قهوة سي عقيلة الحلقة (29) بعد أن أوصانا الزعيم

لعل محاولة المقدمين آدم الحواز وموسى أحمد لقلب نظام حكم القذافي، والقبض عليهما مع ثلاثين ضابطًا يوم 7/12/1969 كانت أول ما نبه القذافي للتركيز على الجانب الأمني، فتلك، في الواقع، محاولة مبكرة جدًّا، إذ لم يتجاوز عمر وصوله إلى حكم ليبيا أكثر من ثلاثة أشهر.

هذه المحاولة تبرز، أيضًا، الدور المهم جدًّا الذي لعبته مصر عبد الناصر في حماية هذا النظام الوليد، الذي أعلن مبكرًا قناعته بالفكر القومي الناصري. وهذا لم يكن خافيًا على أحد، بسبب قناعة مصر في ذلك الوقت، والآن أيضًا؛ بأن حكم ليبيا هو شأن داخلي وما تقوم به هو احترام رغبة الليبيين ومساندتهم، وأن تكون علاقتها جيدة مع ليبيا لأسباب ليست بخافية على أحد، في مقدمتها تمازج الشعبين تمامًا خصوصًا في مناطق تماس الحدود، ناهيك عن الجوانب الأمنية، ويخطئ مَن يقول إن غالبية الناس لم تلتف حوله ثورة القذافي في البداية، قبل أن تتضح نواياه، ويخطئ من يقول إن مصر تنكرت ليبيا الملكية، بل على العكس تماما وهذا ما أكده الملك إدريس، رحمه الله، بذاته.

بعد محاولة الانقلاب هذه، وبعشرين يومًا فقط، اختتم المرحوم جمال عبد الناصر زياراته إلى ليبيا وتحديدًا يوم27/12/1969، بعدما أوصانا، في خطابة الشهير الذي ألقاه في جماهير بنغازي بالمدينة الرياضية أن معمر القذافي هو الأمين على القومية العربية.

وكان هذا حدثًا مبكرًا آخر له أهمية كبيرة في توطيد مكانته كزعيم، فلقد عاد القذافي من قمة الجزائر رفقة جمال عبد الناصر والرئيس السوداني جعفر النميري إلى طرابلس، ثم جاء إلى بنغازي رفقة جمال عبد الناصر فقط.

في ذلك اليوم كنت، أمام قهوة سي عقيلة. عند الضحى تعالت الهتافات.. التفتُ مع الناس نحو الشرق، في اتجاه الفندق البلدي.. نهض القاعدون منذ الصباح الباكر على ناصيتي شارع عمرو بن العاص، تدفق الناس من الشوارع الفرعية يغذون زحام الحشد. كانت الجماهير تعرف أن موكب بطليها جمال عبد الناصر ومعمر القذافي قادم من المطار عبر الصابري ثم الفندق البلدي، فشارع عمرو بن العاص، فشارع جمال عبد الناصر وصولاً إلى المدينة الرياضية ببنغازي، ليلقي الرئيس عبد الناصر خطابًا من هناك.

عند باب المقهى الجانبي المفتوح على ناصية شارع نبوس كان هناك خروف، وثق  قوائمه عقيلة الفاح لينحر. كلما تعالت الهاتفات تطاولت الأعناق مشرئبة نحو الشرق لعلها ترى الركب. دخلت القهوة، كان سي عقيله مسترخيًا فوق مقعده، قلت له : «قم ياراجل! عبدالناصر عند ضريح عمر المختار.. اخرج لتراه وتحييه، ويمكن يقول لمعمر: وقف.. وقف خذ معانا سي عقيلة يتغدى معانا!»، أجابني كعاده ساخرًا، ومن دون أن يلتفت نحوي : «إييييه - يا حميدًا عقيلة-.. من أمام هذه القهوة مرَّ (جرسياني) وعمر المختار والملك إدريس، وولي عهده المحبوب.. وبن بيلا، و بورقيبه.. ومحمد عبدالوهاب.. وأم كلثوم، وشكوكو.. وفريد شوقي. شارع عمرو بن العاص مفتوح من الجانبين، تمامًا مثل الدنيا ندخلها من جانب ونغادرها من آخر.. لا شيء يبقى فيها إلاّ الذكرى الطيبة والعمل الصالح.. ».

