قهوة سي عقيلة الحلقة (15) عندما كان السداد على «العوايا»

لم يقلقني أو ينقصني شيئاً في طفولتي، وعلى الرغم من فقرها المادي فإنها كانت غنية بعلاقاتها الإنسانية، وأبٍ صديقٍ لي، وأم حنونة كنتُ دنياها. وشقيقين لم ينغضا حياتي، وشقيقات لطيفات، كنتُ ومازلت قرة عين لهن ، مع رفقة وجيرة طيبة أحمد الله أنها مازلت متواصلة.

لم يكن (سي عقيله) صديقي فقط ، بل صديق أصدقائي، لا أذكر أنه عنفني يوماً، كل ما كان يريد توصيله إلي كان يصلني من خلال نكتة أو موعظة أو قصة. لم يضربني سوى مرة واحدة، كانت صفعة مرة ما زلت أتحسس خدى كلما تذكرتها. وأنا أتذكرها الآن، أنا الشاب السبعينى ! أتذكر تلك الصفعة كأني تلقيتها فجر هذا اليوم؛ كنت كجَديٍ خرج فجر ليلة من ليالي (قرة أمه)، أتبع خُطَا (سي عقيلة) المسرعة بامتداد شارع عمرو بن العاص نحو مقهاه. كنت أحتضن صدري، نصف نائم، أسناني تصطك، صقع.. صقع .. صقع بامتداد الشارع. وسي عقيلة كجمل وقور يمد خطاه : " هيا ..هيا أسرع يا دقاق! لا أحد سيعجبه (السحلب) بعد أن تصل أشعة الشمس حافة موقد القِدر! لأنه عندها يُعقد السكر، ويغلب مذاق طحين القصب ويغير طعمه، ولن يستطيع مسحوق القرفة أن يخفى طعم السحلب المحروق".

أرتاح عندما يفتح باب المقهى ويغمرنا دفء المكان، ويٌوقد فحم قدر السحلب وفحم (لوجاك) حيث تطهى القهوة وإبريق الشاهي، ثم يدخل (سيدي حمد بعيره) كشبح ملائكي مهيب، ويبتدئ حواراً ساخراً ودوداً بين الرجلين، استوعب بعضاً منه ويغيب عني الكثير، ثم يدخل البحار سيدي محمد محمود قمر ، فيما سي عقيلة يحرك قدر السحلب، الذي بدأت أسمع تفجر فقاقيع غليانه، طولي لا يُمَكِّنُنِي من رؤية القدر من فوق، وإنما أذني عند مستوى الجمر، وقاع القدر.أظل قريباً جداً من الموقد فليس في المقهى مكان دافئ يضاهيه. يحرك سي عقيله القدر. يدخل سي رجب السمين ضاحكاً ،مبتهجاً مُرَحِّباً كعادته بوُدّ : " خير يا عقوله .. " يلحق به سي عبد السلام الفلاح، الرجل الجاد الصارم طوال الوقت، ولكنه يخفى خلف القناع الجدي وداً دافقاً وروحاً مرحة : " .. ص(باح) الخير". تدخل عبد الكريم الفقى مناكفاً، عندما كان سي عبد السلام يسخر من سي عقيلة : " يا عبدالسلام ( بلا طروح) كلنا عارفين نكم اصحاب؟ ألم تسمى ابنك على اسمه.." أجابه من بعد أن أشعل ( الديسكاني) : " صحيح .. لأنني بذلك أشتمه كما أشاء! ". 

سي عبدالسلام الفلاح صاحب مصنع المرمر بشار قصر حمد وصديق سي عقيله كانت الدعابة والمرح والمحبة تخلق بهجة ومرح بينهم إلاّ إذا تأخر سي عقيلة عن موعد إعداد السحلب.  يقول سي محمد محمود:  "حرك يا عقوله، الشمس فوق الصابري. خف روحك! ". يدخل سي عوض شمام:" ما يصير شيء (الغراره) ديما طيحا عليه. " يتوقف سي عقيلهة، ويعقب : " حركت واجد ما نفع تحريكي ! " يدخل سي محمد الفقي، عاشق محمد الوهاب، الذي كان كثيراً ما يغنى لنا بصوته الجميل .

