قهوة سي عقيلة الحلقة (23) «الجتوني»

 الذكريات مصدر للتاريخ، وهي تفرض نفسها من دون أي تدخل من صاحبها. أشياء قد تسقط من الذاكرة، وقد يعاد بناؤها، أو تعدَّل من بعد أن ننتبه لرؤيتنا الخاطئة لها، وكيفما يتم الأمر هي ما تشكل رافدًا رئيسيًّا على الأقل للتاريخ الاجتماعي.

تجاربنا رفقة عدد لا يحصى من معارف لابد أنها مختلفة ومتنوعة، وتجربتي الخاصة، لم تنقطع مع أغلب من عرفتهم مبكرًا واستمرت معهم صداقة متصلة. كلهم كانوا وما زالوا أصدقائي ولا يمنعني من الحديث بالتفصيل سوى أن بعضًا منهم أمسوا محافظين جدًا، ولا يرغبون في استرجاع ضياعهم في تلك الأيام. والعجيب أنني التقى عددًا منهم في المساجد خصوصًا أيام الجمع، وكل ما يفعلونه المصافحة والمجاملة والهروب السريع، وأنا أعرف أنهم يثابروا على نسيان تلك الأيام وكأنهم لا يعلمون أن مالك الملك يعلم ماذا حدث؟ والتائب من الذنب لا ذنب له، خصوصًا أن ما قمنا به لم يؤذِ أحدًا فلا سرقنا ولا ابتلينا ولا تسببنا في إيذاء أحد. كلها كانت مغامرات شبابية تصل أحيانًا حد السذاجة.

لم تنقطع صلتي بالجيدين الشرفاء الصادقين مع أنفسهم، والعجيب أنني لم أقطع صلتي إلا بأولئك الذين اكتشفت في مراحل متقدمة جدًا، أنهم بالفعل بائسون في سلوكهم، وفي ذممهم، وادعائهم المثالية، وهم يعرفون جيدًا أنني أعرف خباياهم ورداءة أخلاقهم، بعضهم لصوص، وبعضهم مدعون بالتقوى وتلك الأدعية المتزلفة الكاذبة.

والغريب أنني تعرفت على كثيرين ممن كانوا على النقيض من هؤلاء المدعين المرتشين، لا علاقة لهم لا بالتقوى الكاذبة. كان منهم العابثون، ومنهم المقامرين، ومنهم من لم ينقطع حتى الآن عن فقدان أبعاده على الأقل ليالي الخميس! ومع ذلك كلما حدث سوء لمَن لا يستحقه، أو للوطن أو لمحتاج أجدهم السباقين، يقومون بالواجب بصمت، من دون ادعاء، في حين أنني كلما اكتشفت خارقه أجد أصابع بعض أولئك المدعين بالتقوى. 

أنا، في الواقع ما لبست من قبل ثوب التقوى والكمال، ولا أريد أن أدعيه الآن، اعرف ديني جيدًا، وأعرف حدودي وكذلك تاريخي. فأنا بشر كانت لي أخطاء ولكنها لم تؤذِ أحدًا سوى نفسي. كثيرون هم الذين تعاملت معهم واكتشفت أنه لا ذمة ولا أخلاق مرتشين مزورين، ومع ذلك لا يغيبون عن الصلاة، خصوصًا صلاة الجمعة. تراه بسجادة تحت إبطه وسبحة مخصوصة لهذا اليوم المبارك، ويمشي الهوينا متعطرًا برائحة الصندل، خطواته متناغمة مع هزة رقبة توحي بالتقوى والتواضع، ويتصدر الصفوف، وتكاد ذراعاه تصلان السقف مبتهدلاً مستجديًا مع ابتهالات الأمام. أعرف عددًا منهم كان له تواجد في حياتي ولكنني لا أود ذكره في هذه السيرة التي هي بالنسبة لي كشهادة لا أنوي أن أخفي منها شيئًا، ولذلك عدم ذكرهم هو بالتأكيد لصالحهم، على الرغم من أن بعضهم كانوا من رفاق قهوة سي عقيلة ولكنهم لم يندمجوا معنا، كان هناك عدم قبول لهم من الكثيرين جماعتنا، ولذلك لم يطل بقاءهم، وإن ظلوا في حياتي إلى مراحل متقدمة. 

