«قهوة سي عقيلة» (17) مدرسة العمال الليلية

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، سيطرت القوات البريطانية سنة 1944 تماماً على البلاد وصارت ليبيا تحت إدارتها. لم تكن بنغازي حينها إلاّ أطلال مدينة دكتها القنابل، كانت مجرد (خربة) كبيرة، وعندما عاد سكانها الذين نزحوا منها أثناء الحرب إلى المناطق المجاورة، لم يجدوا إلاّ البطالة، كان الفقر مدقعاً والجوع كافراً، والبؤس عند كل ناصية.

وما كان للأمن أن يستتب إلاّ بتوفر سبل الرزق للناس. وماذا كان بمقدور رجال ذلك العهد الجميل أن يفعلوا، والحالة هكذا ؟ اقتصر اقتصاد بنغازي في ذلك الحين عما يجود به الغيث النافع، إن سقطت الأمطار في موعدها، كان العام (صابة) فيعم الخير والقوت ويفيض الفندق البلدي بالحبوب والفواكه والخضروات، والفندق القديم بالقمح والشعير وسوق الحشيش بالبرسيم أو (الصفصفه) كما كانت تعرف في ذلك الوقت، فتشبع البهائم، التي كانت حتى منتصف خمسينيات القرن الماضي وسيلة النقل الرئيسة.

 

اذكر أن والدي رحمه الله أقعدنا فوق (كارو) وهو - لمن لا يعرفه - عربة يجرها حصان لزيارة خالتي في قمينس، التي كانت مجرد قرية، فانطلقنا فجراً لنصلها مساء لأنها تبعد مسافة خمسين كيلومتراً عن بنغازي. وقبيل رحيل والدتي رحمها تتندر وتحكى لي عن بكائي وعويلي وأنا استجديهم أن يشتروا لي (تيكة) فعندما قال سي عقيلة لجدتي زمزم نحن في (تيكة) حيث يسكن أل (بوزكره) أصهارها، ظننتُ أنها لعبة. هكذا أخبروني فثمة أشياء لا يعرفها المرء مالم يخبرهم عنها الواعون.

فسوق الحشيش، يعتقده بعض من هم ليسوا من بنغازي، أنه سوق للمخدرات، لأنه لا أحد وضح لهم أنه كان بمثابة خزانات الوقود الحالية، التي تمد المركبات بالوقود، فالبرسيم هو غذاء رئيسي للخيل والبغال والحمير، وهي وسائل النقل الرئيسة، ولأن السوق في منتصف البلاد كان هو السوق الرئيس لها.

وكانت بضعة نباتات منها (كريشة الجدي) و (الغرمبوش) و(الحلبة الخضرة) و(القعمول) و (العرايس) و(الشماري) و (البطوم) .. هي ترف الربيع وخيراته، أما اللبن والزبد والسمن فهي الترف الحقيقي للعائلات القادرة طوال السنة، التي تملك قطعان الأغنام، التي ينقلها التجار و(الموالون) إلى مصر في مواسم معروفة، كان ليوسف لنقي الذي تولى عمادة بلدية بنغازي السبق والشهرة بمواقف نبيلة أثناء قيامه بهذا العمل، وسبق أن ذكرنا بعضها. كان سوق الحشيش، مثلما وصفه صديقي محمود عوض الفيتوري: ":يعج كل يوم جمعة، بالمزارعين "المحدّرين" من الريف (البر) بفتح الباء .. وكانوا يجلبون معهم جميع أنواع الخضروات والقعمول والألبان .. ويفرشونها أمام دكان سيدي عثمان وسيدي مهدي .. ويصبح المشهد رائعا حيث ترى الناس وقد أتوا من كل أرجاء بنغازي كل يبحث عن حاجته من خضروات وألبان وغيرها .. رواج اقتصادي عفوي وبسيط في أبهى صوره".

ترف الربيع يتوفر للعائلات الفقيرة في مواسم (الصابة) فقط . وكان الغيث يشح أحيانا فيتوقف الحال، وتشرئب الأنظار نحو الميناء، وترقب سماع (عواية البابور) فصوت صفارة السفينة يعني قدومها، ويعني أيضاً توفر فرص عمل لإفراغها، ثم تحميلها والحلفاء وطبعا الملح، الذي يعد من أهم الصادرات في ذلك الوقت، ويغيب القمح كالذي أغرق بابور بالا سنة 1939 في مواجهة، ولم ينج من ركابه سوى سيده إيطالية، والمراكبي، وريبود البرعصي، وبشير الغرياني.

