قهوة سي عقيلة الحلقة (33) «من الفندق البلدي إلى نيويورك»

 من بعد احتفال بسيط في يوليو1970، قامت من روما أول رحلة طائرة «بوينغ 747» تابعة للخطوط الجوية الإيطالية. كنا على متنها؛ خمسة شباب ممتلئين حماسًا وحيوية ورغبة في المعرفة، موفدين للمشاركة في مؤتمر الشباب العالمي، اُختيروا من بين طلبة جامعات ليبيا، على أساس كفاءتهم وتوافقها مع المواصفات التي وضعتها الأمم المتحدة، من دون وساطة أو تعليمات فوقية، مثلما صار يحدث من بعد سنوات من ثورة سبتمبر. منذ أن وطئت أقدامنا مطار جون كنيدي بنيويورك كان كل شيء منظمًا بدقة متناهية، فالمؤتمر عبارة عن دورة مصغرة لدورة الأمم المتحدة المنعقدة في تلك السنة، فلقد رأت هيئة الأمم أن تعرف رأي الشباب فخصصت لهم ذلك المؤتمر قبيل بدء الدورة الرئيسية ليدرسوا جدول أعمالها، ثم يرفعوا مقرراتهم إليها فيعرف ممثلو الأمم كيف يفكر شباب العالم. في تلك الدورة قلنا: إن بلادنا تولاها شاب في مثل عمرنا وسوف يصنع لها تاريخًا، وكنا مقتنعين بذلك، ولكن لم يخطر ببالنا أنه بعد أربعين سنة سوف يمزق وثيقتها ويرميها على ممثل دولته.

كنا بحق نتطلع إلى مستقبل نحلم به، ولذلك تحاورنا مع شباب من مختلف جنسيات العالم، مؤكدين أننا سنكون جزءًا فعالًا في خيره ولم يخطر ببالنا أبدًا أننا سنكون من الجزء السيئ منه. ولم تمضِ ثلاث سنوات حتى استقر صديقي أحمد الماقني في أميركا، بعد أن عجز في مجاراة أفكار قائد بلادنا الجديد وصار معارضًا. كتب الكثير من التحليلات والتفسيرات، وظل كذلك رغم كل المغريات التي عرضها النظام عليه، ولم يعد إلى ليبيا إلاّ بعد فبراير 2011. وانتقل الشاب الطيب المحامي علي الشريف إلى مصراتة، مسقط رأسه، ومن بعدها إلى رحمة الله، وما زلت أذكره بعد قرار العودة من بنغازي إلى مصراته عندما قال لي: «إنهم يريدون أن يحيلوا بنغازي إلى قرية بائسة مثل ما كانت سرت» ولا أدري مصير صديقنا القاضي ولا التهامي. 

أما أنا فلقد تشردت بعد تخرجي في بنغازي بين عدد من الوظائف ولكنني لم أستطع مواصلة أي منها وانتهى بي المطاف مجرد صياد ألهث وراء الأسماك الملونة البلها.

أما كيف تحققت تلك الرحلة؟ التي حدثت من بعد الانتهاء من امتحانات السنة الثانية، فقد كنت مطمئنًا لنجاحي، بل كنت أتطلع إلى تفوق، فلقد أعلنت الكلية أن هناك دورة للغة الفرنسية في باريس للمتفوقين، الحقيقة لم يتغير شيء مما كان يجري أيام المملكة، لقد واصل نظام القذافي كل ما كانت الملكية تقدمه لشباب الجامعة لثلاث أو أربع سنوات فقط.