لعل من أروع ما استفدته من تربية سي عقيلة، ورفاق قهوته في تلك المرحلة، ومن المجموعات الأخرى التي عرفتها بعيدًا عنها ، ثم صاروا جزءًا منها، من بعد أن توثقت علاقاتهم بها، هو معرفة نقاء المرء من عدمه. لا تطول معرفة القادم الجديد، فيقرب منا أو يبعد عنا. 

كان محمد النيهوم، على سبيل المثال، يأتي يوميًّا من شارع سيدي عبد الجليل، رفقة (البلبول)، وعمر الأثرم، وعوض الهوني، الذي كان يشارك زملاءه في المذاكرة بالإنصات، الذي اهتم مبكرًا بالأدب الشعبي وأصبح مؤلف أغانٍ معروف، وأرحيمه القاضي ومحمد الخرم وعبد السلام الفزاني، أما عوض شمسه فمن شارع البعجة وصالح بودجاجة من طريق المطار وأحمد الفيتوري، ومحمود الفيتوري ورياض شنيب وسالم الكيلاني وحسين الفراوي، من وسط البلاد وسيدي حسين والصابري وحسن بن عيسى الجربي ومحمد محمود زيو وعبد القادر البعباع فمن شوارعنا. وكثيرون يمثلون جيل الستينات، أغلبهم كانوا رفاق أخونا الدمث الخلوق محمد عوض شمام منذ المرحلة الثانوية، حتى أتموا الدراسة الجامعية، ومنهم مَن غادر للدراسة خارج الوطن. رفاق شقيقه محمود أيضًا، ورفاقي أيضًا، من المرحلة الابتدائية. ثم التحق بهذا العدد الهائل مَن عرفتهم من عملي بنظارة الأشغال فمنهم إبراهيم سعد الربع الذي كان سببًا في علاقتي بشباب سيدي حسين، لعل محمد علي الشويهدي وإبراهيم الرايس وجمعة الفلاح ومحمد مجاور ومحمد المهدي ورفيق الطفولة كمال عزالدين المدني ومصطفى حمدو، الذي كان رائدًا من رواد الغناء الشعبي. 

أعجبت شبابي بأغنية شعبية، تزامنت مع منهج شعر المعلقات، التي كانت مقرر الشهادة الثانوية لتلك السنة. الأغنية تقول: «مات الشهر الأول وهل الثاني وماريت مولا النياب مجالي.. »، وتستمر فقرات الأغنية تصف وله ولوعة العاشق بعدد أشهر السنة، وتنتهي الأغنية ببرول، الذي يؤكد الحالة استمرت 12 شهرًا.

لا أدرى كيف خطر لي أن تكون موضوع مقارنة مع معلقة امرؤ القيس! وبلغ إعجابي بها أنني تجرأت وغنيتها في فرح ابن خالي، حمد عثمان العمامي، في شارع العوج فما كان من خالي رحمه الله إلاّ أن بعث لي بأحد الرفاق مهددًا بقص لساني إن حاولت الغناء مرة أخرى. كان ومازال صوتي قبيحًا. الأغنية كانت أروع ما غنى صديقي الحاج مصطفى حمدو خصوصًا عندما يتداولها شهرًا بشهر مع إبراهيم الربع. وعمر بن حميد مَن قدمني إلى شلة شارع حموش، جميعم انصهروا معنا في قهوة سي عقيلة ولم ينقطعوا عن شوكة شارع نبوس حتى بعد أن أصبحت القهوة من دون قهوة. أصبحت محلاً للعبة «الجتوني»، وبعد ذلك دكان بقال وخضار. جيلي كان خير مثال على انصهار شباب بنغازي في كيان كان يعي جيدًا أن السبيل إلى نهضة ليبيا والخروج من دائرة الفقر هو العلم. لم ينقطعوا عنه، ولم يغفلوا عن طبيعة أعمارهم والرغبة في خوض التجربة بكل ما لها من أبعاد. 

جميعهم أحسوا بدفء قهوة سي عقيله ونقاء رفقة شبابها فتوثقت صداقتهم. كنت وما زلت وسأظل على الدوام معتزًا بهم، وبتجربتي الكاملة المشتركة معهم جميعًا. لقد أبدع سي عقيلة بفطرة نقية أن يدعم هذه العلاقات النقية، وينبهنا بكلمة، أوبحكمة، أو بقصة عمَن ليسوا من طينتنا. ومازلت اذكر دموع عبد القادر نبوس الذي رافق سي عقيلة في رحلته إلى الحج، وحزن عقيلة الفلاح وعوض على شمسه، وبوسيف وعبد الكريم وعبدالله وفتحي ومحمد الفقي ونيس قطيش وجمعة  الرعيض. 

