الترهوني: صوت المثقف بالعالم الثالث يشبه النحنحة وسط الجحيم

نظَّم قسم البرامج والأنشطة الثقافية في مدينة بنغازي، التابع للهيئة العامة للإعلام والثقافة، الأربعاء، ندوة للكاتب الليبي محمد الترهوني بعنوان «ثقافة البؤس» بمركز وهبي البوري. 

تناول الترهوني بالندوة العلاقة بين المواطن والدولة، وعلاقة المثقف والتحديات التى يواجهها مع العصر والسلطة، فيقول الترهوني: «كيف يمكن أن نفكر في موضوع الانتقال من المواطن إلى المثقف، ليس المثقف الذي يرضى بفهم كل شيء ويظل نائيًا عن المعترك، فهذا المثقف الذي ينأى بنفسه عن الخوض بالمعترك، والذي ينوي فهم كل شيء، لا يفهم نفسه في الواقع، لأنه يؤكد على التمايز بين الوعي وما هو خارج هذا الوعي، هذا التمايز لا يوجد إلا في عقل المواطن، فهذا الأخير لا يتحقق وعيه بذاته إلا في وجود دولة خارجة عنه ليس لديه معرفة تامة بها، أما المثقف فيخوض المعترك لتكون الدولة هي الواقع الذي تتحقق فيه الأنا الواعية بذاتها، في هذا العصر الذي يمكن النظر إليه كعصر المواجهات الأخيرة».

وأضاف الترهوني أن «في هذا العصر، تقبل الدولة المواطن وترفض المثقف، الدولة التي يترك فيها الوعي الفقير في العراء، حيث على الفقراء أن يأكلوا بعضهم، تاركين الدولة في وضع مطمئن، لأنهم لا يرونها، أو لأنها منعت عنهم شروط الرؤية الصحيحة».

 ويرى الترهوني أن المثقف في العالم الثالث هو أكثر الناس شعورًا برداءة عصره، موضحًا: «لأن المثقف يعيش في عزلته محاولاً نفض آثار البؤس التي يتركها الواقع عالقة بروحه، عاجز عن إدخال الحياة اليومية في هذا العالم الثالث بمجال التاريخ، فمرور الزمن في بلدان هذا العالم البائس لا يحدث أي تغيير».

ويصف الترهوني ثقافة العالم بـ«ثقافة التكرار لا الإبداع»، قائلاً: «إنها ثقافة الحفظ وليس التفكير، ثقافة التلقين والدفاع عنه، ثقافة فقيرة لا تنتج إلا وعيًا فقيرًا، ثقافة لا تنظر إلى التاريخ إلا كحافظ للذاكرة، ولا تأسيس لوجود هذا التاريخ إلا إذا حمل صفة التكرار، الرتابة هي الشاهد الوحيد على كفاءة هذا التاريخ، فهذه الثقافة لا تنظر للمثقف الواعي بذاته وبالواقع الذي يعيش فيه إلا كحيوان مفترس لا يؤمن جانبه، أو كإنسان لا يطاق ويشعر دائمًا بالتقزز من الغباء والبلاهة والبلادة، لهذا يجب إبعاده والتخلص منه، ليس لأنه يجسد قمة الشر، بل لشدة يأسهم منه، إن الأسباب وراء هذا المشهد البائس غامضة بالنسبة للكثيرين، لكن بالنسبة للمثقف هي الأشد إفزاعًا».

وفي ظل هذا الواقع يرى الترهوني أن صوت المثقف في العالم الثالث يشبه «النحنحة وسط الجحيم»، قائلاً: «كلمات المثقف تبلى مع أثواب البسطاء، لأن الأسئلة التي يطرحها تحاول قول الحقيقة عن الواقع الذي يعيش فيه».

وعن مسيرة التقدم يقول الترهوني: «لقد انصرمت ألفية كاملة من التكرارات، ووصلنا لمفهوم نهاية التاريخ في حين نحن قد توقفنا سلفًا ومنذ زمن عن تقديم أي تغيير بمسار هذا التاريخ نحو التقدم، وصلنا لمفهوم الدولة الكاملة في حين نحن قد توقفنا عن محاولة تكوين دولة، وصلنا لمفهوم الليبرالية الجديدة، في حين نحن لم نعرف الليبرالية القديمة، وصلنا لمفهوم ما بعد الحداثة ونحن لم نطرق باب الحداثة، وصلنا لمفهوم اقتصاد السوق في حين نحن لا نمتلك سوق، وصلنا لعصر الاستهلاك في حين نحن لم نستهلك إلا الأحلام، نحن نعيش في عالم تحكمه هذه المفاهيم، والمفارقة أنها تحكمنا رغم القليل الذي نعرفه عنها، من رحم هذه المفارقة تولد ثقافة البؤس».

ويجيب الترهوني عن سؤال ما الذي يعني أن تعيش على تخوم حضارة أخرى متقدمة؟، قائلاً: «هذه الحضارة تجعلنا نرى أفكارًا ومفاهيمَ ليس لها وجود في واقعنا، نسمع عن الحرية، الديمقراطية، المدنية، حقوق الإنسان، لكنها مجرد سراب، هذه الأفكار والمفاهيم لا يمكن القبض عليها جاهزة، على أفراد المجتمع خلقها، عدم امتلاك القدرة على ذلك هو ما يجعل منا مجتمعات حزينة تفتقد البهجة، وفقدان البهجة يعني عدم القدرة على الفعل كما يقول سبينوزا، الأنظمة السياسية في بلدان العالم الثالث تستمد سلطتها من هذا الحزن، هذا الحزن الذي يتحول مع الوقت إلى شكوى مستمرة، والشكوى تتحول مع الوقت إلى نوع من المطالبة الصامتة، مطالبة بالحرية، الديمقراطية، المدنية، والمطالبة بأقل الحقوق الإنسانية».

