..وأصبحت قهوة سي عقيلة من غير قهوة (24)

مظاهر الرفاهية في البلاد، فرضت واقعها، ولم يعد سي عقيلة قادراً على العمل وأصبحتُ في سن مبكرة، مسؤولاً عن أسرتي المكونة من: السبعيني سي عقيلة، والستينية الحاجة وافية، والتسعينية جدتي الحاجة عيشة، التي لم يشم طليقها «عقوصها»، ناهيك عن أربع شقيقات وشقيقين، وسكن بالإيجار. حينها انتبهت أن أمري ليس بمزحة، أو أزمة موقتة، وكان سي عقيلة يتطلع أن أصبح «بشكاتب». كان لابد لي أن أخرج من دائرة الفقر، ومرتب الأشغال الذي بلغ 38 جنيهاً، مع العمل الإضافي لن يخرجني من هذه الدائرة المقيتة. حاولت أن أطور من المقهى، ولكن من دون رأسمال لمواكبة التطور والحاجة إلى التقنيات الجديدة من ثلاجات وغلايات وكراسي لا يجدي. ورضخ ،في ساعة ضعف، سي عقيلة بمشاركة جار لنا، ولكنه لم يستطع أن يتحمل مشاركة الشريك له في إصدار الأوامر، ففض الشراكة سريعاً.

لقد تولى الرفاق، سي محمد الترهوني، موسى التاورغي، عوض عبد الحفيظ شمسه، محمد شمام، محمد محمود زيو، إدارة المقهى في فترة من بعد الظهر، بل وحتى المساء. فصحة سي عقيلة لم تعد كما كانت، وأنا بعيدٌ عن المقهى طوال اليوم، ورواد المقهى، هم شباب ورجال المنطقة، عقيلة الفلاح، عبد القادر نبوس، منصور، وبوسيف، وجمعة وصالح ومحمد عبد الكريم وفتحي وعبدالله الفقي، محمد بوقرمه، صالح قطيش، سالم أخليف رمضان ورجب اللواحي، محمد المغبوب، عبد السلام البراني، أمحمد بوحوية.

أما رفاق محمد ومحمود شمام، من المدرسة الثانوية، ثم رفاقي الذين لحقوا بهم، فصارت القوة ناديهم اليومي. ومما ساعد كثيراً أن دفء وترحيب شباب شارع نبوس واسنيدل وشمسه، الذين كانوا أيضاً من أساس رواد المقهى، الذي أصبح وكأنه نادٍ لهم.

انتبهت أن لعبة «الجتوني» التي كانت في نادي الهلال، تحصل نقوداً في ساعة أكثر من مرتبي اليومي، لقد بقيت ساعات بجوار اللعبة أحسب ما يدخل ثقبها من القروش، فكان مجموعه، لو حسبنا اليوم كله أكثر من نصف دخلي الشهري بقليل! لم تكن هناك لعبة مثلها إلا في المقهى الرياضي. ولم يعد في رأسي شيء سوى توفير قيمة هذه اللعبة.

فلقد عرفت أن سعرها 85 جنيهاً، وأنها تباع في طرابلس. أقنعت وافية التي لا تملك وقتها من حطام الدنيا سوى أسورة ذهب، أخذتها للصائغ بلقاسم علي حمد العمامي، وهو أخ زوج شقيقتها، وحكت له قصة مشروعي، فأعطاها المبلغ، ثم جاءني في الليلة نفسها. قال لي: «أعطيت أمك ما تريد، والأسورة في الحفظ والأمان، لن أتصرف فيها. فقط كن رجل وسترجع الأسورة إلى أمك». شكرته وقلت له «سوف أعيدها لوافية ومعها خاتم، إن زدت المبلغ إلى 200 جنيه لأنني احتاج إلى لعبتين، ومصروف الرحلة إلى طرابلس»، فتبسم وتواعدنا للقاء في اليوم التالي.

