«قهوة سي عقيلة» (14) مدرسة الأمير العريقة

يتفق معظم الطلبة الذين درسوا سنواتهم الأولى بمدرسة الأمير على رائحتها المتميزة، وطابعها المتفرد، بأسقف فصولها العالية، وأروقتها الفسيحة، وبلاطها المختلف عما هو معتاد، أبوابها، شبابيكها؛ كل ما لها يختلف تماما عن أية مدرسة أخرى. فلقد زرت، فيما بعد، عددا من المدارس في بنغازي، طالبا ثم مدرسا، ولكن لمدرسة الأمير طابعا مختلفا مميزا، ولربما بسبب هذا التميز، وليس اسمها فقط، هدمها نظام القذافي قبل أية مدرسة أخرى .كان هناك بيت شعر لأمير الشعراء أحمد شوقي منقوش على رخامة في صدر إدارة المدرسة، ذكرني به صديقي محمود عوض الفيتوري، كان بمثابة شعار للمدرسة، لم يتوانى المدرسين كافة شرحه لنا يقول : "إنما الأممُ الأخلاقُ ما بقيت .. فإن همُ ذهبت أخلاقُهم ذهبوا".من بعد مرحلة الكتّاب درست بها بالفترة الصباحية حتى سنة 1958 ثم انتقلت للدراسة بها، أيضا، ولكن بالفترة المسائية، تحت إدارة مدرسة العمال الليلية،.

ومن مِنّ جيلي، من تلاميذ مدرسة الأمير لا يتذكر الأساتذة الكبار، رحم الله من رحل منهم وأطال عمر الإحياء: الشاعر مصطفى القرقوري ، على بوشناق، الشريف الماقني، محمد السنوسي المرتضي، محمد جبريل، حسن وصالح بن دردف، نصري ابراهيم، عبد الله الزيداني، المبروك الضراط، عبد العزيز زواوه، شعبان الضراط، عبد القادر طه الطويل، حسين الزواوي، محمد القرقوري ، السنوسي الدغيلي، والسنوسي القذافي، وطالب الرويعي ، صلاح اسكندراني ، حسن الشويهدي، بن عروس مهلهل، عبد العزيز الأبيض ، رجب النيهوم ، الطاهر الشريف ، عبد الله جعفر، والكاتب أبو بكر عمر الهوني ولاعب فريق النجمة أمحمد الشريف ، ولاعب خط وسط فريق التقدم ، ثم النصر حسين بوحليقه ، ومتعدد المواهب ؛الرياضي، والرسام، والمسرحي خالد الغناي، والرسام عبد الرحيم جبر، أنور شنيب ، أما شحات عثمان، فلعله أول ليبي من بنغازي لعب كرة التنس الارضي، وصار فيما بعد من مدربيها. ومن لا يتذكر المربي الفاضل عاشق كرة القدم المبروك بوزعكوك الذي كان يسعى دائما أن يكون فريق فصله الأفضل، وفي تقديري أنه من اكتشف موهبة صديقي أحمد بن صويد مبكرا وأيضا فرج ساطي.

ومن لا يتذكر بديهية ناظر الاستاذ عبدالعزيز الأبيض، والطرائف التي سمعنها عنه.في تلك الفترة ، كنا نحن تلاميذ الطابق الأرضي، أما العلوي فقد كان يضم الكبار أذكر منهم لاعب الكرة القدير على الشعاليه، الذي كان لاعب كرة قدم متميزا منذ صغره ،محمد بوزعيك، محمد بن كاطو، فرج سلاحيب ، محمد الترهوني، عبد المجيد الدرسي، محمد خليفه الترهوني، محمد عوض شمام، خليفه الفاخري، على عكيز . سليمان امنينه، مفتاح العمامي ورشيد بوبطانه، عبد السلام البراني، رمضان جربوع نجيب مازق احمد بوهادي، رمضان قرقوم، محمد بوفانه وغيرهم .

كان معظم الأساتذة ممن ذكرت أساتذة فصول ، أو مشرفين أما مدرسي الطابق الثاني ، حيث فصول الصف الخامس والسادس فكان معظمهم من مصر أو فلسطين ، ولكن بعد أن وصلنا الصف الرابع، كان أول مدرسينا الأستاذ اشرف ، الذي كنا نراه كما لو أنه نجم سينمائي بسبب لهجته المصرية.