وأضاف: «هذه هي ثقافتنا، ثقافة الشكوى والرثاء والحزن، شكوى لم تكن أبدًا منبعًا لأفكار عظيمة، إنها في الحقيقة منبع ثقافة أن ما يجري هو أكبر مني، أكبر مما أحتمل، حتى السلطة في هذه البلدان حزينة، دولوز قال كل سلطة حزينة، حتى لو بدا أن مَن يملكونها مسرورون بامتلاكها». 

ويصف الترهوني حقيقة ما نعيشه بأننا «نعيش على تخوم الحاضر، والعالم يعيش في كل أنواع الما بعد، ما بعد الحداثة، مابعد الكولونيالية، ما بعد النسوية، والواضح أننا لا ندرك إذا ما كان الحوار بيننا وبين هذه المابعد تناحريًّا أم اندماجيًّا، الثقافة في بلدان العالم الثالث تكافح ضد التخلف السياسي والاقتصادي والاجتماعي من أجل التقدم، لكنها تكافح ضد هذا التقدم برفضها النظام العالمي الجديد، بوقوفها في وجه العولمة، واقتصاد السوق، وخلق مستهلكين جدد، وتستخدم في هذا الكفاح المرير صيغًا ثقافية قديمة ورجعية في كثير من الأحيان، هذه الصيغ لا تقدم الحلول لمشاكلنا المضنية، لأنَّ المشاكل بنظام عالمي جديد تحتاج لصيغ عالمية ومثقف عالمي، فكيف لمثقف محلي محدود الفكر والاطلاع، التفكير في جنولوجيا الحداثة في الدول المتخلفة، أو في الفرق بين دوافع الاستهلاك في العالم المتقدم والعالم المتخلف، أو التفكير في التشوه الذي يحدث في مجتمع يعيش يوميًّا الحداثة بعقلية لا تستخدم مفاهيم الحداثة ولا تستخدم مفاهيم التقدم.».

ويرى الترهوني أنَّ المثقف في هذه البلدان تحول إلى مجرد مواطن لا يفكر في ما نفعله بالعالم ولا ما يفعله بنا العالم، «لا يفكر في الحرب والجوع والفقر والجهل والمرض إلا كشأن سياسي بامتياز، والسلطة لا تنظر إلى الثقافة إلا كشأن شخصي بامتياز، هذه العلاقة بين الثقافة والسلطة تبعد شبح تحول الثقافة كفعل مقاومة، ثقافة ترفض محليًّا ممارسة السلطة كنوع من العلاقة بين السيد والعبد، وترفض عالميًّا سياسة النظام العالمي الجديد الذي يطرح نوع العلاقة الوحيد معه وهو علاقة السيد بالعبد».

ويجد الترهوني الأدب قد وقع بين التناقض بين وعي المواطن الممتثل والثابت، ووعي المثقف المضاد والمتغير، فيقول: «لهذا ينبغي على الأدب أن يرتكز على البحث، لكن ليس من داخل دائرة الأدب، بل من الخارج، من قلب العلوم الإنسانية، هذا إذا أراد تعرية الواقع، كلمة الواقع تبدو لكل الناس بسيطة ومفهومة بشكل فوري ومباشر لدرجة أنها أصبحت مبتذلة ومسطحة، لكن في حقيقة الأمر الواقع كلمة غامضة، لأن ما تشير إليه مجهول ولا مرئي، ولكي يكشف الواقع عن نفسه لابد من البحث، لابد من رفع الستار الذي يقف بيننا وبينه، هذا الستار المكوّن من الأدب التافه، الإعلام المزيف، الصحافة الكاذبة، الثرثرة السطحية على مواقع التواصل الاجتماعي، هذا الستار المفرط في قذارته يقوم في كل لحظة بصوغ نظرتنا لأنفسنا والعالم، وهو الذي يقوم بصوغ الواقع».

ويصف الأدب المرتكز على البحث بأنه «يكشف اليد التي تسدل هذا الستار، وكيف يحقق صاحب هذه اليد مكاسب على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي من خلف هذا الستار، أو بمعنى آخر من خلف التجهيل المتعمد والتعمية والبؤس الذي يرافق محولة جمع أدوات فهم الواقع، لا شك أن منتج الأدب، الباحث عن البنيات الأساسية التي تشكل الحياة اليومية، ستنظر إليه ثقافة البؤس كشاذ عن المألوف وخارج عن السياق ومخالف لأنماط الأدب الذي تعززه ثقافة البؤس».

وأضاف: «أدب ثقافة البؤس مبتسر ومبتذل ولا نبض فيه، هذه هي ثقافة البؤس، ثقافة مستهلكة وعقيمة، ترفض الابتكار والتجديد، لا تفهم إلا ما يتفق ومقاييسها الوضيعة، لهذا لا يتم فيها الاحتفاء بموهوب إلا إذا كانت له رؤية للعالم تماثل رؤيتها، وعلى هذا الموهوب أن يكتب أدبًا يشبه أدبها، مثل هذا الكاتب والأديب والشاعر ليس أكثر من شاهد رديء على واقع رديء، مثل هذا المثقف يكرّس البؤس ولا يرسم ملامح التغيير، من هنا حرص ثقافة البؤس على خلق مثقف سلبي لا ينوي التدخل في شؤون المجتمع أو المساهمة في تغييره».

المزيد من بوابة الوسط