مسيرة القويري الفكرية في ندوة نقدية بدار الفقيه في طرابلس

نظَّمت الجمعية الليبية للآداب والفنون، الثلاثاء، بدار الفقيه حسن، بمدينة طرابلس، ندوة عن أعمال الأديب والكاتب يوسف القويري بعنوان «يوسف القويري.. ستون عامًا من العطاء»، أُلقيت خلالها ورقات تناولت أسلوب القويري الكتابي ورؤيته النقدية لتحولات المجتمع من وجهة النقد الثقافي.

واستهل الأديب أمين مازن الندوة بكلمة افتتاحية، معرِّفًا بفضاء القويري الفكري، وكونه رائدًا من رواد المقالة الأدبية بليبيا، بالإضافة إلى ما يمثله من إضافة مهمة في المشهد الثقافي والمكتبة الليبية بشكل عام.

وعُـرض خلال الندوة فيلم وثائقي قصير عن القويري من إعداد كل من عبد الرزاق العبارة وجمعة بوكليب والطاهر الذيب ونوري عبد الدايم وأحمد الغماري، تضمن حديث القويري عن مسيرته الأدبية، وتقييمه الثقافي والسياسي للأنظمة السياسية التي عايشها بين مصر وليبيا ونظرتها للمثقف والتصنيفات التي تلصق به في تعامله، مع أو ضد السلطة.

كما احتوى العرض شهادات كتَّـاب حول تجربة القويري الأدبية أدلى بها كل من الكاتب إدريس بن الطيب والقاص جمعة بوكليب والشاعرة حواء القمودي، لامست البعد الجمالي واللغوي في مقالة القويري، وكذا عمق الفكرة وحيويتها ما أعطى لسرده التحليلي طوال مشواره الكتابي ملامح تجدد دائم.

ووُزِّعت مطوية تحوي سيرة القويري الأدبية والعملية، وأهم مؤلفاته في رحلة الستة عقود، صاحبها معرض لنماذج من مؤلفات إنتاجه الأدبي.

وألقى الكاتب رضا بن موسى أولى المشارَكات، وهي ورقة للناقد أحمد الفيتوري بعنوان «يوسف القويري.. ديوان النثر الليبي», شخَّص فيها المسار النثري في فكر القويري وتقاطعات ذلك مع نثر الصادق النيهوم، كذلك الإطار التنظيري والمعرفي في لغة المقالة لديه، موضحًا أن القويري شغفت كتاباته بالبرهان لا البيان، لكن بلاغة البرهان بيان الفنان عند القويري.

ويؤكد الفيتوري في ورقته أن الناثر يوسف القويري وهو في مقام العَلَم يتخذ من اللغة سبيلًا للمتعة والخيال، فيأتي نثره مشوبًا بروح طليقة، مفتك من المعجمية والتعقل المحض.

ويخلص في تأطيره لفضاء القويري بكونه «يلضم جمله ويعقد عقدها في نسيج محبوك»، لكن هذا اللضم لا يحوْل دون أن يكون للجملة كيانها الخاص، هذه الخصوصية هي ما تمنح الجملة أن تكون الموضوع.

ويصف الفيتوري الجملة عند القويري بأنها موسومة بالنظر فهي صورة وإيقاعها مرئي في ظلال من شموع، وخيوطها رفيعة هي الخطوط التي يشكل بها لوحته.

وتطرق الكاتب إبراهيم أحميدان في بحثه بعنوان «يوسف القويري.. أديبًا وكاتبًا» إلى المناخ الاجتماعي والوطني الذي ساهم في تشكيل وعي القويري مبكرًا، وذلك منذ وجوده في مصر وتفاعله مع الأوساط الليبية هناك حتى عودته إلى ليبيا العام 1957، ليبدأ من سبها وعبر جريدة «فزان» نشر مقالاته في الأدب والحياة، معتمدًا على موهبته الفذة في الكتابة ومدفوعًا بالقضية الوطنية التي كانت تنمو في وجدانه.

