قهوة سي عقيلة الحلقة (37) مقالة وسبسي من الفاخري

   تخرجت (71/72) بوقفة جادة من رفاق دفعتي، لقد ساعدوني بتوفير وشرح ما فاتني. المشكلة التي واجهتها لكانت لمادة مشروع  الابداع ( Creative Writing ) والتي ينبغي أن تتحدث عن اساسياته، ولم اعلم بها إلاّ متأخرا، وكاد أن يداهمني الوقت، فخطر لي ان اقدم قصة قصيرة تبرز اساسيات هذه المادة. وضحت فكرتي لأستاذ المادة، مبينا انني سوف استخدم ما استفدت من المادة من معلومات تطبق عمليا؛ فقبل الفكرة.

    كانت الورقة هي بمثابة امتحان المادة. واحترت، في القصة التي تفي بالغرض. خطرت علىّ مقالات الفاخري فاردت أن انتقى مما كتب وهو في بريطانيا، ولكنني فضلت نصا كنا نحن جيل تلك الفترة ماخوذين به وهو مقالة ( سنوات العمر الصدئة ) قترجمته وقدمته لاستاذ المادة ولم يمض أسبوع حتى علمت أنه يسأل عني فقابلته. قال لي ما معناه أن ورقتي عمل متكامل، وانها تؤكد أنني مشروع كاتب جيد، وعندها خشيت من هذا التميز لأن أحد سوف يخبره أنه ليس نصي،     فأعترفت له أنني ترجمت نصا لكاتب ليبي ولكنني لم ابتدعه. أجابني أنه سوف يعتبره ابداعا، لأنني أوصلت بؤس طفولتكم من خلال صور غاية في الدقة لثقافة تختلف تماما عن ثقافتكم، وبذلك تعد حالة ابداع. ثم سألني إن كان بمقدوره ان يتعرف على كاتب النص، فقدمت له الفاخري، فصار صديقا (لمستر اتكنس) حتى مغادرة ليبيا.

     كان محمود شمام قد تخرج قبلي وعين بالادارة العامة للجامعة الليبية، وكانت وظيفة مسجل كلية الطب شاغرة فرشحني إلى عميد الكلية الدكتور رؤوف بن عامر وزكاني الدكتور هادي بولقمة فعينت سريعا مسجلا لكلية الطب.

     لم أكن أعرف الدكتور رؤوف معرفة شخصية ولكنني أعرف أنه من شخصيات بنغازي المرموقة، وكنت أعتقد أنه أول طبيب ليبي ولكنه صحح لي هذه المعلومة موكدا أن أول طبيب ليبي اسمه محمد حسن الفيتوري وهو من مدينة زليتن، وانه تيتم مبكرا واتم دراسته الابتدائية في طرابلس، ولنباهته وذكائه وتفوقه اوفدته السلطات العثمانية للدراسة مع أبناء الضباط في تركيا حتى تخرج في جامعة إسطنبول في 13/8/1906 ومنها اُوفد لدراسة الجراحة بفرنسا. وبعد عودته الى ليبيا اصّر على العمل في بنغازي حتى توفى فيها ودُفن في مقبرة سيدي عبيد يوم 5/8/ 1941.

     هكذا كان الدكتور رؤوف يعاملني وكأنني طالب ولم يبخل علىّ بأية معلومة خاصة إن كانت تخص بنغازي. عندما قابلته من بعد تعييني، تحدث طويلا عما يريده لهذه الكلية الوليدة، ولعل ما اسهب في توضيحه لي، لخصه بقوله : " أريد لبنغازي كلية طب متميزة، فلا تبخل على مدينتك بجهدك. وأعلم أن بنغازي بالنسبة لي هي صرة العالم".