وهاجت الجماهير، والتقط محمد خليفة الترهوني الخروف يساعده محمود شمام وعوض الطريدي ورفعاه فوق الأعناق.. ولا أدرى كيف نحره عوض شمام فوق الرؤوس؟ كل الذي رأيته أن السيد الرئيس جمال عبد الناصر بقامته الشامخة وابتسامته العذبة يحيي الجماهير رافعًا يد معمر التي لم نعرف، حينها ماذا ستفعل بنا؟ ذلك اليوم عندما رفعت الجماهير، من فوق الأرض العربة التي تقل الزعيمين، أعلن عبد الناصر أنه سيترك لنا معمر كأمين للقومية!!

وبدأت سنة 1970م فتفننت الأبواق التي انتبهت مبكرًا أنه مرحبٌ بها في السلطة الجديدة، ولم يمضِ وقت طويل حتى تحولت أغانٍ كانت وقتها عفوية وجميلة مثل : (على شط الحرية رست ثورة مركبنا) التي غناها زميل دراستنا في السنة الاولي بالجامعة الليبية المطرب عطيه محسن ( عطية العمامي) وتغنت طرابلس (يا أول سبتمبر)، وكثيرة أخرى هي  الأغاني التي أُلفت ولحنت بعفوية وقناعة لتمجيد ليبيا وثورتها كما كنا نعتقد! ثم أخذت هذه الأغاني تأخذ منحنى آخر، انتهى بتمجيد قائد (الثورة) دون سواه، ولم يعترض أو يتململ أحد، على الرغم من أنه أعلن عدم تعليق صوره الشخصية على حوائط المكاتب، وهو الذي منع مكيفات الهواء في المصالح الحكومية، وما كنا ندري أن البلاد ستتحول يومًا ما إلى ألبوم لصوره فقط، وأن الأغاني سوف تصل حد تأليهه، لدرجة أنهم قالوا إنه لم تهب نسمات على بلادنا إلاّ بقدومه، ثم وصل الأمر إلى أن أغنية (على دربك طوالي) التي صارت أهم من النشيد الوطني، إذ ينام الناس ويصحون عليها! والناس تعرف أن الأيام الأولى من بداية ثورة سبتمبر رافقتها أغنية شهيرة للمطرب محمد عبد الوهاب تقول : «إن فات عليك الأسى والظلم فيك احتار.. انده على الثوار يبيعوا أراوحهم في عز أفراحهم»، وقد أحببناها في حينها ثم اختفت بقدرة قادر، لدرجة أن محلا ًمشهورًا في مصر، يبيع الأغاني القديمة اعترف لي بأنها سحبت منذ زمن وبكميات تواجدها ولا أظن أنها متوافرة في السوق، لم تذع هذه الأغنية منذ نهاية سنة 1969م ولا أظن أبدًا أن ذلك حدث مصادفة، والناس تعرف أن إعلامه يتدخل في مثل هذه الأمور؛ حتى أنهم أمروا، بناء على تعليماته، بعدم إذاعة أغنية الفنان محمد نجم: «ليبيا يا نغم في خاطري»، مثلما عرفت من المطرب محمد نجم نفسه.

أنا لا أستطيع أن أجزم بأن مثل هذه الأشياء نفِّذت بأوامر مباشرة، ولكنني أجزم بأن أدواته هي ما قامت بذلك، هل حدث هذا بتعليماته المباشرة أو اجتهاد منهم؟ أنا لا أستطيع أن أقرر ذلك، لأنني وبصراحة شديدة كنت بعيدًا جدًّا عن معرفة هذه الأشياء لأنها لم تكن ضمن اهتماماتي، التي انحصرت في هدف واحد الخروج من دائرة الفقر، بشرف ومبدأ التي (تقرضك ما تربيك).

