هبة شلابي مصورة ترصد بعدستها تخريب وتشويه «قوس ماركوس»

تسير المصورة الليبية هبة شلابي (41 عامًا) في شوارع المدينة القديمة في طرابلس، بدافع من الشغف والفضول وحباً لكل ما هو تاريخي وقديم في المنطقة، محاولة توثيق الجانب المشع والمظلم للمدينة في صورها.

فتتحول كاميرا هبة إلى أداة لتوثيق حالة الإهمال الذي يطال بعض الأبنية القديمة والمعالم الآثرية والتاريخية الموجودة بالمدينة القديمة، وتسليط الضوء على الحالة العامة لهذا الإرث الثقافي والتاريخي.

فبدأت هبة، بواسطة ما استطاعت توثيقه في صورها، حملة بمواقع التواصل الاجتماعي في العام 2017 ودشنت لها وسم «#أنقذوا_المدينة_القديمة_طرابلس»، تستعرض من خلالها الجانب المظلم من رحلتها، وتلقي الضوء على حالة الإهمال وعمليات الترميم التخريبة التي طالت الأبنية الأثرية بالمنطقة، ومن ضمنها عملية ترميم قوس ماركوس في العام 2016.

وتقول هبة: «بدأت الحملة على تويتر في ديسمبر العام 2017، فخلال جولات التصوير بالمدينة القديمة والتقاط الصور للمباني التاريخية المهملة والمساحات الواسعة المهدمة، كنت في حالة صدمة وشعرت بأنني أمام شيء لا يصدق، أقواس مدمرة بسبب الإهمال في الصيانة أو بسبب دخول سيارات مرتفعة تسببت في هدم أجزاء من الأقواس، بعض البيوت القديمة تحولت إلى مكب للقمامة، موروثنا الثقافي والتاريخي والأثري في خطر، فكان الهدف من الحملة تسليط الضوء على وضع المدينة القديمة، وما آلت إليه وإظهار الإهمال والتخريب والتشويه والهدم لتاريخنا، ليستفيق الجميع من غيبوبتهم، خصوصاً الجهات المسؤولية عن حماية هذا التاريخ وطلب المساعدة من العالم لإنقاذه وتحمل المسؤولية ما يحدث».

وعن اختيارها شبكات التواصل كمنصة لحملتها قالت: «(السوشيال ميديا) قوية جداً، تواصل معي كثيرٌ من الإعلاميين والصحفيين من كل العالم، مهتمين بهذا الموضوع، لإدراكهم الأهمية التاريخية والثقافية والأثرية للمدينة القديمة في طرابلس، (السوشيال ميديا) وسيلة لإيصال صرخات الاستغاثة وبسلمية تساهم في تغيير واقع الحال وإيقاظ الجميع من الغفلة والتوعية».

ومن ضمن منشورات حملة شلابي، أربع صور لقوس ماركوس تتبع فيها مرحلة زمنية مختلفة للقوس منذ العام 2016 وحتى العام 2018، أي منذ آخر عملية ترميم له في العام 2016، ويظهر من خلال الصور مدى التغيير الذي حدث بالشكل الخارجي للقوس خلال هذه الفترة الزمنية، وكتبت هبة مع الصور: «تخريب قوس ماركوس أورليوس وتشويهه».

وتقول شلابي، حول عملية الترميم، «سقف القوس مرَّ بمراحل تاريخية كثيرة، ومن المعروف أنه تحول لقبة في العهد الإسلامي ليتم استخدام القوس كمسجد، وهناك تقارير توضح أن السقف مصنوع من الحجارة، في عملية الترميم، تم وضع الإسمنت على الحجارة وطمس معالم مهمة منها، ما حدث للقوس هو عملية تجميل وليس ترميم».

فى أغسطس العام 2016، أعلنت مصلحة الآثار الليبية البدء في عملية ترميم وصيانة للقوس بالتعاون مع الشركة العالمية لخدمات الكهرباء، وأوضح في حينها أحد المرممين التابعين للمصلحة أن «عملية الصيانة تستهدف معالجة السقف والقبة، وحماية القوس من خلال وضع سقف خشبي يحاكي أسلوب البناء في ثلاثينات القرن الماضي، لحماية القوس من مخاطر التعرية والعوامل الجوية لقربه من البحر، ولتحسين وتجميل محيطه».