كان لإخوة الفلاح، تلك العائلة العريقة التي تخصصت في التصوير الفوتوغرافي، قد واكبوا الطفرة التي حدثت في البلاد وافتتحوا محلا لبيع المواد الغذائية بالجملة وكنت اتعامل معهم، عندما حييت سي مفتاح، اجلسني في الحال على صندوق، وسحب مقص ومشط وشرع في حلاقتي، قائلا : " غفتك كبيرة...لا نيرد لشباب جماعتنا أن يقلدوا الصياع ..". تمازحنا وابتعت منه ما احتاج، ومن بين ما اشتريت صندوق بيض مستورد من اليونان! لأعود به إلى الدكان. لم تكن في بنغازي مزارع لإنتاج البيض. قد يكون المرحوم محمد عوض الفيتوري من السباقين لهذه المشاريع إن لم يكن هو رائدها. واخترت طريق بحر الشابي حتى أمر على الجامعة لأستفسر عن نتائج الامتحانات. عند مدخل الكلية كان سي محمد إدريس وهو من وجوه منطقتنا وصديق سي عقيلة أخبرني أن عميد الكلية - الدكتور منصور محمد الكيخيا- يسأل عني ويريدني في الحال. لقد ابتهجت بتلك الدعوة، وقدرت إما أنها بسبب تفوقي وبالتالي رحلة باريس؟ أو أن قسمًا من الأقسام يخطط لرحلة ويريدونني تزويدهم بمؤنها، كان قسم التاريخ والآثار والجغرافيا دائمي الرحلات الاستكشافية؟ وفي الحالتين هناك فائدة من دون شك.

طرقت بابه دخلت. «اجلس..»، قال العميد، فجلست، استطرد وهو يتفحص أوراقه: «فاضي أنت هذه الأيام؟» قلت له: «إن شاء الله خير» قال لي: «إنك مرشح للذهاب إلى نيويورك إن كنت فاضي..» قاطعته: «يا دكتور أنا جاي من أوحال الفندق، فبالله لا تسخر مني» تبسم وسألني: «فاضي أم لا؟» أجبته: «فاضي من الآن، حتى نهاية القرن هذا القرن.. ».

أحالني إلى إدارة الجامعة وهناك ذهبت مباشرة إلى الرجل الطيب الكاتب أحمد العنيزي، استلم جواز سفري، وشرع في اجراءته وطلب مني احضار موافقة العمل في اليوم التالي ليرفقها مع الجواز والحصول على تأشيرة الخروج، فجواز سفري يقول إن مهنتي موظف؛ كانت تلك مشكلة حقيقية، فأنا موظف أتقاضى مرتبًا من مصلحة الإسكان ولكنني لا أداوم فلقد وزعوا موظفي وزارة الأشغال ما بين الإسكان والكهرباء والمياه. تكفَّـل الأصدقاء بإسقاط اسمي من سجل الحضور، واستلام مرتبي وتسليمه لي. وظللت كذلك حتى تلك الرسالة. كان لابد من مقابلة مدير المصلحة؛ فذهبت إليه. كنت أعرفه جيدًا رحب بي وأخبرته بالقصة من بدايتها. تبسم سعيد العبار رحمه الله وقال لي: «يا عكروت، لعّبت على الحكومة! أهذا سلوك طالب جامعي؟» فأجبته: «لا.. في الصيف أنا صاحب محل البقالة، وسكان العمارات الخمسة زبائني، وأنت على رأسهم، وتشهد بذلك»، ضحك-رحمه الله- ثم طلب من مدير مكتبه أن يحرر الرسالة ولقد ذكّرني بذلك الحديث بعد 25 سنة عندما جئته خاطبًا كريمته لشقيقي إبراهيم، فسألني بعدما أخبرته أنه يعمل بمؤسسة الكهرباء: «يوقع ويداوم عمله، أو مثل أولئك الذين تعرفهم مثلما أعرفهم.. ».

في ذلك اللقاء وبينما كنت انتظر في الرسالة خيرني بين إيجاد عمل لي يتناسب مع وقتي بعد عودتي من المؤتمر، وبين ضمي إلى كشف التقاعد الاختياري، وشرح لي أنهم أصدروا قانونًا بمحاسبة الموظف السنة بخمس سنوات، وحسب لي القيمة ووجدتها ثروة تمكنني من القيام بأي مشروع. لم أغادر مكتبه إلا بالموافقة على تغيير المهنة ورسالة بإحالتي الى التقاعد.

لقد كان الجيل الذي درس وتربى وتبوأ مراكز قيادة ليبيا مع نهاية ستينات القرن الماضي مثاليًا إلى درجة الكمال، ولهذا لم يستبدل القذافي سوى قلة أما الباقي فتركهم في وظائفهم، ولعلنا نجد الدليل على ذلك في المرحوم سعيد العبار، والدكتور مصباح عريبي، الذي اختار أحمد الماقني من كلية الاقتصاد، والدكتور منصور محمد الكيخيا، أحد قادة كشاف بنغازي، من رياضيي نادي الأهلي، ومن أسرة عريقة، علاقته مثالية مع الناس كلهم، وسعد بن عمران الذي ظل على رأس الجهاز الأمني في بنغازي فخدم الناس بصورة لا مثيل لها. ولكن الأمر تغير تمامًا من بعد أن جهز نظام القذافي رجاله وفق معاييره وليس كفاءتهم.

