات الإرهابية في بنغازي اختفت كثير من دور العرض، التي كان يأمل الجميع في إعادة ترميمها وبنائها من جديد، وبالمقابل أعيد إنشاء المؤسسة العامة للمسرح والسينما ببنغازي، ولمعرفة دورها في إعادة إحياء دور العرض ببنغازي، تحدث الفنان ناصر الأوجلي المدير الإداري بالمؤسسة قائلًا: «المؤسسة لازالت في طور تنظيم اجراءاتها الإدارية وتنظيم لائحة عملها، وبذلك كونت لجان للقيام بهذه المهام، ولم نباشر فعليًا في العمل، وعندما نكون جاهزين سوف نقوم بدعوتك لإجراء حوار كامل عن آلية عمل المؤسسة فيما بعد».

ووسط الدمار وتلاشي دورالعرض خرجت منظمة تاناروت للفن والثقافة بفكرة رائدة لإحياء السينما بطريقة ما وهو عرضها لفيلم أسبوعي بمقرها ثم تجري حلقة نقاش حوله من قبل منتسبي المنظمة.