قهوة سي عقيلة الحلقة (43) «سنوات الزحف»

   الذكريات مصدر للتاريخ، وهي تفرض نفسها دون أي تدخل من صاحبها. أشياء قد تسقط من الذاكرة، وقد يعاد بناؤها، أو تعدَّل من بعد أن ننتبه لرؤيتنا الخاطئة لها، وما ترتب عليها من تشوهات نفسية في حق أنفسنا وحق رفاقنا. وكيفما يتم الأمر هي ما تُشكل جوهر السير الذاتية، وبالتالي تاريخ المكان والناس.

     كان لتجاربي، رفقة عدد لا يحصى من معارفي، طعم وشكل ولون يختلف بحسب طباعهم وتطلعاتهم وشخصياتهم، معظمهم كانوا وما زالوا أصدقائي ولا يمنعني من الحديث بالتفصيل سوى أن بعضًا منهم أمسوا محافظين جدًّا، ولا يرغبون في استرجاع ضياعهم في تلك الأيام، والعجيب أنني التقى عددًا منهم في المساجد خصوصًا أيام الجمع، وكل ما يفعلونه المصافحة والمجاملة والهروب السريع، وأنا أعرف أنهم يثابرون على نسيان تلك الأيام وكأنهم لا يعلمون أن مالك الملك يعلم ماذا حدث؟ وأنهم لم «يقطعوا رؤوس الحجاج» ولا بغوا أو ظلموا، ولكنهم لا يعلمون أن التائب من الذنب لا ذنب له، خصوصًا أن ما قمنا به لم يؤذِ أحدًا فلا سرقنا ولا ابتلينا وتسببنا في إيذاء أحد. كلها كانت مغامرات شبابية لم تتعدَ حدود طيش الشباب.

      لم تنقطع صلتي بالجيدين الشرفاء الوطنيين الصادقين مع أنفسهم، والعجيب أنني لم أقطع صلتي إلا بأولئك الذين اكتشفت في مراحل متقدمة جدًّا، أنهم بالفعل بائسون في سلوكهم، وفي ذممهم وادعائهم بالمثالية، وهم يعرفون جيدًا، أنني أعرف خباياهم ورداءة أخلاقهم، بعضهم لصوص، وبعضهم مدّعون بالتقوى وتلك الأدعية المتزلفة الكاذبة.

     والغريب أنني تعرفت على كثيرين ممن كانوا على النقيض من هؤلاء المدعّين المرتشين، لا علاقة لهم لا بالتقوى الكاذبة. كان منهم العابثون، ومنهم المقامرون، ومنهم مَن لم يترك معاقرة الخمر حتى الآن، ومع ذلك كلما حدث سوء لمَن لا يستحقه، أو للوطن أو لمحتاج أجدهم سابقين، يقومون بالواجب بصمت، من دون ادعاء، وكلما اكتشفت خارقه أجد أصابع بعض هؤلاء المدعين بالتقوى.

     أنا، في الواقع لا أريد أن ألبس ثوب التقوى والكمال، ولكنني بشر كانت لي أخطاء ولكنها لم تؤذِ أحدًا سوى نفسي. كثيرون هم الذين تعاملت معهم واكتشفت أنهم لا ذمة ولا أخلاق لهم، مرتشون مزورون، ومع ذلك لا يغيبون عن صلاة الجمعة، ولا تفارق أيديهم «السبحة». عدد منهم كان له تواجد في حياتي ولكنني لا أود ذكره في هذه السيرة التي هي بالنسبة لي كشهادة لا أنوي أن أخفي منها شيئًا، ولذلك عدم ذكرهم هو بالتأكيد لصالحهم.

     لعل من أروع من استفدته من تربية سي عقيلة، ورفاق قهوته في تلك المرحلة، ومن المجموعات الأخرى التي عرفتها بعيدًا عن القهوة، ثم صاروا جزءًا منا، من بعد أن توثقت علاقاتهم بقهوة سي عقيلة من بعد زيارة أو اثنتين، واختلطوا بنا وكأنهم شبوا معنا، مما يجعلني أعزز ذلك إلى نقائهم ونقائنا نحن الذين تربينا في قهوة سي عقيلة. كان محمد النيهوم، على سبيل المثال، يأتي يوميًّا من شارع سي عبد الجليل، رفقة «البلبول»، وعمر الأثرم، وعوض الهوني، وأرحيمة القاضي، ومحمد الخرم، وعبد السلام الفزاني، وعوض شمسة من شارع البعجة، صالح بودجاجة من طريق المطار، أما محمد محمود زيو، وعبد القادر البعباع فمن شوارعنا. دميعهم وآخرين كانوا رفاق محمد عوض شمام من الثانوية، حتى أتموا الدراسة الجامعية، ومنهم مَن غادر للدراسة خارج الوطن. رفاق محمود أيضًا، ثم رفاقي أنا.