لم يغب أحد منهم عن عزاء سي عقيلة، ظللت أيام عزائه كلما التفت من منتصف شارع الرعيض نحو مدخل الشارع من عمرو بن العاص، أرى وجوها جاءت من بعيد للتعزية، من مدن كثيرة، كانوا طلابًا في جامعة بنغازي، ورفاقًا عاشوا في بنغازي وعادوا إلى مدنهم: هون أو مصراتة أو الخمس أو طرابلس ومن فزان. 

ومن بعد رحيله بسنين التقيت وجوهًا لم أرها لسنوات طويلة في عزاء المرحوم عوض شمام، قابلت كل الوجوه التي تعرفت عليها بقهوة سي عقيلة، ، وما سألت عن أحد لم أره إلا وعرفت أنه رحل عنا. 

لقد تربيت بفطرة سي عقيلة، فجعلني وهو على قيد الحياة «رب الأسرة»، وسوف ترد لاحقًا أمثلة على هذه الفطرة. لقد جعلني أجيد انتقاء الأصدقاء وفوق ذلك جعلني أعتذر إن أخطأت وأعود سريعًا ما أن أحس أنني جنحت قليلاً. 

 في منتصف الستينات، بدأت مظاهر الرخاء تظهر بوضوح في بنغازي، في الملبس والمأكل. وكبرت شقيقاتي، ولم يعد يرضيهن ما اعتدنا عليه، فرفيقاتهن تغير ملبسهن، ومظهرهن وكان من الطبيعي أن يتطلعن لمجاراتهن. بحثت عن عمل إضافي، وتوسط لي أحد أصدقاء سي عقيلة للعمل من بعد الظهر طباعًا في شركة السيل الليبية في الفترة المسائية، فكان الرفاق يغطون ساعة أغادر فيها قبل نهاية الدوام وكان عمر بن حميد يتكفل بالتوقيع نيابة عني، وكان المرحوم محمد إستيتة، والحاج عبد الرازق لياس يغضان النظر عن مغادرتي المبكرة، لألحق بحافلة شركة السيل التي تقلني إلى مشارف بنغازي، وما أن عرف الإيطالي مدير الشركة، الذي ترجم له سي سعيد جربوع، والد أخينا بشير، ظروفي، وأنني طالب بالمدرسة المسائية، حتى سمح لي بالمغادرة قبل الموعد المتفق عليه، بل وحتى قبل ذلك إن كنت قد أنجزت ما هو مطلوب مني. وفي شركة السيل كونت صداقات مع اليونانيين: ميكيلي وفاسيلي ليفدارس، واقتربت كثيراً من صديقة إيطالية اسمها (أنجلا) كادت تصبح زوجتي، وأذكر كيف نذهب في الأماسي إلى سينما «ركس»، وكيف ننتظر أمامها بحسب النظام الحضاري المبكر في بلادنا. ولقد سخر منها فاسيلي عندما انتبه لعلاقتي بها،لأنه كان من (عيال) يوناني شارع محمد موسى، شاهدها وهي تزور وافية التي كانت ترفع كفيها إلى السماء وتبتهل إلى الله أن يميتها مسلمة. سخرية فاسيلي كانت عندما قال: «استمري مع هذا (الآرابو) وسوف يلبسك ( البراكانو) وهي العباءة الليبية التي تخفي قوام السيدة كله، ولا ترى منها إلا العين، وكانت العباءة السوداء تسمى الجربي، ولم يعجبني تعليقه فانتظرته أمام باب الشركة، متأهبًا لعركة ، وانتبه فاسيلي لنيتي فشكاني عند المدير، الذي استدعاني وفهم مني سبب ذلك. وتبسم واستطاع أن يمتص غضبي، بأسلوب أقنعني من خلاله أنه معجب بشهامتي التي لا تختلف عما يقوم به أحد، لو أنه تطاول على صديقته، وبأسلوب هادئ سلس، أفهمني أن مثل هذه الأشياء لا تحل بالعراك، محاولاً أن يزرع بذرة حضارة في كيان شاب ليبي قليل الخبرة. ورحلت أنجلا مباشرة مع من رحلوا بعد نكبة يونيو 67 ولم تمت مسلمة مثلما تريد وافية.