قهوة سي عقيلة (20) الصحوة من ضياع مبكر

قبل سنة 1965 كان يومي محصورًا ما بين عملي بنظارة الأشغال والمساحة الممتدة من شارع نبوس الي شارع محمد موسى، الذي كان ملتقى لمعظم الجيل الذي أسس نادي الهلال، في مربوعة مصطفى مقه، في شارع الحشر، ثم انتقلت مشاريع إدارته، والتخطط لها في مربوعة فتحي بوكر شقيق لاعب الهلال الشهير محجوب بوكر، أو (المايسترو) كما اسمته الصحافة حينها، وكان امحمد منصور الفيتوري، أحد أبرز سكان الشارع من مؤسسيه، وبحكم أن النادي تأسس في منطقتي، وأن محجوب كان جاري وبالنسبة لنا نجمًا كنتُ هلاليًا، وكذلك رفاق شارعي (المصدي) بتسريحة شعره المتميزة، ومصطفى وسليمان وفيصل الفيتوري وفتحي ابسيكري، وعلى الفيتوري، وحسن وعبدالرازق، ومحمد علي بوخيط بأناقته. وكثيرون من اليونانيين: لفتيري، وليو كريداكس، ليفادارس كانوا هلاليون.

عرفتُ نادي الهلال، في شقة صغيرة بشارع (سنتا بربارا) خلف عمارة القماطي الحالية، كان يسكنها صالح الحداد والد كل من إبراهيم وفتحي والسنوسي وفوزي، الذين كانوا هلاليين، ثم انتقل النادي إلى شارع عمرو بن العاص في عمارة التيتلي، ثم بشارع بئر بلال ليستقر في نادي الهلال للنهضة الرياضية بشارع إدريان بلت حتى انتقل إلى مقره الحالي فيما بعد. ولقد كتبت منذ ايام معلنا عن هذه الحلقة في صفحتي الشخصية. كثرت مداخلات بشأن تعديل اسم نادي الهلال ليكون نادي الهلال للنهضة الرياضية، ومن المعقبين من اعتبرأن هذا الاسم هو اساس تسمية نادي ولكن الحقيقة أنه تسمى بذلك من بعد انتقاله إلى مقرة بشارع ادريان بلت وكان المرحوم ابراهيم المصري قد أهداني صورة افتتاح النادي لأنني احد الموجودين بها. بناء على ذلك يتعين أن نقول أن نادي الهلال تأسس مثلما ذكرنا بشارع الحشر في مطلع الخمسينيات، وتعدل اسمه من بعد أن تقرر ضم الناديين: الهلال والنهضة الذي كان النادي مقره، وكثيرين اكدوا هذه الكلام من ابرزهم معاصرين للحدث منهم محمد حمامة، ثم أن هاشم العبار الذي كان رفقة محمود بوهدمة في افتتاحه، كان مابين سنتي 1961و1962 مسئول الرياضة في ولاية برقة. إذا القول بأن الضم حدث في مطلع الستينيات مؤكد خصوصا وان توفيق الفريطيس، الذي يحمل مقص افتتاح الشريط لم يكن طفلا في السبعينيات، ناهيك أنني كنت حينها موظفا وأعلم أن وزير الاشغال أنذاك قتحي جعوده كان من رواد النادي وكنت اتحاشى الاحتكاك به.

ولكن صلتي بنادي الهلال انقطعت، بل في الواقع بكرة القدم كلها. فلقد هزم الأهلي فريق الهلال بعدما كان الهلال منتصرًا عليه بهدفين ولم يبق على نهاية المباراة سوى أقل من ربع ساعة، سجل الأهلي خلالها ثلاثة أهداف نظيفة.

كانت أمسية شاقة على شقيقي عبدالقادر المتعصب جدًا للهلال، وكان معظم رواد قهوة سي عقيلة أهلاويين، ويعرفون جيدًا كيف يثيرون عبدالقادر، فناكفوه لدرجة أنهم أبكوه، وبالطبع ما أخفيته أنا كان أكثر إيلامًا. لم أكن موهوبًا في كرة القدم، ولا أية مناشط رياضية، كان (الجتوني) ولعب الورق هو ما يجمعني مع من هم عمري من رواد النادي. ولذلك كان من السهل، أن تأخذني اهتمامات أخرى، خصوصًا في لعب الورق.

