«قهوة سي عقيلة» الحلقة (21) القاهرة وعشقي المبكر لها

الحقيقة أنني رأيت القاهرة قبل أن أرى طرابلس، بل قبل أن أرى أية مدينة ليبية باستثناء درنة، التي مازلت أذكر رائحة شوارعها الزكية بفلها وياسمينها، وأشجار موزها ويارنجها عندما زرتها ضمن مجموعة من مشجعي نادي الهلال، داعمين الفريق الذي كان له لقاء مع فريق نادي الاتحاد، كان ذلك في مطلع ستينات القرن الماضي، ولكنني لا أذكر التاريخ تحديدًا. 

علاقتي بمصر توثَّـقت من أول زيارة إلى الإسكندرية كانت في أواخر سنة 1963. في المحطة التقيت المرحوم فتحي الحداد ومحمد كوانا، أخبراني بأن أفضل السائقين في ذلك الوقت هو الرجل العصامي سليمان المالطي، الذي تواصلت صداقتي له من تلك الرحلة حتى رحيله. وصلت إلى الإسكندرية، وبعد يومين، أو ثلاثة سهر معنا محمد المجبري، كنت أعرفه من أيام مدرسة الأمير، كان لاعب كرة قدم جيدًا، وكان يلعب حينها لنادي التحدي، ويمتهن قيادة سيارة «فوردينا» ميكروباص لنقل الركاب من وإلى الإسكندرية، كان برفقته فهمي القماطي، وما أن عرفا نيتي لزيارة القاهرة حتى اتفقنا على رحلة لمدة ثلاثة أيام.

بعد وصولنا إلى القاهرة استأجرنا شقة لمدة ثلاثة أيام، تركت الرفاق في الشقة، وذهبت لمعايدة الحاجة فاطمة، التي كنا نعتبرها وكأنها جدة أطفال شارع نبوس كلهم. كان يرافقها شقيقها أمحمد وحفيدها محمود شمام. وكان فندق السنترال بميدان العتبة المفضل لليبيين. ذهبت إليه وقضيت الصباح معها، ثم أخذني محمود إلى مطعم أذكر أن اسمه «الحاتي» وكان من طابقين، طلاؤه أبيض وأبوابه وشبابيكه خشبية باللون الأخضر، كانت كفاترينات تنسدل منها ستائر بيضاء. كان نظيفًا، جيد الإضاءة، مفارش مناضدة ناصعة كـ«الجمار». تناولنا وجبة جيدة ألحقها محمود بطلب طبق اسمه «عيش سرايا» لم أذق مثله من قبل، وظلَّ طعمه طويلاً في ريقي. مررت عليه مرارًا كان في ناصية شارع 26 يوليو، المقابلة لحديقة الأزبكية التي كانت مشهورة في ذلك الوقت باتساعها وبعدد المرافق الخدمية السياحية فيها، وهي التي أقامت بها أم كلثوم عددًا من حفلاتها. ولما غبنا عن مصر طويلاً، وددت أن أزور المطعم ولكنني لم أجده ورجحت أن العمارات التي أُقيمت على جانبي الشارع شيِّدت على أنقاضه. وذات يوم شديد الحرارة وأثناء عبوري الشارع نحو المنطقة التي تعرَف الآن ـ«الاسعاف» عند دار القضاء العالي، فضلت أن اتخذ من الشارع الموازي من جهة اليمين طريقي متفاديًا شمس يوليو الحامية، وما أن مشيت قليلاً حتى وجدتني أمام مطعم «الحاتي»! لم يعد كما كان تغير بياضه، وعدلت ألوانه، وأصبح له قسمٌ للعائلات، تماشيًا مع التحول الاجتماعي. كان مقفلاً مهجورًا. وقفت أمامه برهة متحسرًا على جزء من ذاكرتي أصبح أثرًا.. وإن كان بقاؤها، حتى الآن، فضلاً من رب العالمين. 

ثم عدنا إلى الإسكندرية، فلقد كان هناك مَن ينتظرني ولم يكن من اللائق أن أترك بقية الرفاق ينتظرون. ولكنني لم انتبه أن سحر القاهرة قد تملكني فعدت لها، في شهر أبريل سنة 1964، من بعد أن همدت لوعة ما حدث لجيلنا جراء مأساة 14 يناير من العام نفسه، وهو الأمر الذي سنتناوله في حلقتنا التالية.

أول شهر أبريل متميز في القاهرة، بربيعه، وبنسائم ليله البديع، فكان لتلك الزيارة وقع جميل. لم تنقض أشهر حتى عدت إليها لثالث مرة ولكن بسيارة المرحوم محمد شمام الـ«فولكس» الفستقية رفقة عوض الطريدي ومختار بزيو، ثم لحق بنا محمود شمام بطائرة خطوط المملكة الليبية. 