كل ما التقينا، إلى وقتنا هذا، نحن من درسنا معا بمدرسة الأمير، نتحدث عن شخصيات كانت مميزة، تأثرنا بها والعديد منهم كان له الفضل في حياتنا. كان الاستاذ عبد العزيز الأبيض بسرعة بديهيته وصوته ، وحنوه علينا ونوادره، التي نتذكرها وكأنها حدثت يوم أمس، وعندما نتذكر خالد الغناي الممتليء نشاطا ومواهبة من خط جميل ورسم بديع، ناهيك أنه لاعب كرة قدم بنادي النجمة خصم فريق الأهلي، ونادي الهلال، ونادي التحدي. ولقد اسس ودرب فريقا تمير عن مدارس بنغازي كافة ونال اكثر من بطولة، وفوق ذلك كله صار أغلب لاعبيه عناصر اساسية في فرق بنغازي كلها، منهم ناجي المعداني وديمس الصغير وعلى بوعود. ظلت بصمات خالد الغناي والمبروك بوزعكوك، وحسين بوحليقه وشحات عثمان في جيل من اهم رياضي ليبيا كافة.

كنا قد التقينا مجموعة من طلبة ذلك الزمن، وتحدثنا عن خالد الغناي، بود وامتنان، ثم تشعب الحديث، عن مواهبه العديدة، ولقد أعتبره أحدنا أنه رائد من رواد المسرح في ليبيا، لم يسبقه إلاّ الفنان رجب البكوش الذي يعتبر من المؤسسين الاوائل للمسرح في بنغازي، ففي عام 1936 سعى لتأسيس فرقة للتمثيل اسماها (فرقة الشاطئ للتمثيل) مع مجموعة من الشباب الذين يعشقون المسرح، وكان مقرّ هذه الفرقة شاطىء البحر بجوار المنارة (الفنار القديم) الذي يقع أمام جبّانة (سيدي خريبيش).ثم انتقلت الفرقة الى شارع بوحلفاية ومنه الى شارع جعفر، حيث استقرَّت هناك، ليصبح هو المكان الذي شهد الإنطلاقة الفعلية للحركة المسرحية بمدينة بنغازي.عندما ساهم في تأسيس المسرح الشعبي.

 

أما خالد الغناي، فلقد اهتم مع الرياضة، والصحف الحائطية، وكذلك التمثيل فأشرف واخرج عددا من المسرحيات ضمن النشاط الطلابي، في الوقت الذي لم يكن في ليبيا مسرحا معروفا. من التمثيليات، التي اخرجها عمربن الخطاب التي مثلها خليفه الفاخري، وتمثليات أخرى شارك فيها عدد من الطلاب المتميزين.

 

كانوا جيلا متميزا من مدرسين عرفوا مبكرا أهمية التعليم ومارسوها بأمنه صادقة وكنا شهود عما بذلوه من أجلنا. وعرفوا أهمية الرياضة والفنون فأولوها اهتماماتهم. لم تكن الشتائم والضرب المبرح وسيلتهم إنما التقرب منا، ونزولهم إلى مستوى عقولنا ومخاطبتنا بما يفيد ويبعد الملل من دون تجريح، أو تهويل. مازال صديقي عبد المجيد الدرسي يخاطبني، أحيانا، باسلوب شتيمة الهزوء والسخرية التي كان الاستاذ خالد الغناي يستخدمها، وكانت محببة إلينا كأن يقول : " اكتب كويس يا (خرنق البط يا استنقلينو ) وهي جملة ساخرة تذكرناها، نحن معاصرين الأستاذ خالد الغناي، وعندما ردد الممثل عادل أمام : " يا خرونق .. " تذكرنا ما ابتكره الاستاذ خالد، وكما تلاحظون ليس ثمة معني محدد لما ابتدعه استاذنا الفاضل وما استخدمه عادل إمام، وإن كانت كلمة "يا خرنقة " متداولة توحي بحالة ما ولكن لا معنى لها.مدرسة الأمير شيدت سنة 1920 يعني أثناء زمن الاستعمار الإيطالي، وصمدت اثناء الحرب العالمية الثانية، و(الريفودجو) الذي شيد بالجانب الأيمن لمدخل مدرسة الأمير، كملجاء خرساني يحمى الناس من القنابل التي سقطت على بنغازي اثناء الحرب لأبد ان بعض من طلبة المدرسة التجوء إليه بطريقة أو أخرى واحتموا به.

