قهوة سي عقيلة (18) حالة بنغازي في مطلع ستينيات القرن العشرين

سنة 1960 قبضت أول مرتب من مصلحة المنافع العامة، كان ستة جنيهات تنقص قروشاً، وهي قيمة الدمغة، كان المرتب يُمنح نقدًا، وكان ونيس الجبالي هو من ينقد موظفى المصلحة مرتباتهم، من بعد توقيعي بالاستلام، قال لي بجدية:" إلى سي عقيلة طول" ذهبت إليه، ترك المقهى وانطلقنا نحو منزلنا بشارع محمد موسى، وهناك ابتدأ نقاشًا حادًّا مع وافية واستمر إلى ما بعد العصر لينتهي بانتصارها وموافقة سي عقيلة على أن يخصص جزءًا كبيرًا من المرتب لتوصيل المياه والكهرباء إلى البيت الذي عشت فيه حتى ذلك التاريخ بمياه الزير الذي يعبئه الوراد كل يوم، وفتيلة الكيروسين.
خصص لي نصف المرتب: سبعون قرشًا لشراء بنطلون كاكي، وثلاثون لشراء فانلة نوع منشف بيضاء، وحذاء (باتا) بتسع وتسعون قرشًا. لم أكن قد اشتريت ملابسًا تلك السنة، باستثناء ملابس الأعياد، فلقد كان كعادة كل سنة يأخذني كل من رفاق الفصل وهم يوسف بلال وإبراهيم قويدر إلى بيتهما حيث تمنحني والدتهما ما يفيض من ملابسهما الثمينة والرائعة، فقد كانا يتميزان بأناقة تفردا بها، وكان مثل هذا الود متعارف عليه في بنغازي بين مابين من يملك ومن لا يملك.
خُصص لي، أيضًا، جنيهًا كاملًا لمصروفي اليومي، وكان حينها ثروة، فسينما النهضة مجانية، وبقرش ونصف إن كانت الحرية، والإفطار(نص تن بالدحي) مع الشاهي من مقصف ونيس بوذراع، أمام نظارة الأشغال بقرش ونص، وأحيانًا يمنحك عامله فوزي -الذي التقيته في مرحلة متقدمة صياد سمك في رصيف الصيادين ببنغازي، ويعرفونه باسم احميده كلاي- كان يمنحنا بدل كوب الشاي الواحدة اثنتين، مادامت تؤكد له أن نادي التحدي أفضل نوادي بنغازي، وأنه ب(فنه) أفضل لاعب في كرة القدم .
كانت متع الحياة ومباهجها مقتصرة على دور العرض وأماسي النوادي الرياضية، ومجلات المركز الثقافي المصري، والمكتبة الأمريكية، والبريطانية، وبالطبع كانت هناك مباهج أخرى عرفتها من بعد أن صدر قرار برفع المرتبات بنسبة 100% حال إبحار أول شحنة نفط واستلام الحكومة لحصتها.
كان أقرب مقهى لقهوة سي عقيلة من جهة اليسار، قهوة شمسه، وكان يديره في ذلك الوقت سي عمران التاورغي ومن اليمين قهوة القماطي بجانب الخطاط المقصبي، في تلك الفترة عمل فيها الصديق المرحوم محمود التهامي، صبيًا في المقهى إلى أن أوفد للدراسة في اليونان وعاد ليتولي قيادة السلاح الجوي، ورحل مخلفًا صيتًا وسمعة لا تشوبها شائبة. ومن الذين عملوا مع سي عقيلة الصديق إبراهيم الشيخي، الذي أصبح من القيادات المهمة في مجال النقل البحري، وتحصل على بطولة البلياردو في نادي الهلال، ثم قهوة سي خليفة الفيتوري، أسفل عمارة التيتلي، ثم قهوة الترهوني بناصية شارع قصر حمد، وهي التي كانت المفضلة لدى الشاعر علي الفزاني، ثم مقهى دمشق، الذي يضاهي مقهى سبورت في حداثته وتميزه، وكانا المقهيان هما المكان المفضل لخليفة الفاخري، أما صادق النيهوم كان يفضل أن يقضي أوقاته عند سي سليم في جليانه. وكان بشارع الاستقلال قهوتين للعربي، واحدة تحت الأقواس وكانت تسمى مقهى العصافير، لأنه ثمة أقفاص عصافير كانت معلقة عند مدخلها. وكان من روادها الشاعر محمد الشلطامي، والكاتب أنيس السنفاز. أما مقهى العربي الآخر فيقع في الجهة المقابلة لمقهى العصافير، وكان به طاولة بلياردو (كرمبرلا) تحديدًا. وتلك المقاهي