     ولكن بسبب قلة خبرتي وتسرعي، بل وغروري، خصوصا من بعد أن علمت أنني مُرشح ضمن موفدين للدراسة بأمريكا، خيل لي أني متميز ولا أريد ان أكون مجرد صبي للدكتور، فكان احساسي ذاك سببا في قصر فترة عملي معه، فلقد تخللتها بضعة مصادمات، بسبب غبائي فقد كنت أرى نفسي أكبر من وظيفتي، كان لقب أستاذ الذي الصقه الطلبة باسمي، وفرصة الدراسة بالخارج على حساب الجامعة جعلتني اتصرف وكأنني عُدت بدكتوراه لم ينلها أحد، ولكن صدامي مع الدكتور رؤوف وسوء فهم وصل مداه فتركت الكلية، وأيضا مشروع الدراسة في الخارج. فماذا حدث؟

    عندما باشرت وظيفتي كان الاستعداد جاريا بهمّة لافتتاح الكلية بدفعة عددها 48 طالبا كان يفترض أن يوفدوا للدراسة في اوروبا بسبب تفوقهم، والحقيقة أنهم كانوا بالفعل متفوقين، فلقد عاصرتهم على مرحلتين كانوا خلالها لا يتنافسون على النجاح فقط وإنما على التفوق، وإن كانت عقبات كثيرة صادفت سنوات دراستهم. لعل ابرزها اخضاع إدارة الجامعة لسلطة الطلاب، ببدء تطبيق نظام اللجان الثورة فصال وجال الكثير من أعضاء اللجان الثورية، حتى وصل تمثيلهم في مجلس الجامعة ومجالس الكليات بل ووصل أحدهم وهو احمد إبراهيم إلى وزارة التعليم فكانت مصيبة إلغاء اللغات الأجنبية من مراحل الدراسات الإعدادية، وتحجيم الثقافة في فكر واحد، وقفل النوافد المطلة على ثقافات  العالم كافة. وعلى الرغم من ذلك ظل طلبة الطب متميزين للغاية، واذكر أن الأستاذ الدكتور حسن حمدي، الذي صار رئيسا لجامعة القاهرة قال لي أنه بطول خبرته الطويلة في التدريس الجامعي لم ير في حياته طلبة بهذه الرغبة وهذا المستوى، اذكر من هذه الدفعة الدكاترة : عبد الله قليصه ، عبد العزيز شمبش ، احمد سوالم ، عمران الفيتوري ، محمد ساسي يونس ، عثمان بشير الهوني.. فوزي بركه رمضان .. فوزي بن عمران، معافه، أحتيوش، بوسريول، ولحق بهم محمود محمد العمامي بعد ان ترك جامعة القاهرة، وكثيرين لم تسعفني الذاكرة بأسمائهم. وكان من بينهم أيضا المبروك امسلم ومصطفي الزائدي وكانا من البداية من المقتنعين تماما بالقذافي ونظامه. لا اعلم ماذا حدث للمبروك امسلم؟ ولكن مصطفى الزائدي ظل حتى سقوط نظام القذافي دعامة من دعائمه، بل ومازال حتى الآن.

    كنت متحمسا لعملي فارتبطت بصدقات متينة مع الطلبة فلقد كانت اعمارنا متقاربة، ولأنني حديث التخرج صار التواصل بيني وبينهم سلسا، في تلك الأثناء كان مشروع الاتحاد الاشتراكي يأخذ مكانته كحزب سيحكم البلاد، وكان الزائدي ومسلّم يريدان تخصيص جزءا لمكتب الاتحاد في مبني كلية الطب التي كانت إدارتها بمبني مستشفى الادفنتست، في اول شارع جمال عبد الناصر، بالقرب من مبني الديوان الملكي، حيث تقاطع شارع جمال عبد الناصر مع شارع الجزائر.

     لقد اخبرني الدكتور رؤوف منزعجا بتعليمات رئيس الجامعة الدكتور عمر التومي الشيباني بتخصيص مقرا للاتحاد بمبني ادارة الكلية، والحقيقة أنه لم يكن راض عن ذاك، فأخبرته أن يعتذر بحجه عدم وجود غرف تزيد عن حاجتنا .. وظل مهموما طوال اليوم ولا أدري كيف زلق لساني وقلت له: "واضح أنك خائف منهم .. دع الأمر وسوف اعالجه " عندها انفجر غاضبا: " أنا لا أخاف إلاّ من خالقي، انتبه لا تتجاوز حدودك " وشيئا فشيئا تطور الجدل إلى عراك، حتى أنني صفقت الباب وخرجت، وغادرت الكلية. ولكن جدت فيما بعد أحداثا جعلت منا أصدقاء حتى رحيله.

