قهوة سي عقيلة الحلقة (31) السنوات الصاخبة

أربع سنوات  من 1968إلى 1971 كانت صاخبة، لم أعد خلالها ذلك الشاب البريء، فلقد تفتحت عيناي على عوالم أخرى، صرت مشتتًا تمامًا، وكنت أحتاج ليوم طوله 48 ساعة، وليل لا آخر له. كنت لا أريد أن أتخلف عن محاضرة واحدة، ولا أغيب في الوقت نفسه عن تحلق الطلبة في أقرب نقطة من تجمع الزميلات عند شباك المقصف الخارجي ما بين كليتي الآداب والتجارة، عند كرسي الحديقة المدهون باللون الأخضر، الذي يمكنك منه رصد التحركات في مختلف الاتجاهات.

علاقتي بالرفاق الذين سبقوني من شلل قهوة سي عقيلة: عوض شمسة ومحمد شمام و«القط» أحمد الفيتوري، وسالم الكيلاني، ومحمد زيو، ورياض شنيب، ومحمد زايد، عبد السلام البدري، وإبراهيم البقرماوي مكنتني من معرفة العديد من طلبة كلية التجارة. أما رفاق دفعتي: حسن الهنتاتي، علي الريشي، فتحي إقعير، محمد فرج البرعصي، سعد سلطان، فتح الله خليفة سعد، إبراهيم قويدر، ناهيك عن زملاء التوجيهي الذين التحقوا بكلية القانون والذين لا تحلو لهم قهوتهم الصباحية إلا بجانب نافذة المقصف، ولعل جمعة عتيقة أبرزهم، فلقد اتخطف قلبه وعقله من الدفعة التي وصلت كليه الآداب في السنة التالية.

  غالبًا ما أجد بالمقعد زميلاً سبقني جاهزًا بحكاية جديدة من الزملاء الذين قدموا من طبرق والبيضاء ودرنة سواء من دفعتي أو الدفعات السابقة أو من شلة النادي الدولي التي قدمهم محمود شمام لشلة قهوة سي عقيلة: فوزي والصديق العلاقي وفيصل الزقلعي والتهامي شعبان والهادي السويح ورمضان المملوك. ولكل فرد منهم له شلة مرتبط بها منذ ثانوية علي أوريث بطرابلس. كانت حكايات الكرسي الأخضر، تختلف تمامًا عن حكايات كراسي مكتب عبد الله السوسي، ومصطفى الكرامي، ومحمد نعيم البوري  حيث تعلمت معهم أمورًا ما كانت تخطر على بالي خصوصًا بعدما صار الدكتور محمد علي العريان من زوارهم، حتى أنه طور لنا لعب الورق في الأمسيات الرمضانية، مع ريمون اللبناني ونجيب حنا هلال الأردني، ثم تواصلت بعد ذلك لدرجة أنها صارت هواية دائمة. وكان صديقي عبد المجيد الدرسي حاضرًا على الدوام كركن من أركان الشلل كلها، وحكايات المساء أمام دكان الخضرة والبقالة الذي أتناوب في إدارته من شقيقي عبد القادر، فصار للدكان اسم ألصقه الرفاق به، وكانوا يتفننوا في إثارته حتى يفقد أعصابه وتتوالى تعليقاته الغاضبة المضحكة خصوصًا إن تعلق الأمر بهزيمة فريق الهلال.

  ومن بعد العشاء يتبدل طعم الحكايات التي غالبًا ما تصبح ضبابية عند الفجر، ذلك إن ظللنا أمام الدكان، ولكن رافع جعودة أو عبد الله السوسي، كانا قادرين على إقناعنا بالسبل كلها للانتقال إلى مكان آخر أكثر طراوة وصخبًا. لم تكن ليالي بنغازي في تلك الفترة بريئة، فبعدما تُـقفل النوادي الرياضية، تُـفتح نوادٍ أخرى ليست رياضية على الإطلاق، تظل صاخبة حتى انطلق منها إلى سوق الخضار عند الفجر. النوادي الليلية ببنغازي، ظلت مفتوحة حتى سبتمبر69، وهي كثيرة: نادي الأولمبيا، واللوكس، والريفيرا، الناشيونال، والبرنيتشيي وكانت هناك نوادٍ رياضية أخرى يتعلم فيها الشباب السباحة وركوب البحر وأشياء أخرى مثل نادي «السيلنج» و«البرتشكلوب»، والنادي الفرنسي ونوادٍ كثيرة أخرى مفتوحة في الهواء الطلق في مصيف جليانه، وهي التي خرج منها جنقي ذات ليلة بندب ظل في خده بقية عمره، وأخرى مغمومة تعبق بروائح القرنفل و«المرون» عند «السبيتار الكبير» يسار المتجه نحو بحر «توريلي». أما إن مر عمر بن حميد لنذهب إلى سيدي حسين لسهرة مع إبراهيم الربع ومحمد الشويهدي وجمعة الفلاح ومصطفى حمدوا وإبراهيم الرايس وكمال عز الدين وصالح الشريف ومحمد جعودة، فتلك أمسية لها طعم آخر.

   وسط هذا الضجيج، ومواصلة عملي بوزارة الأشغال-وإن كنت معفى تقريبًا حتى من الحضور-والجامعة وشركة السيل الليبية وتوفير السلع للدكان، كانت لقاءاتي مع خليفة الفاخري متقطعة، كانت تؤجج رغبتي المخنوقة في الكتابة. كنت أجاهد حتى لا تتمكن مني لأنني كنت بالفعل أحتاج لنهار أطول، لا مكان فيه للكتابة.