 

وسط هذه الحالة الاقتصادية الحرجة أحياناً رأت الإدارة البريطانية، آنذاك، أن تستثمر ما تقدمه للناس من معونة، هي في الحقيقة تعويضاً تدفعه ألمانيا المهزومة، ففتحت باب العمل للشباب من خلال ورش (الجينيو) في رأس عبيدة، و( الريمي ) في البركة لتصنيع احتياجات المصالح الحكومية من مقاعد وكراسي وأبواب وشبابيك، بالإضافة إلى ورش ميكانيكية لصيانة المعدات الميكانيكية ، فكانت تلك الورش كمعاهد فنية تعلم فيها العديد من سكان البلاد، ثم رأت تشغيل العاطلين في تنظيف البلاد من مخلفات الحرب، فالتحق كثيرون بهذا العمل تاركين مقاعد الدراسة خاوية، فصار عدداً من شباب بنغازي من بعد سنة 1944 مجرد (كناسين) للشوارع .

 

انتبه المرحومين محمد وسعد العالم حويو، والمرحوم محمود امبارك الشريف، لعدد الشباب الكبير الذي ترك الدراسة وانخرط مبكراً في العمل.ألمهما ذلك كثيراً. فقررا أن يؤسسا مدرسة ليلية يتعلم فيها من حالت ظروفه دون التعلم في المدارس الصباحية، فشرعا يشرحان فكرتهما للمستنيرين في ذلك الوقت، في مقدمتهم عبد الحفيظ شمسة، الذي أسس بالفعل لفكرة الأسرة المنتجة ، فقد كان يشتري آلات الحياكة، والأقمشة خصوصاً البيضاء ويسلمها لتلك الأسر تحيك اللباس الوطني الليبي، ويبتاعوه منها ويتولى تسويقه. وكان المشروع ناجحاً، ثم ألحقة بصناعة الحقائب، وبذلك يعد مؤسساً حقيقياً للنشاط الصناعي في بنغازي.

وانضم الكثيرون من رجال بنغازي المستنيرون لهذا العمل المدني التعليمي الأكبر في بنغازي نذكر منهم : المرحوم محمد إبراهيم الفلاح، والمرحوم بن عروس مهلهل، والمرحوم طاهر الشريف، وإبراهيم المهدوي، وأخذوا يجمعون التبرعات من القادرين. لقد ساهم الكثيرون في هذا العمل الجبار، وما ذكرنا من أسماء هو على سبيل المثال لا الحصر، والحقيقة إن أخطر وأذكى ما قام به الحاج محمد العالم حويو في تأسيس هذا العمل الأهلي العظيم هو إقناع المرحوم على فلاق، الذي كان في ذلك الوقت ذو منصب مهم في بلدية بنغازي التي تخضع للإدارة البريطانية بأمرين مهمين للغاية هما: أن يسمح للعمال بمغادرة أعمالهم قبل ساعة واحدة من الموعد المقرر، ولا يُعين إلاّ من بعد تعهده بالدراسة في الفترة الليلية.ثم عمل المرحوم مصطفى بن عامر، الذي كان أحد المسؤولين في مصلحة المعارف، بتوفير الكتب الدراسية القديمة، وخصص لهم مدرسة الأمير عند الفندق القديم، فصار اسمها لفترة طويلة مدرسة الكناسين، وتخرج فيها بتفوق كل من صديقي محمد مصطفى الفرجاني ، الذي يعرف في سوق الحشيش بالشيخ الفيتوري، والمهندس نوري ارحومه فقد كانا الأوائل على أول دفعة أتمت الدراسة في تلك المدرسة فقرر السيد عبد الله عابد السنوسي إرسالهما على نفقته للدراسة بمصر، غير أن صديقي الشيخ الفيتوري لم تمكنه ظروفه من السفر، وظل من موظفي بلدية بنغازي المتميزين ثم رافق الأستاذ المحامي محمد بن يونس في غربته معاوناً مساعداً في تنفيذ موسوعة التشريعات الليبية الشهيرة، بينما سافر المهندس نوري ارحومة – على نفقة الدولة كما أفادني أحد معارف المهندس نوري لاحقاً - ليعود من الرواد في مجال الزراعة وصار خبيراً في مجالها بمنظمة الفاو التابعة للأمم المتحدة.

