قهوة سي عقيلة الحلقة (27) «أحداث أثْرَتْ وأثَّرَتْ في حياتي»

   سنتي الأولى بالجامعة تزامنت مع حدث علمي مهم للغاية هو المؤتمر التاريخي الكبير الذي تناول «ليبيا عبر العصور»، بين 16و23 مارس 1967، الذي شارك فيه العديد من كبار المؤرخين منهم أرنولد توينبي ونيقولا زيادة، الذي تناول مواضيع من المسكوت عنها ولكنها نوقشت بظاهرة صحية علمية من دون تفسيرها بغير حقيقتها.

     ذلك المؤتمر صحح لي كثيرًا من المعلومات المغلوطة، وتفتحت عيناي على حقائق كادت تؤثر تمامًا في مستقبلي، فالعوالم والأحداث التاريخية أخذتني وتمنيت أن تكون لي تخصصًا.

      أما الحدث الثاني فهو تولي عبد الحميد البكوش رئاسة الحكومة، ودعوته إلى فكرة ذات مضامين تتعلق بسؤال الهوية الليبية. فعمل وزيره للإعلام، الصالحين الهوني، مبكرًا على إبراز الشخصية الليبية بمختلف السبل، فكان من تداعياتها مناشط الليلة الليبية في أواخر سنة 1967، ذلك الحفل الشهير الذي أقامته الجامعة، في مبنى الإدارة الأثري الفخم، الذي أُزيل مبكرًا بعد سبتمبر 1969.

      كانت فكرته رمزية بالدرجة الاولى فمن شروط حضوره، والمشاركة فيه من طلبة أو غيرهم أن يرتدوا اللباس الوطني الليبي، وأن تكون برامج الحفل ليبية بالكامل غناءً وتمثيلاً، وكذلك المأكولات والمشروبات. ولقد كان حفلاً رائعًا أشرفت عليه نخبة من الطلبة من بينهم: محمود شمام، والدكتورة فريدة العلاقي، والدكتور محمد المهدوي وعدد كبير من الطلبة، وكثير من فتيات دفعتنا الجميلات. وقام كل من الأستاذين محمد علي الشويهدي وبكر عويضة من جريدة «الحقيقة» الشهيرة في ذلك الوقت، بتغطيته إعلاميًّا. ولقد ابتهج الدكتور هادي بولقمة وكيل الجامعة آنذاك بالحفل.

     وفي تلك الليلة حاول بعض الشباب المتهور دخول الحفل عنوة، وكان إقحام البوليس في فض المشكلة قد يتسبب في مشكلة أكبر، فأخبرته أنني سوف أهتم بهذه المشكلة، فاستعنت ببعض أصدقائي من عيال البحر، كان على رأسهم المرحومان سليمان بيده وعقوب شاكير، المعروفان بعشقهما لبنغازي، وأيضًا صرامتهما وحدتهما مع (الصياع) فتكفل أصدقائي بحراسة المبنى وتفريق المتطفلين، فامتن لذلك دكتور بولقمة، وكانت بداية لصداقة ربطتني به، وتواصلت إلى ما بعد تخرجي وتعييني مسجلاً لأول كلية طب ليبية.

     أما معرفتي وعلاقتي بالدكتور محمد علي العريان، فكان لها الأثر الكبير في تشكيل عقلية شاب مقبل على الدنيا، مندفع من دون قيود. كان موضوع الصحة النفسية، التي كانت هاجسه وموضوعه، قد شكل كثيرًا من قناعتي الفكرية، وإن كنتُ قد شطحت بها بعيدًا ولفترة طويلة ولكنني لم أفقد إيماني مطلقًا، بجانب كان يرفضه تمامًا. وتشاء الصدف أن التقيته بعد سنوات لأكتشف أنه وصل إليه بعقله الذي لم يهدأ طوال معرفتي له. لقد وجدته قد امتلأ بإيمان غيبي عميق كان يرفضه تمامًا. هذا الإيمان العميق هو ما وصلتُ إليه بعد رحلة ضياع طالت ولكن نهايتها كانت مبهجة ملأتني بالسكينة والقناعة بخالق لم يغفل عن شيء بما في ذلك شطحات الشباب.