لا تفتح أبوابها في الفجر، مثل مقهى ( سي عقيلة)، ومقهى شمسه، ومقهى الترهوني، ومقهى العمل، الذي كان يلتقي فيه عدداً من المثقفين ذوي الميول اليسارية مثلما كنا نسمع من الكبار في ذلك الوقت، وبسبب اهتمامهم بقضايا العمال خصوصًا أولئك الذين كانوا يعملون بالصحراء من بعد تدفق النفط، أصبح النظام يراقبهم ويضيق الخناق عليهم، ولأن المقهى كان يطل على شارع عمر بن العاص، من (جراج السوسي) الذي كان يقع مكان العمارات الخمسة، ثم صار دار التويوتا، من بعد دار الفورد، قبل أن ينتقل إلى مدخل بنغازي الغربي، ولأن المقهى ملك الحاج مبارك السوسي، الذي طالبهم بإخلاء المقهى ولكنهم لم يستجيبوا وتحت ضغط الجهات الأمنية في ذلك الحين، صدر حكم بالإخلاء ولكن المستأجِر لم ينفده، فما كان من الشركة إلاّ أن هدّت حائط المقاهي من الداخل، بالليل وأخلت المقهى من أثاثه وبناء الباب، وعندما جاء أصحاب المقهى بالصباح كان المقهى قد أصبح جزءاً من حائط الجراج.وكان من رواد هذا المقهى طالب وأحمد الرويعي ويوسف الدلنسي ورجب النيهوم وحمد الشركسى وأبوبكر الهوني.
أمامقهى بالتمر، فكان يقع بناصية شارع الحشر، وبه مساحة على الشارح كتراس، أذكرأننا عندما كنا صغاراً كنا نتسلق مربع حديد مظلتها ونتأرجح، وذات يوم وقعتُ وانكسر ذراعي فأخذني سيدي بالتمر إلى مستشفى بوردوشموا الذي قام بوضعه في الجبس.
هناك، بأقواس الفندق البلدي مقاهٍ عدة، منها ما يقدم وصلات غنائية للرواد، ولقد علمت من يوسف العالم أن الفنان علي الشعالية تعلم الغناء من مطربين يهوديين معروفين هناك هما (السحنتي) و( الزقنيني) من سفره إلى الإسكندرية وتعلمة لفنون القانون والغناء المؤسس على دراسة عملية. بالناصية المقابلة لأقواس الفندق يقع مقهى الطرابلسي، ثم قهوة الحاج ابريك لنقي تحت سينما هايتي، ونادي التحدي وهي أيضاً تفتح أبوابها منذ الفجر، ثم لا ننسى مقهى المجدوب بشارع متفرع من سوق الجريد، وكذلك مقهى بوبكر بن قبلية العمامي بسوق الجريد، عند مدخل شارع بالة. أما مقهى ميدان الحدادة ، فبصورته القديمة نرى حميراً مربوطة أمامه باعتبار أنها مراكيب رواده. وكان للطرابلسي مقهى بشارع بن شتوان، بامتداد قصر حمد، عند شارع الركينة كان يقع مقهى العبود وبميدان البلدية مقهى العرودي، الذي كان المقهى المفضل للشاعر أحمد رفيق المهدوي، وكان له كرسي محدد في المقهى، يلتف حوله نخبة من الشعراء الشباب، منهم الشاعر رجب الماجري. وفي الستينيات كان المقهى المفضل للفيلسوف الدكتور عبد الرحمن بدوي. ومقهى ستالين بشارع الشريف، وبالطبع مقهى سوق الحوت، وكان المكان المفضل للشاعر القاضي عبد ربه الغناي .ومقهى تيكة بمدخل شارع مصراته ثم انتقل إلى شارع عمرو بن العاص. الذي أظن أنه من أقدم المقاهي بنغازي الموجودة الآن، هناك أيضاً مقاهٍ أخرى في وسط البلد، وفي البركة - مثل مقهى بن غزي - وفي سيدي حسين - مثل مقهى بوزغبية - ودكاكين حميد، وإن كنت لا أعرف أصحابها تحديداً. أما مقهى وفندق نجمي فكان يقع بمواجهة بحرالشابي، ثم طوره فيما بعد محمد محمود بن حميد، وكان متميزاً في وقته. كان هناك أيضاً، مقاهٍ عدة، وإن كان يغلب عليها كونها مطاعم أو بارات، لعل مما أتذكره باراً كان يقع أسفل مكان العمارة التي تأسس بها بنك روما أوالأمة، ومطعم فينا أسفل عمارة الجبل الأخضر، بمواجهة الحديقة الرئيسية أمام فندق عمر الخيام.