كان نشاط النوادي الرياضية متميزًا في تلك الفترة، بل أخذ يتنوع بتطور الاستقرار وأخذت المحاضرات الأدبية تأخذ مكانتها، ولعل فترة النشاط المتكامل للنوادي الرياضية شهدت فترة ازدهار وحققت نجاحات كبيرة، وما زال الرعيل الذي شارك في ذلك النشاط يذكر جيدًا الثراء المتنوع الذي قدمه النادي، وما زال الكثيرون يتحدثون عن محاضرة خليفة الفاخري عن الشاعر أبوطيب المتنبي.

كان واضحًا أن النوادي بدأت تقوم بمناشط مدنية وأدبية متنوعة بالإضافة إلى تنوع أشكال الرياضة، كالملاكمة، ورياضة الدرجات، ناهيك عن كرة السلة والطائرة، فيما ظلت كرة القدم هي الأساس، ولقد شجعت الحكومة الأندية بالسبل كافة.
في منتصف الستينات انسحب نادي النجمة الذي كان يشكل مع النادي الأهلي طرفي ( الديربي) الليبي في بنغازي، وبرز الهلال، وصارت مباراة الأهلي والهلال أهم أحداث الموسم الرياضي في بنغازي، ثم نال الهلال سمعة جيدة في ملاعب طرابلس، وكانت مبارياته مع فريق الاتحاد متعة رياضية للمشاهدين، وفي زيارة لفريق الاتحاد لبنغازي، غنى سلام قدري، الذي كان أحد أعضاء فريق الاتحاد مجموعة من أغانيه، وأعلن في تلك الحفلة أغنيته الجديدة: (هايم بيك وعيوني ساهرة) ونالت استحسان وقبول كبيرين، لدرجة أن الجمهور تغني بها، في اليوم التالي، أثناء المباراة. اما الحديث عن النادي الأهلى العريق يحتاج إلى أكثر بكثير من أسطر في موضوعي هذا ، لأن تاريخه عريق ودوره الوطني ايضا كبير، ولذا سنتناوله في حلقة خاصة. 

والحقيقة أنني فقدت اهتمامي بنشاط النوادي، ولم أعد من روادها، فلقد حاولت أن أنضم للنادي الأهلي، ولكنني فهمت من أحد إدارييه، سامحه الله، بصورة غير مباشرة، أنه غير مرحب بي باعتبار أنني (صايع)، والآن وأنا أستعيد ما حدث في تلك الفترة، لا ألومه فلقد جدت علىّ حياة لا تتناسب أبدًا مع شاب لم يتجاوز عمره عشرين عامًا. لقد ابتعدت عن المناشط البريئة كلها، منذ أن ضاعفوا المرتبات سنة 1962 وأقرت علاوة السكن. لقد تزامن قرار مضاعفة المرتبات مع تصدير أول شحنة بترول، تسلم رئيس الوزراء آنذاك قيمتها بصك نشرته وسائل الإعلام في حينه.

منذ تلك السنة أعترف أنني ولجتُ كل الأقبية، والمواخير، والسهر وصرت من زبائن السفنز بالدحي، ومطاعم طبائخ الفاصوليا بالكرشة والحرايمي التي تفتح أبوابها مبكرًا لأولئك الملهوفين من سهرة ليلة سابقة. كنت قد تعرفت على عمر بن حميد، من بعد تعيينه، ثم ضمه إلى قسمنا، الذي كنت وإبراهيم سعد الربع إدارييه، وهو قسم المياه رئيسنا، في البداية الإنجليزي (المستر آدم) ومساعده عمير زوبي، ثم المهندس الشاب المؤدب الخلوق، الذي تخرج في جامعة تركية محمد المنقوش.
ومن خلال عمر تعرفت على شلة شارع حموش، محمد المقوب، ومحمد الباز، وجبريل مخلوف، ومحمود الطرابلسي وعبدالرازق الفراوي، وفرج المقوب، وابريك سويسي ومفتاح الزياني، الذي كان حينها يعرف بـ(السمنو)، الذي التقيته فيما بعد صيادا في رصيف الصيادين ببنغازي، وكان محرك شلة ما بعد العشاء هو صالح محمود بن حميد، (المارد) فهو الممول المالي، فلقد كان يدير محطة وقود لأخيه، فلم يغب عنا المال، فهو بنك التسليف الجاهز طوال الوقت، وأبرز أعضائها محمد الباز، ولم تعد سهراتنا بمربوعة محمد المقوب، على لعب الورق البريء فقط، فمن بعد العشاء عرفنا طريقنا نحو النوادي الليلية، ومواخير أخرى غير بعيدة عن الفندق البلدي، كانت في ذلك الوقت رسمية ومرخصًا لها. وأخذتنا الأعراس، والسهر والأغاني الشعبية.