    شهرة الدكتور محمد علي العريان وصلتني من رفاق قهوة سي عقيلة الذين وصلوا الجامعة قبلي. كان طلبة الآداب من الذين يلتقون في القهوة، ومن بعدها «دكان قدوره عقيلة» يتحدثون عنه طوال الوقت، وكان أكثر المأخوذين به الصديقان طلوبة الريشي وعبد الحميد البرعصي، غير أن محمود شمام وفيصل الزقلعي وفوزي العلاقي وعبد المجيد خشخوشة والهادي السويح والتهامي شعبان، وهم ابرز شلة النادي  الدولي. كانوا معجبين به وبأسلوبه في التعليم. أما معظم الفتيات خصوصًا البارزات في ذلك الوقت فكنَّ يجدن فيما يقوله ما يتطلعن إليه، وهي تلك الحرية التي صادرها مجتمعنا الذكوري من زمن بعيد.

    لم يخطر على بالي أنني سأكون الأقرب إليه، ولم أتصور أنه سيكون ضمن شلة قهوة سي عقيلة، وشلة مكتب عبدالله السوسي، ويصبح صديق سي عقيلة والحاجة وافية. لم أدرس معه سوى مادة واحدة في سنتي الأولى، وهي «الصحة النفسية»، وانتهت بمروره علينا ونحن نجيب عن أسئلته في صالة الامتحان رفقة عميد الكلية. وقف فوق رأسي وكتب على ورقة الإجابة «ممتاز»، وقال للسيد عميد الكلية: «ما درّسته يطبقة في حياته».

    الدكتور محمد علي العريان، أمهله معمر القذافي 48 ساعة لمغادرة ليبيا، تمامًا مثلما فعل مع الدكتور توفيق رشدي، والدكتور عبد الرحمن بدوي، الذي سجل هذه الحادثة في مذكراته بأسلوب أحسسنا وكأننا جميعًا مسؤولون عنه. الدكتور عبد الرحمن بدوي لم يخفِ قناعته بالوجودية كمذهب لدرجة أنه اتخذها سلوكًا في حياته، وكان يؤكد ذلك في مقالاته، التي ينشرها في جريدة «الحقيقة» الليبية ذائعة الصيت في ذلك الوقت، ولقد رافقت في أكثر من مناسبة صديقي محمد علي الشويهدي عندما كان أحد رجال جريدة «الحقيقة» في مهمة الذهاب إليه في مقهى «العرودي» بميدان البلدية، لاستلام مقاله الجديد من بعد أن يتسلم مكأفاة متفقًا عليها، أما الدكتور توفيق رشدي فكنا نعرف ميوله الشيوعية، التي لم يخفها عن أحد.

     يوم محاضرة الدكتورمحمد علي العريان يمتلئ مدرج «رفيق» بطلبة من الكليات كافة بسبب الروح المرحة التي كانت ترافق محاضراته عن الصحة النفسية، ونقده الصريح للأفكار المتزمتة. وكان القذافي المنتسب في ذلك الوقت إلى قسم التاريخ بالجامعة يحضر محاضراته، مثلما علمنا فيما بعد من رفاقه، ولعل تلك المحاضرات هي سبب ترحيل الأساتذة الذين ذكرت.

