قهوة سي عقيلة (36) خليفة الفاخري ومحمد القزيري حضور في غياب

      صديق عزيز من ذلك الجيل، سألني بود: «أين الفاخري في سردك وقد وصلت بنا حتى منتصف سبعينات القرن الماضي؟». وقد أصاب بسؤاله، وإن كنت تحدثت بومضات متفرقة وكأنني أقول لأمثال هذا الصديق: «الفاخري موجود في حياتي منذ منتصف ستينات القرن الماضي، فهو أحد أقرب الأصدقاء ويتميز عليهم أنه معلمي وأستاذي الذي أُرجع له الفضل في صقلي ككاتب. وكلما تواصلت حياتي، كلما اكتشفت بعد نظره وعمق تفكيره وإيمانه بمبادئه التي أراها الآن واتطلع يمينًا أو يسارًا، وكأنني أسمعه يقول : «مش قتلك؟». اختلفت معه في قناعات معينة ولكن الأيام أثبتت أنه على حق وأنني لم أرها سوى من جانب واحد.

     طوال الفترة التي تناولتها لم يغب الفاخري عنها، سواء عندما سافر إلى بريطانيا لدراسة اللغة، أو في غربته في بنغازي وسعيه المتصل للرحيل، الذي ادعى الكثيرون أنهم وراء نقله من وزارة الشباب إلى وزارة الخارجية، ولكن الحقيقة أن مَن كان وراء نقله وكذلك تعيينه ملحقًا ثقافيا بالدنمارك هو الأستاذ الفاضل عبد العاطي العبيدي.

      الحكي عن الفاخري طويل ومتشعب ومثمر ومفيد. ولقد كتبت عنه كتابين: " منابت الريح" ثم " قطعان الكلمات المضيئة" . والواقع أنني  ثابرت حتى منتصف ثمانينات القرن الماضي في خنق رغبتي في الكتابة، لأنني أعرف أن ولوج باب هذا المجال لا يتفق أبدًا والعمل التجاري، أثناء تلك الفترة قدمني ذات مرة إلى الشاعر عبد الوهاب البياتي، بـ«البقال المثقف». كان يوجه قراءاتي ناهيك عن معالجة لغتي وتوجيهها، في الثمانينات، تركت مكاتب الدولة ودواوينها وهاجرت إلى البحر، أقضى به أكثر مما أقضي في بيتي، وتحولت الهجرة من هواية إلى مهنة واكتشفت حقائق يعرفها صيادو رصيف بنغازي، ولكنها لم تجد مَن يوثقها. شرعت في كتابة مجموعة كتب متخصصة في الصيد البحري، وعن الرياس، وتولى تقديمها وتصحيحها لغويًّا، بل وقدم لها وهو الذي لم يقدم كتابًا من قبل. وكنت أعطيه بين حين وآخر نصوصًا كانت في أغلبها قصصًا قصيرة يحتفظ بها وينصحني باختصار عدد كلماتها. كان يقول لي: «لا تجعل جملة أو كلمة أنت معجب بها تفرض وجودها في نصك.. اختصر، فما يُكتب في ثلاث كلمات لا تكتبه في أربع»، وكان يحتفظ بها إلى أن فاجأني يوما بمجموعة «الحوات والقبلي» وقال لي: «لم تعد مجرد بقال مثقف أو ديك أميركاني، وإنما كاتب، وستتبرأ منك الدنانير.. »، ثم استطرد : «بعيونهم ويحصلوا».

       كنت قد انشغلت كثيرًا طوال السنتين اللتين سبقتا تخرجي، لدرجة أنه قال لصديقنا مفتاح الدغيلي: «إنه يحتاج إلى يوم طوله 48 ساعة، لم يعد لديه وقت حتى ينظر إلى الساعة!».

      أثناء فترة انشغالي كان مكانه المفضل لقضاء العشية، أو قبيل المغرب ناصية مقهى دمشق بشارع عمرو بن العاص. ذات عشية، كانت زوجتي تدفع عربة طفلها الأول، وهي في طريقها من شقتي بعمارة البوري بشارع جمال عبد الناصر حتى بيت سي عقيلة بشارع الرعيض. كانت قد مرت من أمام خليفة الفاخري، الذي كان يسكن في تلك الفترة بالفندق الكبير بشارع أدريان بلت، فما كان منه إلاّ أن تحدث إلى صديق يقف بجانبه بصوت عالٍ: «يا أخي.. لم يعد لنا أحد في بنغازي، تصور أنني اشتهي مكرونة منذ أيام ولم يتكرم أحد بدعوتي لمشاركته هذه الوجبة، حتى أصدقائي نسوا (جنقي) المسكين!».

      عندما عدت بها في المساء، مررنا على مقهى دمشق، ويبدو أنها تذكرت ما قاله خليفة، فقالت لي: «صاحبك اليوم يحكي لصاحبه بالصوت العالي بالمعنى.. يشحت منك في مكرونة!» فهمت ما يقصده، فذهبت إليه اليوم التالي، وما أن ركب بجانبي حتى تبسم قائلاً: «وصلك الفاكس.. أحمد ربك أني ما كتبتها مقال! عيب عليك.. طنجرة مكرونة تتذكر بها جنقي. مر على الفندق ناخذوا محمد القزيري..»، ومررنا على الفندق ولم تنتهِ المكرونة إلا قبيل الفجر.