ويشير أحميدان في ورقته إلى تأثر القويري على نحو خاص بالكاتب المصري سلامة موسى الذي كان أبرز ممثلي الفكر النهضوي في مصر والعالم العربي، يوازيه تأثره بأقطاب الفكر اليساري أمثال محمد مندور ومحمود أمين العالم ولويس عوض وغيرهم حتى إن تفاعله مع الفكر اليساري أدى إلى اعتقاله من قبل السلطات المصرية منتصف الخمسينيات من القرن الماضي.

ويضيف بحديثه عن الفضاء السردي للقويري بقوله: «إن كتابات القويري خلال المرحلة من 1957 إلى 1969اتخدت شكل المقالة الأدبية والمقالة الفكرية والنقد الأدبي، إضافة إلى القصة القصيرة والخاطرة، وأدب الرحلات».

ويلمح أيضًا إلى أنَّ القضية المركزية المتحورة حولها كتابات القويري كانت التخلف الحضاري الذي تعيشه ليبيا وبقية الأقطار العربية وسبل الخروج منه، ولا يكتفي بنقد هذا التخلف بل يطرح مفاهيم مركزية تتكرر في كتاباته باستمرار من بينها تحرير المرأة، والعقلانية والتصنيع والصناعة.

وتوقف الكاتب عبد السلام الفقهي في ورقة بعنوان «القويري.. وقلق الإبداع» عن القواعد المرجعية التي ينطلق منها القويري في وصف الحالة المجتمعية عمومًا، موضحًا تشكلها من دوائر ثلاث، التحليل الاجتماعي من منظور تاريخي معرفي، والثقافي برؤية فلسفية، وأخيرًا ما يندرج تحت إطار شرق وغرب من منظور فكري من خلال ما تمت الإشارة إليه في تناوله لأساطير وديانات الحضارات القديمة.

كما نوه الفقهي في سياق تقييم هذه القواعد إلى أنَّ القويري ينحى في أسلوبه الكتابي إلى تبنيه للمدرسة التاريخية بوضع الظواهر الاقتصادية والاجتماعية في مجهر تكوينها المَنشئي وتطورها التاريخي، فهو يفسر الميتافيزيقي بالابستمولوجي وما وراء الطبيعة بالطبيعة، فالقويرى يرى أن التجربة الإنسانية هي تجربة حسية بامتياز.

وتطرَّق الكاتب بدر الدين المختار في ورقته إلى حوار أجراه مع الكاتب يوسف القويري العام 2013 تركزت أسئلته عن كتاب «تحرير اللغة» الذي يفترض أن يكون تأليفه بالاشتراك بين القويري والكاتب حسام الفطيمي، وكانت إجابة القويري عن سؤال: هل نستطيع الوصول إلى لغة تنقل إلينا الفكرة الفنية أو العلمية أو الفلسفية بمثل الدقة التي تنقل إلى أذهاننا أعداد كالمئة والألف؟،ويجيب القويري بقوله إنه ناقش مع الفطيمي المسألة شفهيًّا وإن تركيزهما كان على فكرة التعليل الخرافي لنشأة اللغة واستبدال التفسير العلمي به.

وأشار بدر الدين في حواره مع القويري إلى أنَّ الأخير أوضح له فيما يخص المترادفات اللغوية أن حديثه مع الفطيمي تناول الدلالة القاموسية للمفردة كما هي في المعاجم الكلاسيكية واختلفوا بصورة خاصة مع الذين يدافعون عن المترادفات و رأوا أنها تسبب اضطرابًا للقارئ، فالأسد يكفيه أن يكون أسدًا دون الحاجة لأسماء أخرى.

وساق بدر الدين في حواره وجهة نظر يوسف القويري للمنادين بتعريب اللغة بحجة «التعريب للتيسير» معبرًا بجملة «إن اللغة ليست فهلوة».

واختتمت الندوة بتعقيبات حول الأوراق المقدَّمة من جانب الأساتذة، حسين المزداوي، وعلي شعيب وأحمد الغماري، وأكدت ضرورة التعمق في فهم وإدراك نتاج القويري الأدبي، والحاجة إلى إعادة طباعة أعماله من جانب وزارة الثقافة على سبيل المثال.