ذات مرة غنى لنا – أنا ومحمد زيو ومحمد الترهوني وعوض شمسه أغنية " انا وحبيبي علي شاطئ النيل" وبعد أن انتهى منها، دمعت عيناه، وسمعناه يقول بخفوت: " أنا عمري ما رأيت النيل! ". كان يحلق لنا ونحن أطفالاً، رؤوسنا بقطعة زجاج يصلها ويستخدمها كشفرة حلاقة، ولم يحدث أبداً أن جرح أحداً منا.

كثيراً ما يشاهد المارة محمد الفقي وهي يحلق شعر سي عقيلة ناصية شارع نبوس. وإذا أتى أحد رواد الشاي أو القهوة في غياب سي عقيلة يقول له : " ( خش) اطهيها بنفسك ..أهو تتعلم صنعة على حالك، أو قوي عزمك وافتح زجاجة أناناس.. ".  لقد تأخر السحلب ذلك اليوم. يسأل،

 

أحد جرسونات صالة الريفيرا أو اللوكس، أو الأولمبيا..أو البرنتشي، الذين يصلون تباعاً في الأفجار ليحتسوا السحلب بعد أن تنتهي سهرات تلك النوادي الليلية. تسأل أحدهم:  " أما زال السحلب يا عقيلة؟ .. تأخرت اليوم " عقبتُ ببراءة طفل لا يعرف معاني حروف الكبار:" طاحت عليه (الغراره) " وفجأة انطفأ النور، أظلمت الدنيا، وارتفعتُ عن الأرض شبراً أو اثنين وارتميت عند المقعد الطويل بمنتصف المقهى . كان ذلك بسبب صفعة أفقدتني سمعي يوماً كاملاً، وكانت هي الصفعة الوحيدة التي صقعني إياها والدي على خدي الأيمن. لم يضربني، في حياتي كلها غير تلك المرة. ثم قال لي : " إياك أن تتفوه، مرة أخرى بشيء، لا تعرف معناه ! " . ولم أعرف حينها المعنى إلاّ بعد أن فسره لي سي حمد بعيره. ظلت قهوة سي عقيلة كمرجع أنتقى منه، بين حين وآخر، قصة أو حادثة أجعل منها عقدة، أو موضوع، أو مدخلاً لحكاية من حكاياتي. لم أغب عن أجواء سي عقيلة ورفاقة حتى بعد أن ابتعدت عنها بسبب العمل والدراسة وبضعة أشياء أخرى.

 

ظللت من رواد القهوة، أقضي بها أكثر مما أقضي في أماكن أخرى، كانت بمثابة نادٍ أجتمع فيه وأصدقائي.كان المقهي ملتقى لمثقفين وصحفيين، كانوا يصححون مقالاتهم، وينتظرون طباعتها بالمطبعة الحكومية التي كانت في الناصية الثاني من المقهى. التي امتلأت فيما بعد بطلبة الجامعة الليبية، فرفاق محمد شمام، ورفاق أخيه محمود، ورفاقي الذين وصلوا الجامعة واظبوا مثلما كانوا أثناء دراستهم الثانوية على ارتياد مقهي سي عقيلة؛ كان سي عقيلة يبتهج، يفرح كثيراً عندما يأتون إليه، يرحب بهم ويرفع الكلفة، ويتحدث معهم كأواحد من عيال الشارع، وكثيراً ما يمسح الكراسي القريبة منهم، وقد يهىء المكان، برشه بالماء. قلت له مناكفاً، ذات مرة:" (تزاين!) أمامهم تريد أن تنبهني إلى أهميتهم، تريدني أن أكون مثلهم، فرحان ببدلهم وعلامة الجامعة" أجابني: " لا يا (دبك) عمرك سمعت أحدهم طلب قهوة ( قد .. قد ) ؟ قازوزة أو شاي بالكاكاوية. هذا كل ما يطلبونه.. فهمت؟ . وأيضا حتى من يغادر دون أن يدفع، وأنا الذي أعتقد أنه دفع. يعود ويحاسبني عما نسيت.. ولا يقف فوق رأسي سننتظر نصف القرش الباقي! ".