ولهذه الرحلة في نفسي ذكرى لموقف سي عقيلة الذي سيظل ماثلاً أمامي حتى نهاية العمر، إنه من المواقف العديدة التي جعلني أضع همساته وتذكيره لي بالمهمة التي أودعها عندي كأمانة مقدسة. لم تكن له أمنية سوى أن يهنأ على بناته، وكان ينبهني على الدوام إلى وعد جعلني أقطعه على نفسي بشأنهن. كنت كثيرًا ما أستلف منه على المرتب، فيمنحي ما أطلبه منبهاً أنه ليس بسلفة، ولكنه أمانة لواحدة من شقيقاتي.

كنت قد عدت من القاهرة قبل تلك الرحلة بنحو شهرين، ولذلك عندما قرر رفاقي السفر، لم يكن بمقدوري رفقتهم بسبب قلة المال ثم عدم تمتعي بأية إجازات من المصلحة التي كان يحكمها، شأن المصالح الحكومية كافة، الضبط والربط. كنا قبل مشروع تلك الرحلة نلتقي في قهوة سي عقيلة، وعندما يقبل الليل ننتقل لنسهر في منزل مختار بزيو، ولكن عندما قرروا السفر إلى القاهرة أخذوا يستعدون للرحلة بشراء ما يحتاجونه من السوق، كنت أنتظرهم في المقهى حتى يعودوا. صحيح كنت أريد مرافقتهم ولكن الظروف كانت لا تسمح بذلك، ولم أنتبه أن سي عقيلة يراقبني وخُـيِّـل له أن بقائي في انتظارهم تحسر مني على عدم مرافقتهم، فأخذ يناكفني ولكنني لم أعره انتباهًا. وكرر المناكفة، إذ كل ما يمر بي يثيرني، بأسلوبه اللاذع أنني كالخاسر المسكين، أوضحت له أنهم عرضوا عليّ مرافقتهم ولكنني اعتذرت بسبب الإجازة. وكرر أنه يعلم أني مفلس وكنت بالفعل كذلك. وبلغ من إثارتي حدًّا هددته بمغادرته المقهي، ولكنه تبسم وسحبني من يدي ودخل بي المقهى خلف النضد مباشرة. كان من عادته ارتداء «الشملة»، وهي لمَن لا يعرفها ذلك الحزام الصوفي الأحمر الذي يطوى ويلف حول الخصر، فيكون الحيز بين الطيتين كحافظة للنقود.

فك الشملة وأدخل سبابته بين طياتها وهو يلفها فتتساقط أوراق نقدية: ربع جنيه، جنيها كامل، خمسون قرشًا خمسة جنيهات، أما العشرة فلم يكن منها سوى واحدة، واستمر هكذا حتى النهاية، ثم طلب مني عد المبلغ فكان ستة وأربعين جنيهًا. قال لي: «اترك الستة جنيهات وخذ الأربعين واذهب مع رفاقك»، أفهمته أنني لست متلهفًا، ثم أنه لا إجازة لي وبالتالي لا أستطيع الحصول على تأشيرة من دون رسالة من المصلحة، وفيما كنا نتناقش، عاد الرفاق فقال لهم: «لو تأجلوا سفركم يومًا واحدًا سيذهب (أحميده)عقيلة معكم..». الحقيقة أنهم فرحوا وابتهجوا بقراره، ولكنني أخبرته عن مشكلة الإجازة والتأشيرة، أكد لي أنَّ غدًا الساعة 10 سوف تأتي لي بالرسالة، وبالفعل كان قد نسق مع صديقه محمد سالم ناظر الأشغال، وجاءني في الموعد برسالة الإجازة، وسلمها إلى الضابط طاهر الجحاوي، أحد الشخصيات الطيبة التي عرفتها في المقهى. أخذ جواز سفري، وطلب مني أن أمر عليه عند منتصف النهار في مصلحة الجوازات، كانت حينها مبنى قديمًا من دورين، قائم مكان المجمع الإداري المجاور لبنك ليبيا، مثلما كان يسمى في ذلك الوقت. تسلمت جوازي وسافرنا في مساء اليوم نفسه.

نزلنا في فندق السنترال بميدان العتبة، دفعنا جنيهين كاملين مقابل غرفتين لليلتين، وبسبب ملهى صفية حلمي الذي اكتشفناه ليلة وصولنا بالصدفة بالقرب بناصية حديقة الأزبكية، وعرفنا (علي عوض) ، فأجلنا انتقالنا إلى شقة مفروشة في الدقي، كان الإعلان عن فقرة شكوكو، والراقصة تحية كاريوكا سبب بقائنا في الفندق ليلة ثانية. وكدنا نزيد ليلة ثالثة بسبب المطرب محمد عبد المطلب.