ثم صارت مدرسة الكناسين بعد انتقالها إلى مدرسة الأمير بشارع ( فيومي ) الجزائر حالياً : مدرسة العمال الليلية، أذكر أن صديقي وأخي الكبير فرج أبوخزام حمل رقم (1) في تلك المدرسة. وقد تكامل المشروع عندما تطوع معلمي المدارس الصباحية، للتدريس مجاناً في الفترة المسائية. ثم انضم إليهم طلبة كانوا مازالوا بمعهد المعلمين ومنهم من تخرج فيه، أذكر منهم محمد يونس فنوش، محمد جحا الهوني، وانضم أيضاً مستنيرون كثيرون منهم يوسف الشيباني ومفتاح شرمدو والسنوسي حويو ويوسف الدلنسي، ورجب شرمدو، ومفتاح التركي و جاء كثيرون من طلبة الجامعة كان أبرزهم، كشخصية تفردت بسلوك وفكر مختلف، كنا نرى فيه نحن صبية الشوارع المجاورة لسوق الحشيش نموذجاً متميزاً تزامن بروزه مع ظهور شخصية الممثل الأمريكي الشاب (جيمس دين) زاد عليه صادق النيهوم بنقاشه عندما كان طالباً بجامعة بنغازي، ويومه الذي يقضية بشاطيء جليانه مع البحار سي سليم العربي الذي فقد رجله وأقام بجليانة حارساً لها.

كانت حكايات النيهوم وسعة خياله وقفشاته الذكية تصلنا تباعاً، وكان سباحاً ماهراً، أذكر أنني سألته مرة إن كان في الجزء العميق من البحر الذي نسميه (الأزرق) سمك القرش، أجابني نعم هناك الكثير منه، وسألته ما الحل إن هاجمك ؟ أجابني: "هذا الصباح هاجمني قرش عملاق فطوقته بذراعي ووجهت له ضربة بركبة ساقي الأيمن تماماً على ( روحه) فصرخ حتى هاج البحر وقذفتني الأمواج على رمال الشاطيء، عند عتبة دار سي سليم تماماً! " .

كان محمد مصطفى الفرجاني، المعروف في سوق الحشيش بالشيخ الفيتوري، من عمر صادق النيهوم وصديقاهما القريبان عبد الفتاح البعباع، وعوض ساطي. والشيخ الفيتوري، هو الذي حدثني، فيما بعد عن علاقة صادق بخليفة الفاخري، إذ عندما كان النيهوم طالباً بالجامعة، كان الفاخري يتلمس طريقة نحو صقل موهبته، إذ أنه ما زال طالباً في المرحلة الثانوية، ولكن بمجرد أن اجتاز الفاخري مرحلة المراهقة، لم يعد فارق السن وهو خمس سنوات كبيراً فربط بينهم حب الأدب والشعر على وجه الخصوص، خصوصاً شعر المتنبي وأبوالعلاء المعري، صار الفاخري قريباً جداً منه، وأصبح كأستاذه فوجهه نحو ما يفيده، وصارا يقضيان معظم وقتهما معنا منزويين فلقد كان النيهوم ساحراً في حديثه وعمق معلوماته وقراءاته المتنوعة.

لة 

لقد ذكرت كل ما استقيته من الشيخ الفيتوري، وأيضاً عبد القادرالبعباع، عن علاقة صادق النيهوم بخليفه الفاخري، وبالشأن الأدبي في كتابي : (منابت الريح ) وأيضاً ( قطعان الكلمات المضيئة)، فجميعهم عاشوا قريبين من قهوة سي عقيلة، أما عبد القادر البعباع عندما وصل المرحلة الثانوية صار من شلة شبابها، أما شقيق جمعة الفيتوري شقيق الشيخ الفيتوري الأكبر، فهو من روادها.

المزيد من بوابة الوسط