     جميعهم أحسوا بدفء قهوة سي عقيلة ونقاء رفاقهم وأصدقائهم، فتوثقت صداقتهم. وكنت وما زلت وسأظل على الدوام معتزًّا بهم وبتجربتي الكاملة المشتركة معهم جميعًا. لقد أبدع سي عقيلة بفطرة نقية أن يدعم هذه العلاقات النقية، وينبهنا بكلمة، بحكمة، بقصة عمن ليسوا من طينتنا.

     لم يغب أحد منهم عن عزاء سي عقيلة، ظللت أيام عزائه كلما التفت من منتصف شارع الرعيض نحو مدخل الشارع من عمرو بن العاص، أرى وجوهًا جاءت من بعيد للتعزية، من مدن كثيرة، كانوا طلابًا في جامعة بنغازي.

     ومن بعد رحيله بسنين التقيت وجوهًا لم أرها سنوات طويلة في عزاء المرحوم عوض شمام، قابلت كل الوجوه التي تعرفت عليها بقهوة سي عقيلة، وما سألت عن أحد لم أره إلاّ وعرفت أنه رحل عنا.

لقد تربيت بفطرة سي عقيلة فجعلني وهو على قيد الحياة «رب الأسرة»، وسوف ترد لاحقًا أمثلة كثيرة. لقد جعلني أجيد      انتقاء الأصدقاء وفوق ذلك جعلني أعتذر إن أخطأت وأعود سريعًا ما أن أحس أنني جنحت قليلاً.

      في منتصف الستينات الماضية، بدأت مظاهر الرخاء تظهر بوضوح في بنغازي، في الملبس والمأكل. وكبرت شقيقاتي، ولم يعد يرضيهن ما اعتدنا عليه، فرفيقاتهن تغير ملبسهن ومظهرهن، وكان من الطبيعي أن يتطلعن لمجاراتهن. بحثتُ عن عمل إضافي، وتوسط لي أحد أصدقاء سي عقيلة للعمل من بعد الظهر طبَّاعًا في شركة «السيل» الليبية في الفترة المسائية، فكان الرفاق يغطون ساعة أغادر فيها قبل نهاية الدوام وكان عمر بن حميد يتكفل التوقيع نيابة عني، وكان المرحوم محمد إستيتة، يغض النظر عن مغادرتي المبكرة، لألحق بحافلة «السيل» التي تقلني إلى مشارف بنغازي، وما أن عرف الإيطالي مدير الشركة، الذي ترجم له سي سعيد جربوع والد أخينا بشير ظروفي، وأنني طالب بالمدرسة المسائية، حتى سمح لي بالمغادرة قبل الموعد المتفق عليه، بل وحتى قبل ذلك إن كنت قد أنجزت ما هو مطلوب مني.

     وتولى الرفاق، سي محمد الترهوني، موسي التاورغي، عوض عبد الحفيظ شمسة، محمد شمام، محمد محمود زيو، إدارة المقهى في فترة من بعد الظهر، بل وحتى المساء.

     صحة سي عقيلة لم تعد كما كانت، ورواد المقهى اقتصروا على طلبة السنوات الثانوية، من رفاق محمد ومحمود شمام، ثم من رفاقي الذين لحقوا بهم. ومما ساعد كثيرًا أن دفء وترحيب شباب شوارع نبوس واسنيدل وشمسه، كانوا أيضًا من رواد المقهى، الذي أصبح وكأنه نادٍ لهم.

     مظاهر الطفرة والرفاهية ظهرت في البلاد وتغير الحال، ولم يعد سي عقيلة قادرًا على العمل وأصبحت في سن مبكرة، مسؤولاً عن أسرتي المكونة: من السبعيني سي عقيلة، والستينية الحاجة وافية، والتسعينية جدتي الحاجة عيشة، التي لم يشم طليقها «عقوصها»، ناهيك عن أربع شقيقات وشقيقين، وسكن بالإيجار. حينها انتبهت أن أمري ليس بمزحة، أو أزمة موقته، وكان سي عقيلة يتطلع أن أصبح «باشكاتب». كان لابد لي أن أخرج من دائرة الفقر، ومرتب الأشغال الذي بلغ 38 جنيهًا، مع العمل الإضافي، لن يخرجني من هذه الدائرة المقيتة.