واجتزت وعبد المجيد السنة الأولى بجهد خارق. وكذلك السنة الثانية، فقد توطدت علاقتي باللغة وبأعضاء التدريس، وصار لنا منزل الأستاذ غراهام جون مدرس النثر كنادٍ اجتماعي تعلمنا منه الكثير: من «روث» معلمة القواعد بالمدرسة الانجليزية، ومن «آن باركلوف» معلمة النثرفي الجامعة. صار غراهام صديقنا جدًّا.

   درست السنة الأولى بالجامعة الليبية قبل وصول القذافي إلى حكم ليبيا. عشت تلك الفترة وسط مجموعات ما زلت أفرح لأفراحهم وأحزن لأحزانهم. تنوعت تطلعاتنا، وهوايتنا ما بين محبي تراثنا الشعبي، والتفنن في تطوير أغانيه، وبين المأخوذين «بتوم جونس وإينغلبرت وفرانك سنترا» أو الهائمين مع ناس الغيوان وعبد الوهاب الدوكالي والهادي بلخياط، وسيدة الغناء العربي وفيروز، وأكثرهم يتسلطنون معهم جميعا.

منهم مَن كان يرى أن الحل في الاشتراكية. ومنهم مَن يُراهن على البعث، وآخرون على القومية العربية. فيما يرى آخرون أن الدولة السنوسية هي الأفضل، وكثيرون يريدون لليبيا أن تصبح جمهورية. منهم الاشتراكي، ومنهم الرأسمالي. ومنهم مَن يرى أن الوجودية هي نهاية المطاف. المد الإسلامي كان مازال في بداياته، على الرغم من نشاط جماعة الإخوان المسلمين وتطور تنظيمهم على نحو ملفت.

  وسط هذه التجاذبات لم يكن لي هدف سوى الخروج بأسرتي من نفق الفقر وتوفير تعليم وافٍ لهم جميعًا. وهذا ما جعلني إلا أكون معارضًا حقيقيًّا لا للنظام الملكي، ولا لنظام القذافي، فيما بعد، وإن قد قررت أن ابتعد تمامًا عنه بعد ذلك اليوم الذي شاهدت فيه إعدام جارنا عمر دبوب ومحمد بن سعود  مشنوقًين بميدان الكنيسية، مثلما كان يسمى في ذلك الوقت. عندها أحسست بغصة وتمنيت أن أسمع ثانية أغنية الموسيقار محمد عبدالوهاب: «إن فات عليك الأسى والظلم فيك احتار.. انده على الثوار يبيعوا أراوحهم في عز أفراحهم».. تلك الأغنية التي قلت إننا سمعناها لأشهر من بعد سبتمبر 69، ثم اختفت تمامًا من أرشيف الإذاعة، لم أجدها حتى في محلات مصر. 

  منذ ذلك اليوم قررت أن ابتعد عن النظام تمامًا وأن أعمل برأي أخونا صادق النيهوم: «نحن الأرانب لا نأكل أحدًا ولا نحب أن يأكلنا أحد.. »، لم أكن يومًا معارضًا أو مناضلاً إلاّ في معركة لقمة العيش وسداد دين سي عقيلة، الذي حدده لي وهو حي يرزق: تربية بناته وسترهن! وهذا ما فعلته. ومن أجل ذلك قاومت البقاء في امريكا عندما توفر لي مبكرا، وخنقت رغبتي في الكتابة بخزم، ولو استثنينا بضعة مقالات ودراسات بسيطة أثناء دراستي الجامعية لقلت إنني لم أكتب إلاّ في أواخرالثمانينات.

في سنتي الجامعية الأولى أصبحت رسميًّا ممول رحلات الكلية، باعتبار أنني صاحب دكان، كان التكليف يأتيني مباشرة من لجنة الرحلات، ناهيك عن حفلات أخرى أو رحلات الأقسام، خصوصًا التاريخ والجغرافيا والآثار. إن ما قامت به «سيارة الكرولا» التي أسميتها سيارة «ريمون» عمل خارق، فلقد ظلت طوال سنوات الجامعة حاضرة في النهار والليل. يبتدئ نهارها بالفندق البلدي، ويعلم الله أين ينتهي ليلها إن لم يتحلق رفاق قهوة سي عقيلة أمام الدكان. اجتزنا السنة الاولي بالجامعة الليبية صيف  1969 وفي فجر اليوم من شهر سبتمبر بدأ  يوم جديد بعهد جديد استمر 42 سنة.

محمد شمام واحمد الفيتوري وسالم الكيلاني ورياض شنيب خلفهم
محمد عوض شمام واحد رفاقه ومحمد النيهوم ومحمد عبد الرحمن في رحلة من رحلات كلية التجارة
أحمد فكرون وحسن الهنتاتي واحد رفاقهم ومحمود لحيول وبالخلف فرج الغرياني
من طلبة قسم الفلسفة : فيصل الزقلعي ورمضان زوبي والتهامي مختار وعبد الحميد البرعصي ومها بوغرارة وفريدة العلاقي وفتحية غفير
فتح الله خليفه جبريل
حسن الهنتاتي واحمد فكرون ورفاق آخرين
الألفة والتأخي ووجبة شعبية في رحلة من الرحلات
خليفه المهدوي وحسن الهنتاتي وسعيد البوري والصديق غازي واحد طلبة الكلية العسكرية
لفيف من دفعة سنتي الأولى اغلبهم طلبة بقسم اللغة الانجليزية
الدكتور محمد فرج اغيم يسلم كأسا للهوش وعلى جانبة الايمن العقوري وفتحي قعير
الدكتور مصباع عريبي ونزار قباني اثناء زيارة للجامعة الليبية في بنغازي سنة 1969

كلمات مفتاحية