قهوة سي عقيلة (25) افضل الجامعات العربية

       نلت الشهادة الثانوية سنة 1967 واتفقت مع رافع جعودة على رحلة ترفيهية إلى أثينا، ولكنه تخلَّف ولحق بي في اليوم التالي، وكانت معه شخصية لم تكن قريبة من قلبي، وتكدرت وعاتبته بحنق، ولكن الأمر لم يستغرق مضي أول ليلة قضيناها معًا. لم يكن علي هويدي بالروين، الشخصية المتغطرسة التي كنت قد رسمتها له، وسريعًا ما اكتشفت كم أنا سطحي في أحكامي، ولكن في اليوم الثاني أو الثالث من لقائنا صارحته برأيي السطحي المسبق، وتأسفت له ولرافع، وحتى كتابة هذه الأسطر ربطتنا صداقة ومحبة متينة، لم تنقطع حتى يومنا هذا، وتشأ الصدف أن اجده قد سبقني طالبا في كلية الآداب.

       خلال تلك الرحلة ناكفنا رافع بتركه، لأنَّه لم يعرِّفنا على بعضنا قبل تلك الرحلة. كانت رحلاتي لأثينا، في تلك الفترة كثيرة، مثلما ذكرت من قبل، لدرجة أنني نافست أحد أصدقائي، الذين قالوا عنه إنَّ الشهور العربية عنده هي: رجب، شعبان.. ثم اليونان. كان لا يحلو له الصيام، مثلما قالوا إلا هناك.

      منذ الستينات ما أن يتوفر لي ثمن التذكرة التي كانت قيمتها، في ذلك الوقت 17 جنيهًا، مع بضعة دولارات حتى أطير إليها، فلقد كوَّنت بها عددًا من الأصدقاء، ناهيك مجموعة الطلبة الذين أُوفدوا مبكرًا لدراسة البحرية والطيران الحربي هناك.

     كان للموسيقى اليونانية صدى عميق في روحي، أهيم مع إيقاعها، ويأخذني شجن الكلمات اليونانية، التي عرفت الكثير منها. ومازلت أطرب للبزوكا اليونانية، وأستمتع كثيرًا بالقهوة اليونانية، التي إن وددت أن أناكف «ستفروس» صاحب مقهى «إنوفتا» أقول له: «هات لي قهوة تركية».. حينها يصفق منضدتي بمنشفه، ويقول لي محتدًّا: «القهوة عندنا يونانية.. وليس هناك قهوة تركية»، وأزيد من إثارته وأحدثه عن السلطان عبد الحميد الذي كان يعشق القهوة، وكانت مما اشترط أن يأخذها معه إلى منفاه في «سولونيك» ومن هناك وصلت القهوة التركية فأسموها اليونانية. ولعل المتابع لانتاجي الأدبي انتبه إلى الحضور المتكرر لليونان  في عدد من رواياتي، ناهيك عن مقدمة طويلة استهليتُ بها روايتي (الكراكوز).

     زرت الكثير من جزرها، وفي تلك الرحلة زرت جزيرة «رودس» وعدت منها محمولاً على نقالة، فلقد كسر لي جندي أميركي ضلعين إثر نقاش أعقب نكبة 1967، وكاد رافع يخنقني فلقد فك الاشتباك بسحبي من رباط عنقي الذي كان ملتويًا إلى الخلف.. ولقد عنفني صديقي علي بالروين، وأنا في حالة يرثى لها، قال: «هذا جزاء الذي يجلس على رمال شاطئ البحر بـكرفتة»، والحقيقة إنني إلى الآن، لا أعرف سبب ارتدائي لها في ذلك المكان، الذي لا يرتدي فيه الرجال قمصانًا.. فمابالك بكرفتات، ولا ترتدي فيه السيدات تنورات.. فما بالك بقبعات؟!

    وهكذا وصلتُ الجامعة بخاطر كسره اليهود وضلعين كسرهما بحار أميركي من المارينز. سنة واحدة درستها في جامعة بنغازي مثلما كان اسمها عندما تأسست في «العهد الملكي» وكانت، بالفعل، جامعة حقيقية.

