«العاصوف» يثير الجدل في السعودية

صورة ملتقطة في 5 نوفمبر 2016 وفرتها «إم بي سي» تظهر ناصر القصبي وريم عبد الله في مشهد من مسلسل «العاصوف» في أبو ظبي (أ ف ب)

لا يتوقف أثر الدراما التلفزيونية عند حد التعليق على أداء ممثل أو السخرية من أحداث العمل، فهي باتت مؤثرة في حياة الناس بشكل فعلي، وفي قصتنا مثال.

إذ أثار مسلسل «العاصوف» التلفزيوني الذي يعرض خلال شهر رمضان وتدور أحداثه في سبعينات القرن الماضي في السعودية، حنينًا إلى تلك الحقبة «الحديثة» من جهة، وغضب المتشددين في المملكة من جهة أخرى، وفق «فرانس برس»، الخميس.

وتعرض محطة «إم بي سي» الفضائية المسلسل، الذي أشعل مواجهة ثقافية بين المتشددين والمعتدلين المؤيدين الإصلاحات الأخيرة في المملكة.

ويقدم المسلسل صورة مختلفة للسعودية مع مجتمع تقليدي، لكن أكثر انفتاحًا يشهد اختلاطًا بين الجنسين وعلاقات أكثر تحررًا ونساء سافرات الوجه في السهرات، وعدم تقيد الرجال بملابس معينة.

وتتناغم الصورة التي يعكسها المسلسل التي يرى فيها المتشددون تشويهًا للمجتمع السعودي، مع ما كرره وليّ العهد محمد بن سلمان مرات عدة بأن المملكة كانت بلدًا للإسلام المعتدل حتى العام 1979 الذي شكل نقطة تحول شهدت ولادة التشدد.

وهو قال إن سلسلة من الأحداث بما فيها الثورة الإسلامية في إيران وحادثة الحرم المكي في العام 1979 أطلقت يد المحافظين ليفرضوا إسلامًا متشددًا، مع إغلاق دور السينما وتقليص الحريات الاجتماعية.

وأثار «العاصوف» الذي تتناول أحداثه الفترة السابقة للعام 1979 أو ما يعرف بحقبة الحداثة في السعودية، حفيظة المحافظين.

وقال الشيخ عبدالباسط قاري في شريط بث عبر منصة «يوتيوب»، «تصوير المجتمع على أنه مجتمع كان يتقبل الغزل والحب وقلة الحياء والاختلاط، وأنه كان هناك علاقات جنسية بين الرجال والنساء، وأن هناك أبناء حرام يوضعون على أبواب المساجد وعند باب الإمام هذه والله من المصائب».

وأضاف: «لا أدري هؤلاء ماذا يريدون بنا؟ يريدون نشر الفجور فقط.. أن يستسيغ المجتمع هذه العلاقات».

وحمل رواد كثر لوسائل التواصل الاجتماعي على مشهد يظهر صبيًا يتكئ على جدار صغير فاصل مع الجيران ليتبادل الحديث مع فتاة.

وغرد الشيخ عبدالرحمن النصار كاتبًا: «‏مغازل أطفال الجيران!! تشويه قبيح للطفولة في السعودية». إلا أن آخرين وبينهم الممثل ناصر القصبي دافعوا بشراسة عن العمل.

وكتب الصحفي عبدالرحمن الراشد في جريدة «الشرق الأوسط»: «المتطرفون ضده لأنهم يَرَوْن فيه محاولة لهدم ما بنوه في العقدين التاليين (للعام 1979) وسموه الصحوة».

وأضاف: «يهاجمون العاصوف لأنه سلط الضوء على حقبة بقيت في الظلام عن عمد والمتطرفون من الصحويين يريدون إطفاء النور».

و كشفت ردود الفعل القوية هذه ما يسميه مراقبون تململًا كامنًا من تراجع نفوذ المحافظين المتشددين، الذين كانوا مطلقي القوة في السابق فيما الأمير محمد ينفذ إصلاحات تعتبر الأوسع في تاريخ السعودية الحديث.

ومن ضمن هذه الإصلاحات السماح للنساء بقيادة السيارات، وإعادة فتح دور سينما وحفلات موسيقية مختلطة.

وأوقف رجال دين سلفيون لهم ملايين الاتباع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فيما اختفى آخرون كانوا يشاركون بانتظام في برامج تلفزيونية عن الشاشة. وأعرب كثيرون معارضون لحقوق المرأة فجأة عن تأييدهم قرارات ولي العهد بهذا الشأن، حسب «فرانس برس».

ودعا كتّاب مقالات في صحف سعودية علانية إلى إلغاء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التي قلصت صلاحياتها. وصف مؤيدو ولي العهد عملية التحديث هذه بأنها «صحوة ثانية»، ويبدو أن «العاصوف» يروج لهذه الفكرة.

وقال الأستاذ في جامعة الكويت علي الزعبي: «مجتمعاتنا بحاجة إلى عاصوف جديد من شأنه أن يعيدنا إلى حالتنا الأولى، أو بعبارة أدق حالتنا الطبيعية التي كنا عليها قبل إجبار المجتمع على التغير إلى الأسوأ».

وصور المسلسل في أبو ظبي قبل سنتين. ولم تشأ محطة «إم بي سي» تفسير لمَ تأخر بث المسلسل كل هذه الفترة، مكتفية بالقول إن المسلسل الذي يسجل نسبة مشاهدة عالية سيعرض لموسمين آخرين.

وسرت تكهنات حول أن التأخير قد يكون عائدًا إلى مشاكل مع الرقابة في السعودية، التي تبدو حريصة على مراعاة الحساسيات الدينية رغم عملية الانفتاح.

وكتب سايمن هندرسن وهو خبير في شؤون الخليج في تقرير لمركز «واشنطن إنستيتوت»، أن تحديث المملكة العربية السعودية «أقرب إلى خطوات حذرة منها إلى مسيرة فعلية».