       كانت جلسة رائعة ، كجلسات متعددة سابقة، تحدثنا فيها عن الطفرة التي حدثت في بنغازي، وأولئك تسللوا سريعًا إلى مفاصل الدولة، والآخرون الذين صارت كعبتهم الأشغال العسكرية، وبدء مظاهر البذخ والإنفاق. وصخب الإعلام الموجه، وكان القزيري يجيد الإنصات.. ويجيد القفشات البليغة الذكية.. تلك الليله، فيما كنا نتحدث عن تدفق العرب من الدول كافة إلى ليبيا، عمالاً، وأطباء ومستشارين، ورجال أعمال.. ومغامرين وصحفيين وطلاب، فقال معقبًا: مررت من يومين على كلية الآداب، وفيما كنت أنتظر عبد الله الحراثي في المقصف، كان يجلس بجانبي مجموعة من الطلبة العرب، سمعت أحدهم يقول لرفاقه: «يا جماعة انتوا مش ملاحظين أن الليبين كثروا أوي في الكلية؟». ثم قال من بعد فترة صمت طويلة، بينما نناقش المد العربي: «في اتحاد العرب قوة.. وفي الاتحاد الاشتراكي فايده كامل!» كانت الكنيسة الكاثوليكية قد أصبحت مقرًّا للاتحاد الاشتراكي الذين تزمجر مكبرات الصوت من نوافده بأناشيد المطربة فايدة كامل الوطنية من الصباح حتى المساء.

       الفاخري والقزيري سكنا معا لفترة ليست بالقصيرة بذلك الفندق، ثم انتقل خليفه الفاخري للعمل بوزارة الخارجية بطرابلس، ومنها إلى الدنمارك، وظل القزيري بالفندق، وكنت اراه بين حين وآخر، ولكن  ونيس الفاخري شقيق خليفة لم يغب عنه أبدا إلى أن رحل خارج البلاد، وكان كثيرا ما يمتعني برسائل كانت متبادلة بين القزيري والفاخري، والواقع لم اجد منها فيما خلفه الفاخري من اوراق سوى رسالة واحدة غاية في البلاغة والنقد  لما كان يجري في تلك الايام.   

    لقد تمكن القزيري بعد جهد من هجرة اختيارية إلى بريطانيا، والتحق بالمعارضة، وعمل سويا من رفيق طفولتي بمدرسة الأمير الشيخ محمد بن غلبون، واصدرا عدد من المطبوعات، منها "ليبيا العنقاء" التي كانت تصلنا بين حين وآخر. ثم فضل الصمت  وظل هناك إلى أن وافته المنية.

    خلال السنتين الأخيرتين في دراستي كنت أقضي في سوق الجريد وشارع بوغولة أكثر مما أقضي في الجامعة، أمر على التجار أعرض عليهم كتالوجات السلع المتنوعة، ينتقون منها ما يريدون، كانت ثقتهم في حامد الحضيرى كبيرة، يحددون الكميات التي يريدونها، يتحصل لهم السيد حامد على أفضل الأسعار، ويفتحون لطلبياتهم الاعتمادات وتصل بضائعهم مثلما يريدونها. كان عدد كبير منهم إما أميون أو بسطاء التعليم وكان حامد لسانهم وقلمهم وكان حريصًا جدًّا على توفير الأجود والأرخص. وكنت أودع له عمولته من النقد الأجنبي في المصرف، ولاحظت أنه يترك الصكوك أمامه وكثيرًا ما يرى التجار قيمها كانت بسيطة 80 دولارًا 100 وإن ارتفعت تصل 150. وكانت تودع في المصرف وتحوَّل إلى عملة ليبية بنظم سلسة لا غش و تهريب، إلى أًرغم الناس على تهريب أموالهم بسبب قوانين لم تكن ليبيا في حاجة لها، فتضخمت العمولات والسرقات والهروب من ليبيا، في حين أنها كانت دولة مستقطبة بسبب الخير التي تنامى للغاية، والحاجة لكل مَن يريد أن يعمل بشرف، فالبلاد شاسعة وبمقدور المرء أن ينطلق بعربته غربًا بطريق الساحل فلا يجد سوى قرية أو اثنتين ومدنًا صغيرة وفضاء بامتداد البصر حتى تصل مصراتة.

      من حامد عبد الجليل الحضيري تعلمت الكثير وكونت في مكتبه صداقات وعلاقات ما زلت مستمرًّا حتى الآن. وفي الوقت نفسه ظهر كثيرون كوكلاء تجاريين، تمكنوا في فترة وجيزة من الثراء، ولكن لم يكونوا لا بخبرة، ولا بالذمة كالتي كان الله قد أودعها لدى خونا حامد.