لم يستطع أحد ممن كان أمرى يهمه أن يحد من اندفاعي، ولم يجد النصح، ولا امتناع سي عقيلة عن الحديث معي من بعد أن نصحني مرات ومرات. وعرفت أنا وعمر بن حميد الطريق إلى أثينا.
لولا ما حدث في ذلك اليوم لما عرفت كيف أسرد هذه السيرة، أو مثلما قال الشاعر عبدالرحمن بونخيلة في بيت شكر فيه الأستاذ محمد بشير الهوني، الذي رافقته في رحلة إلى بيروت، وهو الذي استعرته واستبدلت الترهوني بالهوني:
«لولا فزعة خوي الهوني... ما شافت بيروت عيوني!»

فماذا حدث؟
كانت السهريات بادئ الأمر محصورة مع المحمدين، شمام والترهوني، وغالبًا في مربوعة مختار بزيو، ولكن ما أن أصبحت موظفًا «حكوميًّا» مصنفًا، وصار لي مرتبٌ مجزٍ، مكنني مما أريد، صرت أنطلق مع عمر بن حميد نحو مشروع أي سهرة، غالبا في توريلي. وتركت الدراسة، وأنا في سنة أولى إعدادي وتكررت محاولات «سي محمد» مثلما كنا نسمى محمد خليفة الترهوني، الذي كان بمثابة أخي الكبير، المتكررة ونصائحه بضرورة عودتي للدراسة ثم وعيده لى وتجاهلي تمامًا، رافضًا حتى الرد على تحيتي أو الجلوس معي، لدرجة أنَّه كان يترك مقعده إن جلست معه، فتجاهلته ولم أعد أحييه.

عشية ذلك اليوم ، دخلت منزل شمام، فالمربوعة، مفتوحة طوال الوقت، وفي الغالب محمود وشلته، التي كنت أعتبرها شلتي، فأغلبهم رفاق فصل 3/5. وجدت مع محمود كلاً من أطلوبه الريشي، ويونس البرناوي وعبدالحميد البرعصي ومحمود الكيخيا، وكان النقاش دائرًا ومحتدًّا حول موضوع، لا أذكره الآن، ولكنني كنت بالصدفة أعرفه. كانوا حينها- لعلها سنة 1965- طلبة في أولى ثانوي. تدخلت وقلت رأيًّا فنده محمود الكيخيا فرددت ليه موضحًا ما أعرفه، فقال لي غاضبًا:« يا أخي هذا موضوع أنت لا تعرفه. هذا موضوع في الثانوي وأنت لم تتجاوز أولى إعدادي. فاصمت».

لقد صعقتني إجابته، وأطبق صمتُ قبور على قلبي. لم أجد ما أجيب به. وضاقت المربوعة ولم أعد أسمع شيئًا ويخيل لي أنَّ الهواء سُحب من الغرفة. مكثتُ برهة صامتًا ثم غادرت. لحق بي يونس معتذرًا محاولاً أن يفهمني أن محمود لم يقصد إهانتي. شكرته وتظاهرت أنه عادي وأنني لست غاضبًا، ولكنني بالفعل كنت وكأنني مطعون وأنزف.