أحداث متنوعة كثيرة حدثت سنة 1970م : أولها تلك التي حدثني عنها الرجل العسكري الشريف: عمر الحريري، الذي لا أعرف رتبته، من بعد أن باشر عمله العسكري ثانية مع رجال ثورة فبراير2011. عمر الحريري تأذى وسجن في عهد القذافي، على الرغم من أنه كان السبب الرئيسي في عدم ثورة الضباط المبكرة عليه، قال لي: اجتمع الضباط الأحرار المشاركون في (الثورة) في بهو الضباط بمعسكر رأس عبيدة بحضور أعضاء مجلس قيادة الثورة لتدارس عدد من خلافات بدأت تظهر في المؤسسة العسكرية، وكاد النقاش يتحول إلى قتال، إذ تطور إلى حد سحب المسدسات. قال كنت منسق اللقاء وتدخلت، وأنا أعلم أن لي مكانة عند رفاقي، لنضع السلاح جانبًا ونتحاور بهدوء، وانفض الاجتماع على تمرير ما كان القذافي يريده. ولقد طلبت منه، وكذلك صديقي محمد علي الشويهدي، قبل رحيله أن يكتب مذكراته، ولا أعلم إن قام بذلك أم لا؟

ذلك الاجتماع تحديدًا هو الذي ما كان نواة في تفكيك المؤسسة العسكرية التقليدية، ثم تقتصر على الموالين له، أما غيرهم فهم مَن أبعدهم تمامًا عن الساحة كسفراء باتساع العالم، أو سجنهم أو جعل بقائهم أو عدمه يشكل أي خطورة عليه. والحقيقة أن الذين يعرفونه مبكرًا كانوا يتحدثون عن شخصية فرضت عليهم احترامه، مؤكدين التزامه الخلقي والديني في بداية عهده، أما أهم ما هو معروف عنه ذاكرته المتقدمة وسعة اطلاعه مثلما علمت مبكرًا من أمين مكتبته، الذي درس معي سنوات التخصص، اسمه خليفه القروي وكانت تربطه صلة قرابة بأحد أعضاء مجلس قيادة الثورة، فأوفد مبكرًا لدراسة المكتبات وتولى مكتبة القذافي الخاصة.وقابلته بعد سنوات من تخرجنا وكان كما عرفته دمثًا هادئًّا، أخبرني عن اهتمامات معمر القذافي  بالتاريخ، وسعة اطلاعه والمتابعة اليومية لكل أحداث العالم التي تهم ليبيا.

في الحلقة المقبلة سوف أحدثكم عما سمعت ممن كانوا ضباطًا أو جنودًا أو رفاقًا معه، وما حدث لبعضهم.       

عبد السلام عزالدين الثاني من اليمين مع مجموعة ملاكمين بنادي الهلال
من اليمين عوض الطريدي ثم عوض شمسه ومحمد عقيلة العمامي ثم محمد خليفه الترهوني
وصول الطائرة التي تقل الزعيمين جمال عبد الناصر ومعمر القذافي إلى مطار بنينا
معمر القذافي وجمال عبد الناصر
الاول جلوسا موسى احمد وما قبل الاخير جلوسا ادم الحواز
الثاني من اليمين الفنان عطية محسن في حفل التخرج من قسم التاريخ
الحاج عوض حميدان شمام
الفنان ( عبد الوهاب يوسف ) محمد نجم
عقيلة عبد السلام الفلاح من رواد قهوة سي عقيلة ومن ابناء شارع شمسه
دفعتي بقسم اللغة الانجليزية سنة 1970 والاول جلوسا من اليسار خليفه القروي
اللواء عمر الحريري
معمر القذافي اما ضريح عمر المختار 10 سبتمبر 1969 ومن خلفة اعضاء مجلس قيادة ثورة سبتمبر
الاديب محمد على الشويهدي
محمد عوض شمام ومحمد خليفة الترهوني الصديقان القريبان من اهم رواد قهوة سي عقيلة
محمد محمود زيو يتصدر الصورة امام باب شارع نبوس ومن خلفه عمر الأثرم وبجوارة عبد السلام الفزاني وسي محمد الفقي يسار الصورة
من اليمين فرج الغرياني ثم هليل الفلاح وخليفه الفاخري في ديار جليانه

المزيد من بوابة الوسط