الأناشيد تصدح في كل مكان، وفرصة اللقاء بآمال فهمي صاحبة برنامج «على الناصية» واردة، ظللنا نتصيدها ولكننا لم نفلح، كنا نتابع هذا البرنامج في ليبيا بعد صلاة الجمعة مباشرة. كان تأثير إعلام ثورة 23 يوليو على عقولنا، خصوصًا من بعد ما حدث في 14 يناير. كان مؤثرًا لدرجة أن أغاني ثورية عن ناصر، والأمجاد، والسلاح، والوحدة العربية، والصورة التي تجمعنا كلنا، تسبق، أحيانًا، الأغاني العاطفية خصوصًا ونحن في مرحلة تتغلب فيها عواطف الحب العذري. كنا نعرف عن مصر أكثر مما يعرف أهلها عنها. كان معظم مدرسينا خلال المراحل الابتدائية، الإعدادية والثانوية بدءًا من الخمسينات وحتى السبعينات مصريين، أما المرحلة الجامعية فقد كانت مصر بتوجيه من الزعيم جمال عبد الناصر تندب إلينا أفضل أساتذتها. 
شاهدنا الأهرامات، وركبنا مراكب النيل. وعندما اكتشف المرحوم عوض الطريدي أنَّ الذين يتناولون إفطارهم، مثلنا، من بعد سهرتهم الصباحية، المتحلقين حول الطاولة التي بجوارنا بمطعم «التابعي الدمياطي» للفول والطمعية بالتوفيقية، هم هدى سلطان وفريد شوقي وسامية جمال، نهض منفعلاً مشيرًا إليها: «سالمة جمال.. سالمة جمال!». نظرت نحونا ضاحكة مندهشة، فقمت إليها وقلت لها إن صديقي هذا مأخوذ بفنها، وهو مواظب على مشاهدة أفلامها كلها. ورجوتها أن تسمح له بمصافحتها فانفجرت أساريرها بضحكتها الجميلة، وقالت: «وح أبوسه وأرقص له كمان.. ». وكان عوض يراقبني من بعيد وانتبه إلى حالة الترحيب. عدت إلى عوض وأخبرته أنها ستقدِّم له يدها، وعليه أن ينحني ويقبلها. قام جذلانًا، وما أنْ مدت له يدها حتى انحنى وقبلها. والتفت نحونا وهتف: «واووووو» رحم الله عوض الذي لم أشاهده طوال معرفتي له إلاّ متبسمًا. 

منذ ذلك التاريخ صارت مصر قبلتي، طفت معظم مدن العالم وعشت في بعضها، ولكن عشقي للقاهرة ظلَّ متأججًا منذ أن جئتها أول مرة. ولم تنقطع صلتي بها، ولا أعتقد أنَّ وهج عشقي سيخبو ما دمت حيًّا، مع أنَّ الجرح الذي تركته هزيمة 1967 لم يندمل تمامًا، حتى إن فرحتي بنيل الشهادة الثانوية في تلك السنة لم تنسني أوجاع مرارتها. كنت حينها قد عرفت كيف أطير إلى اليونان كلما توفرت لي حفنة دولارات، وكان صديقي المرحوم محمود التهامي من ضمن الذين أرسلتهم الدولة لدراسة الطيران الحربي هناك، فسهَّـل لي معرفة البلاد والعباد، وكانت الرحلة تستغرق أقل من ساعة ولا تتجاوز قيمة التذكرة ثلاثين جنيهًا ليبيًّا، وهو المبلغ الذي كنت أتقاضاه كمرتب شهري من شركة السيل الليبية نظير عملي بها بعد الظهر كطباع. 
بعد نيلي الثانوية، وهزيمة 6 يونيو، اقترح صديقي رافع عمر جعودة أن نسافر أسبوعًا إلى أثينا، وانضم إلينا صديقنا علي هويدي بالروين. كان عار الهزيمة يلاحق العرب كلهم، وكانت سخرية الأوربيين منا بالغة. وذات عشية بجزيرة رودس، سخر منا جندي أميركي، ولما هددته متوعدًا بأنني سأقوم له، قال ساخرًا، مثلما قام العرب لإسرائيل فقمت له غاضبًا لأفيق بالمستشفى بعد أن كسر لي، والحمد لله، ضلعين فقط! فعدت طريح نقالة إلى بنغازي. 

بدأت سنتي الأولى 67/68 في جامعة بنغازي بخاطر كسره اليهود و(ضلعين) كسرهما جندي أميركي. وفي تلك السنة الثانية 68/69 أوفدت الجامعة، كعادتها، المتفوقين برحلة إلى المغرب، عاد منها محمود شمام بأغنية عبد الوهاب الدوكالي (كتعجبني) فظللنا نرددها عامًا كاملاً، ربما محبتنا وتحيزنا لهذه الأغنية من باب رغبة في التخلص من سيطرة الفن المصري على أمزجتنا، وربما لننتبه أن العالم العربي ليس القاهرة فقط، التي لم نكن نعرف غيرها، فلا أذكر مثلاً أن أحدًا من جيلي سافر إلى بيروت، مثلاً، إلاّ بعد يونيو 67 ولذلك أظن أن انفتاحنا على بقية العالم العربي سببه نكسة تلك السنة. فلم يكن من دول الخليج دولة معروفة لنا غير السعودية، أما الشام فلم نكن نعلم عنه سوى القليل جدًّا. الواقع أن العامين 66-67 كانا بالنسبة لي منعطفًا بالغ التأثير في حياتي، ويتعين أن أتناول سنواتي في أفضل الجامعات العربية في ذلك الوقت. ولكن دعوني أعود قليلاً لتوضيح منعطف، آخر مهم في حياتي، قبل وصولي إلى الجامعة.