     أحداث كثيرة متداخلة، قد يسبق حدث قبل آخر، كثير من الأمور التي أثرت في حياتي. ففي سنتي الثانية بالجامعة كان الدكان قائمًا وكانت مهمة عبد القادر شقيقي بعد أن تسلمه كاملاً أن يوفر احتياج البيت، وألا يكون إنفاقه على رحلات مصر أكثر من دخله. وكانت الفرص قد تهيأت على نحو ما أن أجد رزقي في هذا الكرنفال الذى طرأ على ليبيا، وكانت شلة عمارة الجبل الأخضر كلها رجال أعمال ومقاولين وتجارًا، منهم الشرفاء ومنهم غير ذلك، كان من أصدقائي مثلما ذكرت عبد الله السوسي، ومصطفى الكرامي، وسعيد فطيس، وفتحي جنيش، وعبد الله هويدي، وسالم الشيبايي،  ومصطفى وراضي الكيلاني وكثيرون من رفاقهم: أحمد الشريف، مجيد الجهيمي، إبراهيم الصور، مسعود السعيطي كانوا شلة متوافقة متجانسة، وكنت أرى في أغلبهم رموزًا نقية من ليبيا كلها.. عملوا وما حققوه كان بجد وعزة نفس. وكان معظمهم من أنشط المقاولين في ذلك الوقت، وكنت دائمًا أقتنص عملاً بسيطًا يعينني.

     أذكر أنني قررت ذات مرة، من بعد أن عرفت مشاريع العطاءات أن أتقدم لتنفيذ أحدها ولكنني عجزت عن توفير خطاب الضمان فالتجأت إلى مصطفى الكرامي، الذي كان ومازال أحد أقرب الأصدقاء، كان حينها ملجأ لكل محتاج لعمل أو معونة أو مشورة، غير أن ظروفه في تلك الفترة لم تسمح له بتوفير هذا الخطاب، فأخذني إلى مكتب صديقه: يوسف الشيباني، وجدت بالصدفة عنده إبراهيم بوشناف نبوس، وهو أحد رفاق طفولة شارع نبوس، ولم أعلم حينها أنه وشقيقه محمد شريكان مع الأستاذ يوسف. وعلمت أنهم كانوا ينفذون مشروعًا كبيرًا في ذات الوقت يعرف باسم مشروع (الس آر تي). صارح الكرامي يوسف الشيباني بحاجتي لخطاب الضمان، وتشعب حديثنا وكنا ما زلنا نحتسى قهوتنا عندما عاد صديقي إبراهيم نبوس برسالة موجهة إلى البنك تأمره بإصدار خطاب الضمان باسمى وتسليمه من قيد أو شرط، وقال لمصطفى : «انا واحميده عيال شارع واحد.. أسرة واحدة.. إحنا خوت يا سي مصطفى».

     كان معظم الناس، في ذلك الوقت خيرين صادقين يحبون بلادهم و (عيال بلادهم) ويعلمون جيدًا كيف يتعاملون ومع مَن يتعاملون. كانت الفرص متاحة لكل شريف ينوي أن يعيش بشرف، ولكنها أصبحت في الوقت نفسه متاحة أيضًا لكل مغامر أو انتهازي، ولقد تمكن الكثيرون منهم من تحقيق ثروات وفي زمن قياسي، ولكن الأيام أثبتت أن البقاء لمَن كان عمله وجهده قائمًا على صدق وحق، ولقد سقطت أسماء كثيرة بلغت ثرواتهم في وقت قصير أرقامًا خيالية. لقد بدأنا في ذلك الوقت نسمع عن كثير من مئات الالآف والقليل عن الملايين! لقد حاولت أن أوثق ذلك من خلال روايتي «تمر سيوة ولبن قرقارش» محاولاً خلالها أن أتجنب الفخاخ وإن انتبه كثيرون من جيلي الذين تناولتهم في تلك الرواية.

الشاب محمد بن غلبون ستينيات القرن الماضي
محمد عقيلة العمامي ستينيات القرن الماضي
خليفة الفاخري 2001
خليفة الفاخري وعمر جعاكة مطلع السبعينيات
الاستاذ محمد القربزي والشيخ محمد بن غلبون
مصطفي الكرامي وعبد المجيد الدرسي يونيو 1972
الشيخ محمد بن غلبون في وداع المرحوم محمد القزيزي
الاستاذ محمد القزيري في ثمانينات القرن الماضي
الدكتور مصطفى الفاخري وشقيقه ونيس الفاخري
رواية تمر سيوه ولبن قرقارش
الدكتور مصطفى الفاخري وشقيقه ونيس الفاخري
المرحوم يوسف الشيباني والحاج ابراهيم نبوس
غلاف كتاب منابت الريح - سيرة خليفة الفاخري -
غلاف كتاب قطعان الكلمات المضيئة الفاخري والنيهوم
مصطفى سعد الكيلاني
راضي سعد الكيلاني
محمد عقيلة ومحمد مبارك وعبد الله السوسي
سعيد محمد فطيس وفتحي حنيش ومصطفى عمر الكرامي ومحمد عقيلة العمامي وعبد الله هويدي
ونيس الفاخري وخليفه الفاخري ومحمد عقيلة العمامي وفرج القطار ليلة فرح خليفه

المزيد من بوابة الوسط