     ولقد انتشر، فيما بعد، رفاق محمود ومحمد شمام من قهوة سي عقيلة، من بعد نيلهم الشهادة الثانوية باتساع ليبيا، والعالم.. كل يحمل ذكريات تجربته مع رفاق قهوة سي عقيلة، التي ظل روادها خليطًا عجيبًا من وطنيين، وشرفاء، وصياع، وفقراء وأغنياء، خفيفي، وثقال الظل أيضًا. منهم اللصوص، والبصاصون، والتجار والسماسرة والنجاحون والفاشلون.. والرجال وأنصاف الرجال.. وبسبب هذا التنوع العجيب، من بعد أن التحق بنا رفاقنا من طلبة الجامعة، أطلق صديقنا فوزي العلاقي الطالب الوافد من طرابلس إلى جامعة بنغازي على هذا الخليط «رفاق النادي الدولي»، وجعل من البيت الذي استأجره مع بقية رفاقه: فيصل الزقلعي، الهادي السويح، والتهامي شعبان بشارع لحيول، القريب من المقهى مقرًّا ليليًّا للشلة كلها، فصار جامعة مسائية تعلَّم الشباب فيها دروسًا حياتية أخرى.

     كان مقهى سي عقيلة، في فترة من الفترات من الأماكن التي تستهدفها المباحث العامة، في العهد الملكي، وتحديدًا من بعد أن تسربت معلومات عن المناشير التي وُزِّعت من بعد أحداث يناير 64 التي كتبها أحمد يوسف بورحيل في مكتبه، وأحضرها عوض المختار وتولى محمد محمود زيو وعوض عبد الحفيظ شمسه، مثلما أشرنا سابقًا. ولم تكن لهم من وسيلة سوى تكليف عيون تتولى الرصد وكتابة التقارير.

      كان من عادة سي عقيلة، بعدما أدركه الكبَـر، يغادر المقهى متى شاء ويترك أيًّا من الشباب كمسؤول عن إدارته، وذات يوم كان المرحوم محمد خليفة الترهوني مكلفًا به، ولكنه اضطر لمغادرة المقهى، ولم يجد أحدًا من زملائنا ليحل محل، فالتفت نحو «بوليس سري» نحن نعرف أنه يراقبنا وطلب منه أن يتولى إدارة المقهى حتى رجوعه أو مجيء أحد الزملاء! وبالفعل وافق وأخذ على عاتقه إدارة المقهى، وصار من شلتنا منذ ذلك اليوم، ولقد استمرَّ الحال حتى من بعد مرحلة الجتوني.

     كنتُ قد سمعت سنة 1968 الدكتور طه حسين يقول في حديث إذاعي: «إنَّ جامعة بنغازي، هي أفضل الجامعات العربية» معللاً ذلك بأنَّ أفضل دكاترة مصر وأساتذتها معارون للتدريس بها، بناء على تعليمات من الرئيس جمال عبد الناصر. ولقصة تعليمات الرئيس جمال عبد الناصر حكاية أوردها مصطفى بن حليم في مذكراته، قال إنه ذهب إلى القاهرة بكشف، محدد به أساتذة بأسمائهم؛ كانوا حينها نخبة النخب في جامعة القاهرة، ولكن وزير التعليم اعتذر مؤكدًا أنهم الدعامة الرئيسية للجامعة. وصل الأمر إلى السيد الرئيس، فما كان منه إلا أن استدعاه، وسأله عن الذي حدَّد هذه الأسماء. فحاول ألا يجيب عن سؤاله، فقال له: «أريدكم فقط أن تنتبهوا وأن تأخذوا حذركم من الذين حددوا الأسماء الواردة في هذه القائمة. إنَّ الأسماء منتقاة بدرجة يصعب علينا أن نوافق على إعارتهم، ولأنني أعتقد أنَّ مَن وراء هذه القائمة يريد أنْ تتحقق فتنة بسبب رفضنا! ولكننا سنوافق. أريدكم أن تأخذوا حذركم منه أو منهم.. ».

     كانوا بالفعل علماء في تخصصاتهم، منهم ذوو الرأي الواضح المؤثرون في طلبتهم بعلمهم وشخصياتهم. فكان منهم الدكتور عبد الهادي شعيرة، والدكتور عبد الرحمن أبوريدة، والدكتور عبد العزيز طريح شرف، والدكتور طه الحاجري، وتواصلت شخصيات بحجمهم فيما بعد.