   في اليوم التالي، والثالث، ولأسبوع كامل لم تصلني مراسلة واحدة، وأعمال الكلية سائرة، وأنا الذي كنت أظن أنني لو غبت عن الكلية يوما واحدا لوقف حالها. ذهبت إلى الأمين الإداري مستفسرا ليخبرني انها تعليمات العميد: البريد كله يحال إليه! وهكذا ظللت بالكلية وكأنني قطعة من أثاثها، فدخلت عليه وأخبرته منفعلا أنه لا يشرفني أن اعمل معه وغادرت الكلية! كان ذلك في مطلع سنة 1973 .

لا أذكر سبب سفري إلى القاهرة بعد تركي العمل بكلية الطب، ولكن ما أن عدت حتى التقط رجال الأمن جواز سفري وطلبوا مني، بهدوء، مرافقتهم، فارتعبت! خلال سنة 1972 صدرا قانونان خطيران هما: قانون يحرم الإضرابات والاعتصامات والمظاهرات، بهما بدأت مرحلة تكميم الأفواه، ثم صدر قانون بتحريم الحزبية واعتبار التحزب خيانة وطنية. ومنذ صدورهما كثرت زيارات الليل، و"تفضل معنا خمس دقائق". وكان وقوف رجالا من المباحث أمام بيتك يعني بداية رحلة اعتقال منها ما طال لسنوات. ولذلك ذهبت معهم مرعوبا، ولكنني ارتحت كثيرا عندما وقفت العربة أمام مبني المباحث، الذي كان يرأسه صديقي المرحوم سعد بن عمران. اخبرني أن برقية وردت من طرابلس تحوي مجموعة اسماء مطلوب القبض عليهم وتوقيفهم، وأنني منهم .. وسألني ما الذي يربطني بهذه المجموعة، وعندما قرأت الأسماء: سالم الكيلاني، ا محمد زايد السوداني، الحاج أحمد بالروين، عبد الله الهوني، ابوبكر الطلحي، وكيلاني اخر وسليمان هويدي وأخرين لم تعد تسعفني ذاكرتي بأسمائهم. كان معظمهم أصدقائي، ولكن لم أجد شيئا يجمعنا سوى أننا تخرجنا في وقت واحد. وجميعهم من كلية التجارة، أما أنا فمن كلية الآداب. فطلب المرحوم سعد من السائق أن يأخذني إلى بيتي ويعود بي اليه صباح اليوم التالي، ولكنني اخبرته أنني سوف امر على بيتي لأنهم يعلمون بوصولي، وأفضل أن التحق الليلة بمن سبقوني. فقد كنت أريد أن أعرف منهم سبب حجزنا، لم يطل الأمر حتى عرفنا أن السبب قرار ارعن من رئيس الوزراء آنذاك عبد السلام جلود، بسجن كل من لم يلتحق بالوظيفة التي عين عليها.

     كان قرار تعيّني بوزارة العمل بطرابلس، بناء على طلب من عبد العاطي العبيدي، الذي وقتها وزيرا للعمل.  ولم أُخطر بذلك ابدا. ظللنا موقُوفين لأكثر من شهر، ثم وقّعنا تعهدا بالالتحاق بوظائفنا وخرجنا. وكانت إمكانية عملي بطرابلس في ذلك الوقت مستحيلة بسبب ظروفي العائلية، فتولي خليفة الفاخري شرح موقفي لصديقنا صادق النيهوم، فطرت إليه في طرابلس وامضيت الليلة معه واخذني في اليوم التالي الى مكتب السيد جلود، فشرح له وضعي وأخبره انني ارغب ان أكون مدرسا، ووضح له حاجة البلاد لمدرسين فعدت إلى بنغازي مدرسا للغة الانجليزية.