بعد سنوات، من تلك الرحلة، تقاعد الدكتور منصور الكيخيا، والتقيته فيما كان يتسوق احتياجاته، وتحدثنا في أمور كثيرة، وسألته: لما اختارني من بين طلبة الكلية؟ وأنا لست من معارفه، لا كشافًا ولا رياضيًا؟. أجابني أن الأمم المتحدة طلبت مواصفات محددة في المرشح. كانت هذه المواصفات وكأنها مفصلة على مقاسك. فهم يريدون شابًا لا علاقة له بالسياسة، عصاميًّا، اجتماعيًّا وناجحًا في دراسته. وأنا على يقين أنك كذلك وبالتالي اخترتك. غير أنه لا يعرف جوانب نزقة لا يعرفها، لأن الشمس لا تطلع في الليل، وليل بنغازي كان صاخبًا، بديعًا لشاب كثيرًا ما رنت الدنانيرمبكرًا في جيبه!

كان ما نعرفه عن أميركا لا يتعدى ما نراه في أفلامها، وما يمرره المركز الثقافي الأميركي. في بداية السبعينات سمعنا الكثير عن ظاهرة «الهيبز». كانت فرصة لي ولصديقي أحمد الماقني أن نعرفها، فتنقلنا بين تجمعاتها في نيويورك، وكتبنا عنها في مجلة «جيل ورسالة». زرنا حي «هارلم» وتناقشنا مع زنوجه، وتسكعنا في «برودوي»، حيث اكتشفنا مسرحيات متواصل عرضها منذ عقود، وانبهرنا بثراء وبذخ «الففث أفنيو» ومانهاتن، وبروكلين. وبمجرد عودتي كتبت عن تلك الرحلة عددًا من المقالات.

كان الدكتور محمد علي العريان أعد مشروعًا لاستكمال دراستي هناك، ولم يكن الأمر يحتاج إلى أكثر من موافقة مني، ولكن كان سي عقيلة قد سبقه بمشروع لم ولن أنفك منه ما دامت لي خطوات أخطوها.

الاول من اليمين الدكتور مصباع عريبي مع نزار قباني عند زيارته إلى ليبيا
الأخوة ال الفلاح
محمد عوض الفيتوري يشرع لمحافظ بنغازي عبد الوهاب الزنتاني الآت مشروع البيض
رجل الصناعة الزراعية محمد عوض الفيتوري
تركيبات اول معمل تفريخ صناعي ببنغازي سنة 1971
رائد الصناعات الزراعية محمد عوض الفيتوري مع ابنه عوض
اعضاء جمعية شيكسبير سنة 1971
من اليمين عبد الله العبار ومحمد عقيلة العمامي وسعيد عبد اللطيف العبار في مناسبة اجتماعية
الدكتور منصور الكيخيا حال عودتاه من فرنسا مع نخبة من طلبة الجغرافيا
الحاج سعيد عبد اللطيف العبار
محمد عقيلة العمامي واحمد الماقني
والسيد بوشريده من رجال بعثة الامم المتحدة سنة 1970 بين احمد الماقني ومحمدعقيلة العمامي أمام مبني الامم المتحدة في نيويورك
القاضي والعمامي والماقني في جلسة من جلسات مؤتمر الشباب العالمي سنة 1970
أحمد الماقني في برودوي بنيويورك
من اليمين أحمد القلال والدكتور محمد فرج ادغيم والدكتور منصور محمد الكيخيا ثلاثتهم قدموا للجامعة الليبية الكثير
من اليمين الفرجاني بن حريز والاستاذ طالب الرويعي يلقي كلمته اما نقابة العمال ومن خلفه الملاكم غازي الشلماني
الاستاذ أحمد العنيزي
الدكتور منصور محمد الكيخيا وصل إلى الليلة الليبية متاخرا فجلس في الخلف وأمامه الطالبة فريده العلاقي

كلمات مفتاحية