في منتصف الستينيات تأسس مطعم وبارالحديقة، وكان يقع على يسار مجلس الشيوخ، الذي خُصص للجامعة الليبية وأصبح مكتبتها العامة وكان المطعم بالمساحة التي تربط المكتبة بالجامعة حينها، إذ كان شباب الجامعة متنوعي الأفكار والانتماءات وكذلك أساتذتها، يعبرونها يومياً، وعندما نصل مرحلة دراستي الجامعية، سوف أنقل لكم صور ووقائع كيف كانت أفكار الطلبة متنوعة أحياناً إلى درجة التناقض، ومع ذلك لم يسجل تاريخها صراعاً وصل لاستخدام الأيادي والقبضات الغاضبة فما بالك بالرصاص الحي. أذكر من كان يجلس -معنا- في ذلك البار وأذكر من كان يرفض حتى مصافحتنا.
كان هناك أيضاً، النوادي الليلية منها الريفيرا واللوكس والناشينونال والبرنتشي والأولومبيا والركس والماجستيك وحانات شعبية منها واحدة في مواجهة الفندق البلدي وثانية بشارع عمرو بن العاص وأخرى في جليانه، وهي التي كتب عنها خليفه الفاخرى أول نصوصه ( التجربة ) وحرج منها بندب في خده ظل جزءاً من ملامحه حتى رحيله. سوف نتناول تلك الوقائع تباعاً، باعتبار أنها على رأي الدكتور علي فهمي خشيم : " هذا ما حدث.. " ويتعين أن يعرفه هذا الجيل، ومن المفيد أيضاً، لابد من تناول نشاط النوادي الرياضية، التي لو قدر لها الاستمرار لكان لبلادنا شأن آخر. سوف نتحدث بالتأكيد عن سبب عدم استمرارها بمثلما كانت، بسبب قيام (ثورة) سبتمبر69، ونتجرد من قناعتنا ونتحدث بصدق عنها ونبرز ما لها وما عليها. وذلك بالطبع من وجهة نظري التي ليست بالضرورة أن تتوافق مع كل الأطياف، ولكنها متوافقة تماماً عما عشته وشاهدته مشاهدة شاهد عيان.
حتى ستينيات القرن الماضي، وبالتأكيد قبلها، كانت الخيل- أكرمكم الله- والحمير والبغال، هي وسائل النقل، و(الكاليس)، وهو لمن لا يعرفه عربة(سبورت) لشخصين فقط، غالباً ما يكون مالكها من الأثرياء. (الكاليس) دائماً أنيق ويجره حصان نظيف جميل، أما (العربية ) وهي مثل (الكاليس) ولكنها لأربعة أشخاص، وهي بمثابة التاكسي، ويعرف جيلي تلك العربية الأنيقة، التي يقودها (عربجي) زنجي اللون بناب من الذهب، هو سبب تبسمه الدائم، وأيضاً بسبب الفنانتين المشهورتين( عيشه وسعيدة) اللتين يطوف بهما شوارع بنغازي، في الأماسي الرائقة.
أما(الكارو) وهو لمن لا يعرفه أيضاً، وسيلة نقل البضائع، وأيضاً للنقل الجماعي. وقد عاصرته في خمسينيات بل وحتى بداية سبعينيات القرن الماضي، وهو ينقل الناس من الفندق البلدي عبر شارع (الكاروات) أو الملاّحة، بسيدي حسين نحو رأس اعبيدة ثم البركة، بخط متجاور مع الضفة الشرقية لسبخة السلماني، وأذكر أنني وقفت أكثر من مرة، مع والدتي في بداية الشارع عند حنفية المياه العامة، أو(الشيشمه) كما يسميها الناس في ذلك الوقت، لنذهب إلى(مخازن الجرمانيا)، لنزور خالة لي.
واستمر( الكارو) وسيلة نقل فعالة، خصوصاً في نقل البضائع إلى أن وفر الأستاذ عبد الوهاب الزنتاني، بعدما صار محافظ بنغازي وسائل نقل آلية وأحلها محل الكارو، فاقتصرت تحركاته على القرى وضواحي بنغازي. كان (الكارو والكاليس والعربية) هم المركبات المهمة، وقد تغنت الفتيات بأسماء هذه المركبات الثلاث في لعبة القفز على الحبل.