سافرت بحافلة الشركة البرقاوية، وقد أجلسني السائق المرحوم «سعيد البزوطي» الذي كان من سكان نبوس، بالكرسي الكائن خلفه تماماً، بجوار سيدة إيطالية، تتحدث العربية بطلاقة وبلهجة طرابلسية، فهي مولودة في باب بحر، وكانت في زيارة لأختها، التي كانت تسكن في ميدان البلدية. ظللتُ ودوداً، خدوماً معها طوال الرحلة، وكنت أبتاع لها ما تريده من شاي أو قهوة، حتى إنني سددتُ عنها ثمن رغيف خبز تنور اشتريته من أمام مقهى قمينس، ولكنها اتفقت معي على تسديد ما تطلبه وأيضاً ما قد أطلبه أنا أيضاً ! وعندما وصلنا بن جواد نزلت ودخلت على مطعم وبار، وأخذت تتحدث مع فتاة لم تلبث حتى استدعت امها، وادخلني معها صالة يبدو أنه مخصصوة تتبع البيت، وتناولنا طبق مكرونة وغادرنا .قد يكون عمري حينها 16 سنة، أما هي فلعلها تجاوزت الأربعين عاماً. والرحلة طويلة تتواصل لأكثر من عشرين ساعة. حدثتها عن نفسي، وعن سبب زيارتي لطرابلس، ولما عرفت أنها زيارتي الأولى، أكدتْ لي أن لقريبتها فندقاً نظيفاً، اسمه «ستوريا»، كان بشارع متفرع من شارع أصبح اسمه، فيما بعد، شارع جمال عبد الناصر. وتحصلتْ لي منها على سعر مخفض، ولكن ما فرحني أكثر، هو معرفتها للطلياني الذي يبيع ألعاب «الجتوني» :

- «محله في شارع باندونغ الملاصق للكاتدرائية الكبيرة في «بيتسا كاتدرالي»، سوف آخذك إليه.. وأحصل لك على تخفيض أيضاً».

وهكذا صارت السنيورة «إيريني» صديقتي قبل زوجها جواني، وتواصلت علاقتنا، فلقد تكررت زياراتي إلى طرابلس لشراء مزيد من الألعاب، وقطع غيارها، خصوصاً بعدما التقيت رفيق دراستي الابتدائية يوسف بلال، ففتح لي أبواب طرابلس وخباياها، فأخذتني روعتها.

جاءتني اليوم التالي وأخذتني إلى منزل الإيطالي بشارع باندونج، فاشتريت لعبتين، وشحنتهما. وتصورت أنني متى أريد العودة إلى بنغازي أتجه إلى محطة الأتوبيسات البرقاوية، واستقل الحافلة! ولم يخطر ببالي أبداً أن الحافلة على الدوام محجوزة طوال الأسبوع . وكانت تلك مشكلة، فالمبلغ المتبقي بالكاد يكفى إقامة الفندق، ولا أعرف أحداً في طرابلس سوى يوسف الذي كان قد سافر إلى القاهرة.

عدت إلى أوتيل أ«ستوريا» من بعد أن حجزت في أقرب موعد. وكان بعد أسبوع وتحتم عليّ أن أتدبر أمري في حدود ما تبقى لي من نقود. دفعت أجرة الفندق حتى موعد سفري، واشتريت خمس علب من بسكويت كريمة كان مشهوراً في ذلك الوقت، وأربع علب حليب كارنيشن وكان عليّ أن أقضي الأسبوع بهذه المؤن. ولا أدري كيف انتبهت السيدة صاحبة الفندق إلى حالتي، فأخذت تختلق المناسبات لمشاركتها وجبة عشائها.

بعد عودتي لم يعد بقهوة سي عقيله لا قهوة ولا فناجينها. ولا «وجاك» الفحم المتقد دائماً لطهو القهوة والشاي والكاكاو. فقط «بورتيلو» الدنيني، وأناناس المحرصي، و«سينالكو» بومدين، لم يعد بالمقهى لا كراسي، ولا طاولات. «البنك المهوجنو» تلك الأريكية التي لم تتحرك من مكانها منذ اندحار الألمان والطليان وطردهم من بنغازي في نوفمبر 1942 حتى صيف 1965.«البنك فقط» لانتظار المتبارين، الذين يسجلون أسماءهم على التوالي وينتظرون دورهم: وتَك .. تِك وكل «تكة» ونزول سبع كور تسقط القرشين في الصندوق. كان صديقي حسن الهنتاتي، وشلته الرائعة: فوزي بوزر وخليفة البكوش ومصطفى السمين، ومحمد الكاديكي زبائني الدائمين! وكانوا شهوداً على تلك المرحلة. قبل نهاية الشهر عدت لوافية بالأسورة وخاتم وقرطين ذهب، فزغردت.