      لم تعد معايير قهوة سي عقيلة وسيلة المرء في انتقاء أصدقائه، بمعنى أن الأسباب التي تأسس عليها الود بين رفاق تلك المرحلة هي نفسها التي يحتاجها المرء لتأسيس صداقات ومعارف. الثقافة اختلفت تمامًا منذ بدء الطفرة الاقتصادية - المجنونة - بدأت، في الواقع منذ سنة، 1973 من بعد تأميم البنوك الأجنبية، فوصول الحذاق إلى المدراء، ثم تأممت شركات التأمين، وشركات السيارات والمعدات الثقيلة. سنة 1975 تأممت شركات كانت تستورد السيارات وقطع غيارها. وفي سنة 1978 بدأ الزحف الذي شمل كل النشاط التجاري بما في ذلك محلات بيع الخضار، والأسماك. في هذه السنة تحديدًا لم يخطر على بالنا أبدًا أن التأميم سوف يشمل المصانع، التي كان منها ما بدأ يصدِّر إنتاجه إلى الخارج.

     ولكن أخطئ تمامًا إن لم أقل إن صداقات متينة تأسست لي منذ تلك الفترة ومازالت متواصلة، وإن سقطت بعض النماذج، ولكن حساب الأرباح والخسائر يظل في صالحي.

     حادثة مهمة حدثت سنة 1976م هي بمثابة شهادة في حق شخصية ليبية، تولاها الله بواسع رحمته،. كان الناس الذين تأثروا من القرارات الاقتصادية كمصادرة أملاكهم وبيوتهم التي صارت لساكنيها  وأراضيهم التي لم تعد ملكًا لأحد. كانوا يبحثون عن مشاريع يتعيشون منها. كان محمد عبارة يملك مصنعًا لنسيح الأردية الليبية، فاقترح أن نؤسس شركة مساهمة لصناعة السجاد، وبسبب خبرته، تشجع الكثيرون من أصحاب رؤوس الأموال، بل كان لنا معارف زعلوا لأننا لم ندعوهم للمشاركة.

    كان المؤسسون هم، محمد إبراهيم السوسي ومحمد أحمد العبارة والعبد لله. وذهبنا إلى بلجيكا، وقابلنا شركة متخصصة وعرضنا مشروعنا وطلبنا ما نريد. أفادونا بأنهم يحتاجون لبضعة أيام للرد علينا. بعد أربعة أيام اتصلوا ليخبرونا أن المشروع جاهز. وكانت المفاجأة، أنهم قدموا لنا عرضًا متكاملاً مع تسهيلات في الدفع وتمويل وإشراف متواصل، بل وعرضوا مشاركة. اكتشفنا فيما بعد أن ملحقهم التجاري كتب تقريرًا مفصلاً عنا استقاه من مدراء المصارف، خلاصته أن المؤسسين هم رأسمالي معروف جدًّا في ليبيا، وذو سمعة حسنة، طبعًا كانوا يقصدون محمد السوسي، ومهندس صناعي متخصص اشتهر خلال سنوات وجيزة بإتقان مهنته، والثالث شاب نشط وإداري جيد وكفء.

     كانت هذه عناصر أي مشروع في سوق واعدة. قال لنا المهندس البلجيكي: "سوقكم ليست ليبيا فقط بل أفريقيا أيضًا، وإننا على يقين أن 18% من سوق مصر كفيلة بنجاح مشروعكم".

     عدنا إلى ليبيا وبدأنا في تجهيز المستندات، في حالة من ترحيب كبير من المسؤولين كافة. في طرابلس اتصل بمحمد السوسي الأستاد أحمد المرتضي كان حينها وكيل وزارة الصناعة والتقاه، ونصحه بإيقاف المشروع لأن الأيام المقبلة سوف تؤمم المصانع كلها، لولاه لتورط كل الأصدقاء الذين تزاحموا على المشاركة في المشروع. وفيما بعد عرفنا أنه أنقذ الكثيرين وأنهم أخذوا حذرهم وبالفعل سنة 1978 تم الزحف على المشاريع كافة.

      غير كثيرين انتبهوا أنها فرصتهم للهجرة بأموالهم، فضاعفوا قيم توريداتهم ثم لحقوا بأموالهم. أما مَن بقوا فلم يطل الوقت حتى وجدوا أن ما كانوا يقومون به علنًا وبترخيص أصبحوا يقومون به سرًّا ودون ترخيص، وبمداخيل أكثر. الأمر لم يعد يحتاج أكثرمن معرفتك الوثيقة بمَن يوقع عقود الاستيراد ومصدر ذي ثقة يحفظ لك نصيبك ونصيب موقع أمر التوريد!

 

محمد خليفه الترهوني ومحمد عوض شمام
محمد أحمد العبارة
من اليمين عبدالعالي العقيلي ومحمد الضراط وحليم مفراكس واحمد القلال والاول من سالم الشويهدي أحمد المرتضي ومحمود رشيد الكيخيا
محمد ابراهيم السوسي
يونس البرناوي وحسين السلاك وصالح المطردي ومحمود شمام وعبدالمطلوب الريشي

المزيد من بوابة الوسط