    ذات يوم دخل علينا الدكتور العريان وفي يده ثمرة أناناس، قال لنا إنه سيأكلها لأنه يحب طعمها، وطلب منا أن نكتب عنها موضوعًا لا يقل عن 500 كلمة. وظللنا فصلاً دراسيًّا كاملاً، نناقش ما كتبناه من بعد أن أبرز نقاط جعلها مدخلاً لمعرفة شخصيتنا، والآن بعد نصف قرن انتبهت أن ما حلله الطلبة بتوجيهاته تحقق منه الكثير. كان في كل نقطة يعود إلى مَن تناولها من علماء النفس، وقرأت كتابًا عن أفكار الفيلسوف، وليم جيمس، كان الدكتور محمد علي العريان ترجمه من أكثر من نصف قرن، وكان اسم هذا المفكر لا يغيب عن محاضرة من محاضراته، ومازلت أذكر قولاً مقتبساً منه ذكره العريان في محاضرة يقول: «إن العربة التي تجرها الخيول بالطلبة نحو كمبردج هي أقرب الطرق إلى السماء»، والمعنى واضح خلاصته أن العلم هو السبيل للوصول إلى الله، والقول يحمل معنى الآية الكريمة التي وردت في سورة فاطر«إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ». والمعنى: لا يخشى اللهَ تعالى حق الخشية إلا العلماءُ الذين عرفوه حق معرفته، سواء تبحروا في علوم الدين أو علوم الدنيا.. سواء درسوا في «كمبردج» أو في الجامعة الليبية. لقد طُـرد العريان مباشرة بعد قيام ثورة القذافي بتهمة أنه زنديق، ودعاه القذافي بعدها بخمس أو ست سنوات إلى طرابلس للمشاركة في مؤتمر إسلامي باعتبار أنه رئيس الجمعية الإسلامية في أستراليا . لقد أحضره طلوبة الريشي إلى بيتي، وكنت حينها في طرابلس، وما أن وصلت بيتي، ووجدت الورقة، التي تركها لي حتى عدت في اليوم التالي إلى طرابلس وأمضيت في حضرته يومين واكتشفت أن الصحة النفسية التي كان يدرسها لنا لم تتغير وإنما أصبحت أعمق. ولقد تبادلنا رسائل أتمنى على الله أن تكون مازالت في المكان التي وضعتها فيه، وسوف أنشرها إن شاء الله. ولقد شاء القدر أن التقيه في أميركا بعد سنة واحدة من رحيلة، وسوف نتحدث عنها لاحقًا.

     سنتي الأولى بالجامعة كانت من أثرى سنوات دراستي وأكثرها استفادة، وعلى الرغم من تشتتي بين الدكان، والجامعة والفندق البلدي، وسهرات جنقي، وعبدالله السوسي وعبد المجيد الدرسي، ويونس البرناوي، ورافع جعودة .. وأشياء كثيرة أخرى إلاّ أنها كلها لم تكن حائلاً دون حضوري إلى الجامعة التي وجدت فيها نخبة من دكاترة أناروا طريقي سواء في محاضراتهم أو جلساتهم الخاصة في الكلية، أو جالسين على صندوقين خشبيين أمام الدكان، وطلبة الجامعة متحلقين حول أحدهم.

     كان مدرج «رفيق» بكلية الآداب مهيبًا، والطلبة الجدد يجاهدون ليكونوا بهيئة الطالب الجامعي المتأنق في شوارع بنغازي بالزي الراقي، والشعر المدهون، ونظارة «بيرسول» الشمسية، فلقد وجدوا أنفسهم في قاعة واحدة مع شابات جميلات أنيقات لا يرون مثلهن إلاّ في الأفلام التي تصوَّر في جامعة القاهرة، عندما كانت الموضة «التنانير» فوق الركبة.

    كانت سنوات ثرية بأساتذة أجلاء، الدكتور محمد علي العريان، الدكتور محمد خيري، الدكتور فوزي جاد الله، الدكتور توفيق رشدي، الدكتور عبد العزيز برهان، والدكتور رضوان. لقد قدم لنا هولاء الأساتذة الأجلاء خلاصة ما يجده الطالب في كلية الآداب، وكان كل منهم يسعى إلى استقطابنا، وتمكَّن بالفعل الدكتور فوزي جاد الله من تغذية بذرة عشقي للتاريخ وكدت أتخصص فيه ولكن تأثير صديقي عبد المجيد وقدرته على الإقناع، وكذلك رأي الدكتور العريان، الذي يكرره دائمًا، خلاصته: «تعلم لغة أجنبية وعندها يسهل عليك الغوص في التخصصات كلها» غيرتني نحو تخصص ما كان يخطر على بالي.