     عندما وصلت الجامعة 1967/68 كان منهم نخب معروفة بعلمها وخبرتها، ولكن ما أن حكم القذافي البلاد حتى أمهل عددًا منهم ثماني وأربعين ساعة لمغادرة ليبيا، منهم بحسب ما أتذكر: الدكتور عبد الرحمن بدوي المشهور آنذاك بوجوديته، فقد حبسه القذافي ووثق ذلك في سيرته الذاتية، أما الدكتور محمد علي العريان فهو صاحب فكرة الصحة النفسية والتحرر مما قد يحيدها عن طبيعتها من معتقد أو فكر، وبسبب علاقتي التي توثقت معه ترك لي مقتنياته وأرسلتها إلى القاهرة، فيما سافر هو إلى أميركا. والدكتور توفيق رشدي ذو الفكر الشيوعي. سافر إلى بيروت. لقد كان القذافي يعرف تأثير هؤلاء الأساتذة على الطلبة وخشي أن يقووا شوكتهم عليه.

     وعندما دخل علينا الدكتور محمد علي محمد خيري أستاذ علم الاجتماع في أول محاضرة لنا، في أول يوم دراسي بمدرج رفيق جامعة بنغازي سنة 1967، ومن بعد أن صبح علينا بدفئه ورقته التي اكتشفناها فيما بعد، كتب على السبورة: «انتبهوا.. العمر أقصر مما تتصورون.. افرحوا به واستفيدوا منه.. »، وكانت المحاضرة كلها عن العمر الذي يسرق المرء من دون أنْ ينتبه إليه. مال ناحيتي رفيق الدرب عبد المجيد الدرسي وهمس: «يبدو أنَّ أستاذنا قرّب يسلم الطارقات.. مسكين لا يعرف إين كنا فجر هذا اليوم » والآن من بعد نصف قرن انتبهنا أن العمر فعلاً أقصر بكثير مما نتصور. قلت له حينها إنَّ الفتاة ذات العينين الخضراوين التي رأيناها عند دخولنا المدرج هي ابنته. أجابني: «عارف. اسمها ناهد» ما كنت ولا عبد المجيد نعلم أنَّ الدكتور محمد خيري سيكون أحد أقرب أصدقائنا، وأن ناهد ستسافر معنا إلى بريطانيا صحبة بقية فتيات قسم اللغة الإنجليزية، وتصبح وكأنها أختنا وما كنا لنعرف أنَّها ستظل صديقة نحترمها حتى تخرجنا معًا بعد أربع سنوات من ذلك اليوم.

كان مدرج رفيق بكلية الآداب مهيبًا، والطلبة الجدد يجاهدون ليكونوا بهيئة الطالب الجامعي المتأنق في شوارع بنغازي بالزي الراقي، والشعر المدهون، ونظارة بيرسول الشمسية، فلقد وجدوا أنفسهم في قاعة واحدة مع شابات جميلات أنيقات لا يرون مثلهن إلاّ في الأفلام التي تصور في جامعة القاهرة، عندما كانت الموضة «التنانير» فوق الركبة، ومع ذلك كله لم يسجل بكليات الجامعة آنذاك: الاداب والتجارة والحقوق حادثة واحدة تجاوز فيها طالب او طالبة حدود الأدب والاحترام المتبادل.. لم يكن هناك شيء يقال عن هذه الكليات وطلابها سواء الرقى والاحترام .

كان معظم رواد قهوة سي عقيلة من طلبة الجامعة: محمد ومحمود شمام ورفاقهما كانوا قد سبقوني بسنة أو اثنتين، ولذلك كان لهم الأثر الكبير في انسياب دراستي بتوافق مع ظروفي الاجتماعية التي سبق وأن وضَّحتها. وصلتُ الجامعة وصديقي عبد المجيد الدرسي الذي أتممنا دراستنا الليلية معًا رفقة أحمد المعداني، عبد الفتاح الهلالي، بركة الفسي، المبروك العقوري، مفتاح المطردي، غير أنَّهم اتجهوا إلى دراسة الحقوق، فيما اتجهت وعبد المجيد إلى اللغة الإنجليزية، والحقيقة لم يكن هدفي، ولا نيتي دراستها فلقد كنت مغرمًا بالتاريخ وكان أستاذه في السنة الأولى فوزي جادالله قد زاد رغبتي عنما أخبرني ذات مرة عن «عقليتي» التاريخية. ولكن الأمر لم يتحقق وفق رغباتنا. سوف احدثكم في الحلقة القادمة كيف تغيرت تخصصاتنا.

كلمات مفتاحية