ووصف رئيس قسم الشؤون الفنية بمراقبة آثار طرابلس رمضان محمد الشيباني عملية الترميم بالـ«تخريبية»، وأوضح قائلاً: «للأسف الشديد من قام بهذا التخريب هي الإدارة العامة لمصلحة الآثار، والرجل المشرف على هذا الخراب هو مستشار شؤون الآثار، المهندس درغوت الجدي، كان مديراً تنفيدياً لجهاز المدينة القديمة طرابلس، وستظهر آثار هذا التخريب في السنوات القريبة المقبلة وستكون عنيفة وقد تقضي على القوس».

وأضاف حول عدم استعانة مصلحة الآثار بخبراء أجانب متخصصين في عمليات الترميم قائلاً: «كان من السهل جداً الاستعانة بالإيطاليين أو غيرهم، لدينا زملاء مختصون من إيطاليا قاموا بدراسة من أروع ما يمكن للقوس قبل العام2011، تحتوي على تفاصيل كاملة لعملية الترميم بأحدث الطرق العلمية، والدراسة موجودة بالمصلحة تحتاج فقط للتنفيذ من قبلهم متى استقرت الأمور لكن (تسكير الراس)، القوس لم يكن في وضع محرج للغاية ويحتاج للصيانة وترميم سريع، كان من الممكن الانتظار إلى حين استقرار الوضع»،
وأشار رمضان إلى أن مشاركة الشركة العالمية للكهرباء في عملية الترميم كانت كدعم لعملية الترميم فقط.

أما المهندس حسام باش إمام المدير السابق لجهاز إدارة المدن التاريخية فرع طرابلس، الذي استقال من منصبه في العام 2014 على خلفية تعرض كل من جامع أحمد باشا القره مانلي وجامع درغوث التاريخي لعمليات تخريب من قبل مجموعات مسلحة وصفها باش إمام في نص استقالته بأنها (مجموعات خارجة عن القانون تتمتع بنفوذ وحماية تقوم باجتياح المدينة القديمة)، وصف عملية الترميم بأنَّها «غير مهنية».

وقال باش إمام: «عملية الترميم ينقصها نوعٌ من المهنية، فأي عملية صيانة أو ترميم بحسب ميثاق البندقية (1964) يجب أن تستعين بكافة العلوم والتقنيات التي تستطيع المساهمة في دراسة ووقاية الإرث المعماري، وهذا لم يحدث في عملية ترميم القوس».

وأضاف: «عملية الترميم منحت القوس شكلاً حديثاً، ولم يتم تسليم أي تقرير فني بالخصوص للاطلاع على المواد المستخدمة في عملية الترميم، وبالفعل تم استعمال الإسمنت، ومن المتعارف عليه أن الإسمنت يحتوي على أملاح لا يمكن أن تستخدَم في عملية ترميم، الإسمنت يمكن استخدامه في الأساسات والقواعد، ولكن وللأسف تم استخدامه أيضاً في ترميم آثار صبراتة ولبدة، وهذه مشكلة فنية متكررة».

وأشار باش إمام إلى انتقاد مجموعة من الطلبة من قسم العمارة بكلية الهندسة عملية الترميم، برغم قلة خبرتهم في هذا المجال.

ولا يتفق باش إمام مع الشيباني في وضع القوس الخطر، فقال: «القوس غير معرض للسقوط، فأحجاره ضخمة وقوية، ولكن هناك بعض الأخطار التي تحيط به منها تعرضه للتلوث من ثاني أكسيد الكربون الذي تسبب في إحالة لونه إلى الأسود، ووجود بعض النباتات والفطريات بين الفراغات بالحجارة، والسقوط المتكرر لبعض الحجارة من جسم القوس». 

قوس ماركوس أورليوس في مدينة طرابلس، تم تشييده في العام 163، تكريماً للإمبراطورين ماركوس أورليوس ولوكيوس فيروس، أثناء اشتراكهما في الحكم في الفترة بين العامين 161 - 169، لمناسبة انتصارهما على الفرس، وفقاً للباحث وأستاذ الآثار والحضارات القديمة محمد عيسى، الذي قدم دراسة تاريخية حول القوس عبر العصور نشرت بمجلة «آثار العرب» التي تصدرها مصلحة الآثار ومشروع تنظيم وإدارة المدينة القديمة طرابلس العام1991.

المزيد من بوابة الوسط