 

كان يكره الذين يتفلسفون في طلب القهوة: " يقدر سيدك عبد السلام يقول لمراته : " (ديريلي) قهوة قدد .. قدد؟ بالله لو يقولها تقعد ليلته قد قد " .يبدو لي أن (القد ..قدّ) مصطلح تونسي الأصل، يذكرني، كلما سمعته، بذلك الفحل الضخم، الذي دخل قهوة سي عقيلة، مساء مغرب قارص من أيام الشتاء ، حيث كان والدي يتطلع أن ينتهى من سحلب المساء ليعود إلى البيت مبكراً. ولذلك أي طلب غير السحلب يزعجه ويعكر مزاجه. قال الفحل ضخم الجثة: " قهوة فوق القد القدد، مقطوعة .. في طاسه " . أعدها سي عقيلة - متذمراً - ثم وضعها أمام الرجل الضخم ، الذي احتسى القهوة ونهض قائلاً :" ( عالعوايا ) .. يا سي عقيلة ! " انتصب سي عقيلة وقال وهو متجهاً نحو الرجل الضخم : " تعال هنا .. " وقف أمام الرجل، وأخذ يميل برأسه يميناً ويساراً ساخراً منه ، وهو يقول متهكماً : " ( قهوة . وفوق القد قد . ومقطوعة . وفي طاسه ) " وأشار نحوه بيده : " وجثة – ماشاء الله – كجثة ( ماشيستي ) وما فيش في جيبك قرش ونص حق قهوة ؟ بالله كيف كنت تطلب قهوتك لو كان في جيبك ورقة عشرة قروش؟ ". أجاب الرجل معتذراً :" ( معلش يا سي عقيله .. إن شاء الله اليوم يعوي البابور!)" .ذلك اليوم عرفت من سي عقيلة أن ( العوايا ) هي تلك التي تطلق صفير السفن عند رسوها، وعند إبحارها. وأن ذلك الصفير أو( النفير) يعني وصول سفينة فيتوفرالعمل لذلك الرجل الضخم وأمثاله، فيفرغون السفينة من أحمالها، أو يحملونها بما كان ينتجه هذا الوطن من زيت، وحبوب، وحلفاء وملح؛ فيقبضون أجورهم ويسددون ديونهم .

 

كان الفقر والعوز يعم البلاد وكان السداد بعد (العوايا) أسلوباً متعارفاً عليه. وهو ما زال حتى الآن مصطلحاً، وإن صار للسخرية من أولئك الذين يتعاملون بالآجل، وأظن أن الكثيرين من أبناء هذا الجيل يجهلون تفسيره.والواقع أن حركة شحن وتفريغ السفن تكاد تكون المصدر الرئيسي للعمل في بنغازي، مصنع شفيق للنسيج لا يصنع سوى الأردية النسائية الليبية، ولحق به مصنع عبدو إسماعيل للصناعة نفسها. المصنعان لإنتاج سلعة محلية، كمصانع المياه الغازية. ومصانع المكرونة لم يكن هناك دخل حقيقي لسكان بنغازي إلاّ من العمل اليومي في الميناء. مصادر الدخل الليبي كانت محصورة في الزراعة الموسمية من قمح أو شعير، و جمع نبات الحلفاء، بالإضافة إلى رعي الماشية، وجمع الحديد من مخلفات الحرب سوى من البر، أو من البحر، أما جمع وتصدير الملح تميزت به بنغازي بسبب السبخة التي كانت متصلة من السلماني حتى أطراف سيدي حسين الشرقية، وظلت مهنة مهمة إلى أن اتجهت أوروبا إلى مصادر أخرى لتوفيره، وذلك لم يتحقق إلاّ في الثلث الأول من القرن العشرين. وغير ذلك كل المنتج المحلي هو للاستهلاك الداخلي. ويكاد يكون دخل من لا يمارسون هذه الأنشطة محصور في نشاط الميناء، فهم مصدر القوة الشرائية في المدينة وهكذا ترتبط الحياة في بنغازي بالميناء، وارتبط الدخل بصفارة البواخر.

ولهذا السبب كانت نقابة عمال الميناء هي أول تكتلات المجتمع السياسي المدني في بنغازي، ولعل ما وثقة أحد رجالها الأستاذ عثمان العالم عنها يلخص تأسيسها وتطورها من نقابة خاصة بعمال الميناء، لتتوسع وتضم بقية المناشط الحياتية، ولقد نشره سنة 2009 بموقع ليبيا وطننا. www.libya-watanona.com/adab/ualalem/ua17049a.htm . وهو واضح، ومن المفيد الاطلاع عليه. في ذلك الوقت، حتى مطلع الستينيات لم يكن في بنغازي هناك وسائل ترفيه – إن استثنينا عدداً من دور العرض المتواضعة – إلاّ المقاهي ولعب الورق فيها، وكراكوز بازاما ! واستعراضات ( بوسعدية). وهذا ما سيكون مدخل لحلقتنا القادمة.