فماذا حدث؟

صديقي عبد المجيد الدرسي كان ينوي دراسة القانون، ولأنني كنت أعرف ظروفه فلقد نصحته بتغيير تخصصه، ولكنه كان مصرا ولم يطل الأمر من بعد حضوره عددًا من المحاضرات بكلية القانون حتى عرض عليّ مقترحًا خلاصته أن أتخلى عن تصميمي على قسم التاريخ فيما يتخلى هو عن القانون وأن ندرس معًا اللغة الإنجليزية، ولقد وافقته وظللت شهرًا كاملاً كمقعد من مقاعد القسم إلى أن انتبه المستر جونس إلى رغبتي وإلى عجزي عن الفهم، فسألني عما لا أفهمه فأخبرته بصراحه تداخل (is، are، am) مع (was) فاقترح أن نلتقي من بعد الظهر، فبدأ في تعليمي من البداية، كان رفاقي يدرسون الآدب الإنجليزي، فيما كنت أدرس أساسيات اللغة الإنجليزية، فكانت انطلاقتي من أسس سليمة حتى النهاية، خصوصًا أنها تزامنت مع قيام الدكتور محمد فرج أدغيم بتدريس مادة الترجمة، فكان لي خير معين وسيظل فضله عليّ كبيرًا، فمن بعد سنتي الثانية بالجامعة تداخلت أمورٌ كثيرة ولولا جهد الدكتور هادي بولقمة، والدكتور منصور محمد الكيخيا، وعبد الحراثي مسجل الكلية في ذلك الوقت، والوقفة الجادة التي لم يبخل بها أحدٌ من رفاق القسم، بالمساعدة في شرح ما يفوتني، وما يلخصونه ما كنت لأجتاز مرحلتي الجامعية، خصوصًا من «برنسيسة القسم» آمال التاجوري التي أصبحت زوجة صديقنا فوزي العلاقي، وزميلتين مصريتين ناهد ابنة الدكتورمحمد خيري محمد علي ويسرية، وبالطبع عبد المجيد الدرسي وحسن الهنتاتي ومصطفى الرايس، ومحمد فرج البرعصي، وسعد سلطان، وفتح الله خليفه، وعمر بازينه، وصبري هاشم، وآخرون لم أعد أذكر منهم سوى مَن تصادفني صورته في ألبوم تلك المرحلة.

     أما سنتي الجامعية الثانية 68/69 بالإضافة إلى كونها منعطفًا كبيرًا في حياتي، هي أيضًا منعطفٌ خطيرٌ في تاريخ ليبيا كلها.

جانب من الحضور بحفل الليلة الليبية
الصالحين الهوني وزير الاعلام وبرامج الشخصية الليبية
جانب من حضور حفل الليلة الليبية
سليمان بيده
عقوب شاكير
من شلة النادي الدولي
من رقصات حفل الليلة الليبية
السيدتين محبوبه اخليفه وأمال التاجوري حينما كانتا طالبتين بالجامعة الليبية
الاستاذ محمد على الشويهدي
مسابقة الزي الليبي من برامج حفل الليلة الليبية
من تمثيليات حفل الليلة الليبية
محمدو شمام في كلمة افتتاح حفل الليلية الليبية على يمينه فريده العلاقي وانتصار مخلوف وخلفه فوزية الفاخري
من رقصات الحفل
من شلة النادي الدولي
" يا بلادي ... يا بلادي " النشيد الوطني والافتتاح

المزيد من بوابة الوسط