في خمسينيات القرن الماضي، كانت معظم السيارات يتحرك بها أجانب مقيمون ببنغازي، أما التي يقودها الليبيون فهي قليلة جداً، ولعل أبناء المرحوم عمر جعودة هم أول من تعامل مع هذه الوسيلة، وجعلوا منها تا كسيات. ولم يشاهد الناس السيارات الإنجليزية، إلاّ بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، إذ كانت سيارات نقل الجنود والموتوسيكلات تتحرك بشوارع بنغازي طوال النهار.
وكانت الدرجات كثيرة، وقد صار لي واحدة (قوما قروص) سنة 1959م بعدما أصبحتُ قارئ عدادات بقسم المياه بوزارة الأشغال. أما( التريشيكولو) وهو دراجة بثلاث عجلات تحمل العجلتان صندوقاً مربعاً تستخدم كوسيلة نقل البضائع، كانت أقل بكثير من الدراجات، وكان للمرحوم عوض شمام واحدة منها، كان يركنه أمام بيته بشارع نبوس، وغالباً ما كان يأخذنا في فسحة حتى نهاية الشارع، عند الجامع مقابل حراسة(التريشيكولو) وألاّ نلعب به في غيابه. كنا نتولى حراسته في القيلولة منتظرين الفسحة اليومية.
بعدما صار لنا دولة مهيبة ورجال دولة حقيقيون أصبحت السيارة الوقورة( الهيلمن، والهمبر، والويست منستر) ذوات اللون الأسود هي سيارات رجال الدولة، ينقلهم بها سائقون متمرسون يحافظون عليها كما لو أنها واحدة من بناتهم، وقد رأيت بعيني المرحوم مختار بزيو، يغطى خدشاً في رفرف السيارة الأمامي مستخدماً(بوية) أحذية سوداء حتى لا يرى رئيس الجراج الحكومي الخدش!
بعد أن تفجر البترول وبلل صحراءنا، بدأت المرشيدس تُخصص لكبار رجال الدولة، أما بقايا السيارات الإنجليزية، سوداء اللون لمساعدي كبار رجال الدولة فيما ظلت(الفولكس واجن) تقاوم وتصرّ على البقاء في شوارع بنغازي على الرغم من هزيمة الألمان.
أما(الفيات) الإيطالية فظلت في طرابلس، كما لو أن الطليان لم يخسروا الحرب العالمية الثانية. وظهر عدد من سيارات لم نسمع بها من قبل، مثل (الموسكوفيتش) الروسية، التي لم تنل القبول المطلوب، وإن أخذت(الفورد) و(تاونس) و(السيمكا) تنتشر في البلاد.
وظل الناس طويلًا يشككون في قدرة سيارة التويوتا على الصمود، وبذل محمد إبراهيم السوسي الذي كان وكيلها جهداً خارقاً في تسويقها، حتى صارت الأكثر توزيعاً، ولكن بعد حرب يونيو 67 صدر قرار الدول العربية بمقاطعة إسرائيل وكان من نتائجه حظر استيراد سيارات الفورد بكافة أنواعها، وبسبب نجاح سيارات التويوتا ورخص أسعارها، وتوفر قطع غيارها، وصلت ماركات يابانية أخرى، وامتلأت شوارعنا بمختلف أنواعها، لدرجة أنها أبعدت من السوق معظم السيارات الأوروبية، وصارت التويوتا المستعملة أغلى ثمناً من المرشيدس المستعملة.
وصل معمر القذافي إلى السلطة بسيارة فولكس واجن، ليصدر مبكراً قراراً يحظر استخدام سيارات المرشيدس للحكومة، ورجال دولته، نكاية برجال عهد المملكة، فيما استمر تنافس السيارات على أشده، وكثرت ماركات لم نعرفها من قبل، ولكن انحصر الأمر في سيارات محددة، وكان لابد أن يكون لرجال دولة غنية مثل ليبيا، سيارات فخمة غالية الثمن، فامتلأت معسكرات الجيش والمصالح الحكومية واللجان الشعبية، وبعض اللصوص بسيارات بي إم دبليو، والطريف أنني امتلكت ثاني سيارة منها بعد أن صار أحمد الدغاري وكيلها في منتصف السبعينيات!

المزيد من بوابة الوسط