لا أدري هل كان القنوط والحزن والغم وراء دمعات سالت غصبًا عني؟ أم أنَّ حجم الهمِّ الذي غمرني هو ما جعل سي محمد يقترب، يجلس بجانبي على الرغم من حزمه فيما اتخذه من موقف تجاهي. وقال:
- » كنك يا فرخ؟ شنو فيه؟ شن صارلك؟» نظرت إليه، ولم أدر، لبرهة، ماذا أقول؟ نظرت إلى الساعة ثم إليه:
- » هي معي إلى المدرسة.. هيا». واخبرته أنني أريد الحق الأمتحانات أن قبلوني.
- » أنت منقطع من سنتين.. ولكن هيا».

هناك وجدنا الأستاذ طيب الذكر رجب النيهوم، وضح لي أنه بمقدوري تجاوز السنة الثانية والتقدم لامتحان الشهادة الإعداية، فكل ما أحتاجه هو الشهادة الاعداية وشهادة النجاح من سنة أولى إعدادي والتقدم كطالب من منازلهم وذلك إجراء يتم في المعارف.

ذهبنا اليوم التالي إلى المعارف وهناك وجدنا لاعب الهلال وابن سوق الحشيش خليل المقصبي ولم نغادر مكتبه إلا برقم الجلوس وكتب مقررات الشهادة الإعدادية. تكفل «سي محمد» بمشكلتي مع اللغة الأنجليزية الذي كان يجيدها، بل وتكفل بالمساعدة في المواد كلها. كان بيننا وبين الإمتحانات أقل من ثلاثة أسابيع. أقسمت له أنني لن أغادر بيتي إلا يوم الامتحان، تكفل عمر بن حميد وإبراهيم الربع بتغطية عملي، بل الواقع المراقب الإداري بوزارة الإشغال الأستاذ الفنان محمد استيتة، أكد لهم أنَّه لا حاجة لي بالمجيء من بعد أن عرف قراري.

واظب «سي محمد» على المجيء يوميًّا، وكان في الليالي يأتي رفقة محمد شمام أو مختار بزيو، أو عوض الطريدي، لسهرة خفيفة للترويح، ودخلت امتحان الشهادة الإعدادية ونلتها ومنها لم أتوقف حتى تخرجي، ومما ساعد في ذلك، لقائي بصديقي عبد المجيد الدرسي، الذي كان ترك شارع نبوس، ولم نعد نراه.

عندما التقيته أخبرته بما فعلت بشأن الشهادة الإعدادية، فقد اعتقدت أنَّه لم يجتزها، ولكنني فرحت عندما علمت أنه بالسنة الأولى الثانوية، وأنه منقطع عن الدراسة، سجلنا معًا ومنها لم نتوقف حتى تخرجنا معًا في كلية الآداب 71/72.

وما زلت أتعجب كيف وفقنا في اجتياز السنة الأولى تحديدًا، فلقد أخذنا، في تلك المرحلة بليل بنغازي وملاهيها الليلية، فلقد عاد عبد الله السوسي، صديق عبد المجيد من لندن، وباشر العمل مع والده، وتولى الإنفاق من سعة، ثم عمل عبد المجيد كمدير للمبيعات بشركة «تويوتا» وابتاع سيارة جيدة سريعة كانت الإغراء الأول لقضاء نهاية الأسبوع في القاهرة، وإن كنا نزيد يومًا أو اثنين على يومي الخميس والجمعة، بل ذات رحلة أمضينا أسبوعًا كاملاً. ومازلت أذكر عندما جلس بجانبي بمدرج رفيق، وكانت محاضرة الدكتور عبد العزيز برهان، أستاذ الدراسات الاسلامية وهمس مؤكدًا أنَّه غيَّـر زيوت السيارة، واليوم الخميس سنكون في القاهرة نصف الليل نقضي الجمعة ونعود يوم السبت، ولكنني رفضت الانصياع إلى رأيه، كانا في آخر المدرج قريبين من الباب الذي يفضي إلى الساحة.

قال لي بهدوء: «سوف أحتسي (طاسة شاهي) في الكافيتريا ثم انطلق، ولو غيرت رأيك سأكون في انتظارك».. أجبته محتدًّا: يا مجيد مازال أقل من شهر على الامتحان.. لا.. لا (ما نيش ماشي)».. ولكن قبل أن ينتهي من مشروبه، كنت أقف على رأسه: «هيا.. نوصلوا الحدود في ضي النهار!» وعدنا واجتزنا امتحاناتنا. تلك مرحلة سنتناولها في حينها.