اطمأن سي عقيلة على المشروع، وانزوى بالمسجد، وجعلوه مؤذناً له. واصل الأصدقاء إدارة المكان مثلما كانوا يفعلون. لقد واصلت مثلما كنتُ قبل مشروع «الجتوني»؛ في الصباح وحتى الظهر موظفاً بوزارة الأشغال، وكان عمر بن حميد يغطي خروجي المبكر لألحق بحافلة شركة السيل الليبية، ثم تعود بي إلى مدرسة بنغازي الثانوية المسائية. وكان شقيقي عبد القادر قد كبر وصار يحلف بالطلاق ويتوعد من يضع «رونديلا» بدلاً من القرشين في ثقب الجتوني. وتحسنت الأحوال المادية كثيراً، واشتريت لوافية موقداً مسطحاً يعمل بالغاز بدلاً من «السبيراتيا».

لم يطل الأمر حتى اشتريت ثلاجة للمقهى من عوض المحرصي بالتقسيط المريح، وبعد قوت قصيرثلاجة صغيرة لوافيه التي زغردت مرة اخرى.وتكررت رحلاتي إلى طرابلس لشراء مستلزمات التشغيل من كور، والإنفاق على أشياء أخرى، دلني عليها مثلما قلت لكم صديق الطفولة يوسف بلال، فأصبح السفر إلى طرابلس لشراء قطع للعبتين مهمة شهرية، فطرابلس كانت في ذلك الوقت قطعة من إيطاليا، وما كان محظوراً في بنغازي كان مباحاً في طرابلس. سنة 1967 نلت الشهادة الثانوية، وأصبحت طالباً بكلية الآداب، ولم تعد لعبة «الجتوني» مربحة، إذ انتشرتا باتساع بنغازي، حتى صارت متوافرة في الشوارع  أمام البيوت. 

يوم 9 أغسطس 1968، أصبحت قهوة سي عقيلة دكان بقالة وخضراوات، برأسمال قدرة 300 جنيه. كانت سلفة من صديقي ابن شارع نبوس سالم أخليف. ومع ذلك ظل «الدكان» كالمقهى تماماً ملتقى للشلة نفسها، وعاد المكان مركزاً رئيسياً لي، فلقد عدت من رحلة طويلة وشاقة تخللتها تجارب كثيرة مفيدة ومغامرات شبابية متنوعة وشجار وأغانٍ شعبية وعراس، وأيضاً ثقافة كان لها الأثر الفعال في تكويني الأدبي.

والواقع أن زيادة دخلي، وانفتاحي على طرابلس تزامن ذلك مع معرفتي بعبد الله السوسي العائد من بريطانيا، الذي عرفني عليه عبد المجيد الدرسي، تفتحت عيناي بمكتبه على عالم ثانٍ لا علاقة له لا بالجتوني ولا بطرابلس، ولا بقهوة سي عقيلة. فتح لي سبلاً ما كان بشاب من دون وازع ديني قوي، أو رقابة صارمة مستبدة من أهله إلا يجربها. ولكن تعرفت بمكتبه أيضاً على أصدقاء مازالوا حتى يومي هذا من أخلص وأقرب الأصدقاء، على الرغم من اختلاف كبير في التفكير، والقناعات في تلك المرحلة، ولكنهم كانوا جزءاً من مرحلة انفتاح واسع وكبير تزامن مع طفرة الشباب. في مكتب عبد الله السوسي، تعرفت على ابن عمه محمد إبراهيم السوسي، الذي كان حينها مقيماً بطرابلس، ومنذ أن التقيته سنة 1966، تزامننا مع مصطفى عمر الكرامي، حتى توثقت صداقتنا وأصبحا وكأنهما أخوان لم تلدهما أمي. كانا لي بالفعل، رغم خلاقات حادة، سنداً قوياً في حياتي، مازال مستمراً حتى الآن . التقيت أيضاً بسعيد فطيس، وعبدالله هويدي، فتحي أحنيش؛ ومصطفى وراضي الكيلاني، وسالم الشيباني، ومحمد البوري. ومنهم عرفت كيف يصطاد المال، وتفتحت عيناي على حياة لا علاقة لها ببراءة قهوة سي عقيلة.
وعلى الرغم من أن علاقتي وعبد المجيد بشلة رجال الأعمال هذه التي توثقت كثيراً لم تنقطع صلاتنا، لا بشلة المرحلة الثانوية، ولا بشلة قهوة سي عقيلة التي أصبحت شلة «دكان محمد عقيلة»، ولا بعمر بن حميد، أما رافع جعودة، فتواصلت وإن ظلت ظروف عمله في طرابلس تحكمها كثيراً.

المزيد من بوابة الوسط