    لم يكن امر القبض والسجن شائعا في تلك الفترة فنحن مثلا، أوقفونا في مركز الحدائق وعاملونا باحترام، وأذكر أن ضابط المركز سمح لنا بالمرور على سرادق بنغازي لتقديم واجب العزاء في الشهداء الذين اسقطت طائرتهم إسرائيل يوم 21/2/1973، وتذمرنا من وجبات الغذاء والعشاء التي كانت مجرد خبز وعلب سردين، فاقترح علىّ سعد بن عمران – بيني وبينه- ان نعلن اضرابا عن الاكل، ونجحت الفكرة ووصلته تعليمات بتكليف مطعم بهذه المهمة وبالفعل تولي مطعم شهرازاد الذي كان يديره صديقي (ريمون) باطعامنا فصار قسم الحدائق فندق خمسة نجوم لنا ولضباطه وجنوده وزوارنا.

لم يغب عنا لا مصطفى الكرامي، ولا عبد المجيد الدرسي، ولا على محمود الغرياني، باعتبار انه كان مدير مصنع الاسمنت واغلب المسجونين يعملون بادارته، اما الفاخري فلم يغب لا هو ولا (قفشاته)، ذات يوم جاءني بسيجارة (كنت) ملفوفة بورقة وعندما فتحتها كان الفاخري قد كتب عليها بيت المتنبي : يجود علينا الخيرين بمالهم ونحن بمال الخيرين نجود.وقال : " لم اجد من يقرضني ثمن علبة دخانك! فاكتفيت بتسول سبسي من ارحيمه"  – يقصد عبدالرحيم فايد .

     وبلغت رفاهية ( سجننا) حدا وصل أنني طلبت من صديقي المرحوم سعد بن عمران أن يسمح لي بحضور مباراة الأهلي والنصر! وفي المدرج انتبهت أن الذي اودعني التوقيف يلتفت نحوي محدقا مستغربا، فخشيت أن يحرجني أمام الناس، فنزلت غليه وجلست بجواره وشرحت له ملابسات مجيء، وعدت برفقته إلى سجني بمركز الحدائق، ودعوته على العشاء! ومع كل التسهيلات والمرح والفكاهة، يظل السجن يظل سجنا، فلقد بلغ الضيق بنا أحيانا حد تشاجرنا. والحقيقة أن تجربتي اليتيمة تلك احسستني بالفعل بقهر السجن ولذلك لم اغفل ابدا عما يعانية ممن سجن من أصدقائي فيما بعد، ولعل شخصية عبد القادر البعباع، المرحة المنطلقة لم تغب عني كلما تذكرته عندما كان مسجونا.

مستشفى الادفنتست الذي أصبح مقرا لكلية الطب ببنغازي عند افتتاحها
الكاتب الأديب خليفة الفاخري بدرنة قبل ثلاثة اشهر من رجيلة
حفل طلابي الصور من الراحل محمود العمامي
الدكتور فوزي بركة رمضان احد طلبة الدفعة الاولي بكلية طب بنغازي بعد 55 سنة من تخرجه
رفيق الصبا عبد القادر البعباع قبل أن يمضى زهرة شبابة بسجن القذافي
ابراهيم البقرماوي ومحمد النيهوم من خريجي كلية الاقتصاد والتجارة ومحمدعقيلة العمامي ورفيق العمر عبد المجيد رمضان الدرسي في حفل التخرج 1972
الدكتور رؤوف بن عامر المؤسس الحقيقي لكلية طب بنغازي
الدكتور مصطفى الزائدي احد طلبة الدفعة الأولي
الدكتور محمد حسن الفيتوري اول طبيب ليبي
دفعتني: قسم اللغة الانجليزية
الدكتور عمر التومي الشيباني اول رئيس للجامعة الليبية من بعد ثورة سبتمبر 69
الاستاذ عبد العاطي العبيدي اول وزير للعمل من بعد ثورة سبتمبر 1969
طلبة قسم المحاسبة بكلية التجارة ويتوسطهم الاستاذ عبد العاطي العبيدي
عبد المجيد الدرسي وحسن الهنتاتي وعمر بزينه خلال رحلة دراسية ببريطانيا
اللجنة الرياضية : حسين الفراوي والمشرف الرياضي والدكتور هادي بولقمة والدكتور مختار بورو وفيصل فخري والسيدة فوزية مخلوف
عبدالمجيد الدرسي ومحمد عقيلة العمامي استراحة بساحة كلية الاداب 1970