عند بحثي عن صور للمدرسة وجدت صور التقطت لطلبة السنة الرابعة الابتدائية سنة 1946 يعني بعد انتهاء الحرب بسنتين وهذا يؤكد أنهم كانوا يتعلمون اثناء سقوط القنابل على بنغازي. الصورة لجيل أخذ على عاتقة الكثير من المهام المبكرة التي وضعته على الطريق الصحيح. احدهم كان له فضل عظيم علىّ فلقد رعاني كمدرس انتبه أنني اصغر بكثير من أن أدرس بمدرسة ليلية، فلقد كنتُ بالفعل اصغر طالب بمدرسة العمال الليلية، التي تسمت بادئ الامر بمدرسة الكناسين، وهي نفسها مدرسة الامير الصباحية.- الأمير الليلية – وكنت بالفعل أقوم باعمال صبيانية سنتطرق لها لاحقا. لقد بلغ اهتمامة وتوجيهه الدائمين إلى أنه كان يعود بى مساءا حتى قهوة سي عقيلة، وكان والدي يعرفه جيدا ويعرف عائلته. لقد ظل الأستاذ حبيب الصابري من الشخصيات التي حملتُ احتراما وتقديرا، وتواصلت علاقتي به حتى رحيله.

الطلبة الذين جمعتهم الصورة التي شرت إليها، تولى العديد منهم مناصب ومراكز مهمة وكان لهم دور فعال في قيام المملكة الليبية، بل منهم من تواصل عطائه حتى فبراير 2011. الصورة تجمع : محمد مهلهل، وعبدالقادر الحصادي، طاهر بوقعيعقيص، مقتاح الأصفر، أحمد مبارك الشريف، الأمين دربي، محمد السنوسي المرتضي، و سامي الجربي، سالم بوقعيعقيص، أدرينه الجروشي، محمد بن يونس، طالب الرويعي، مفتاح مبارك الشريف فتحي المرشتي، محمد الغويل.لقد نعمنا بسنوات ابتدائية رائقة ، لا تعرف الغش ولا الخداع ، أكرمنا الله بأساتذة يعاملوننا كما لو أننا أبنائهم، لا اتذكر ابدا أننا تعمدنا الهروب او التغيب عنها، كانت ساندويشات ( سي عبد الرازق بوعصرانه ) تستقبلنا في الصباح برائحة الفول المدشش الزكية، يدفع من يدفع ، ومن لا يملك يتغاضى عنه شرط ألاّ يكررها. و" الأسمع، وحباق" وذلك الفناء الذي أن سقطتُ فوقه يمزق ركبك الحصى، أما ملعب مدرسة الأمير، فيقع خارج المدرسة غير بعيد عنها في مواجهة مستوصف شارع بغداد الذي لم يتغير منذ ان عالج كمداتنا (بالتنتورا الزرقاء) سي عبدالرحيم الفقي صاحب سيجار الدسكاني الذي لا يغادر شفتيه ابدا؛ الملعب يقع حيث شيدت بعد سنوات مدرسة الحرية للبنات.

هناك لعبنا أول مباريات كرة قدم منتظمة اشرف عليها كل من الأساتذة : المبروك بوزعكوك ، خالد الغناي وحسين بوحليقه وشحات عثمان، ومن ذلك الملعب برز عدد من نجوم كرة القدم الليبيين، احمد بن صويد، فرج ساطي، وديمس الصغير وعلى الشعاليه ، وعلى بوعود وكثيرين غيرهم.

 

كثيرا مانقضي ساعة أو أكثر عند خروجنا من المدرسة، بذلك الملعب، ومنه نتجه نحو شارع عمرو بن العاص ، مرورا بالقنصلية الإيطالية وعندما ننحرف يمينا، وينتهي مبني السفارة، يلتصق به مبني محكمة بنغازي، التي انتقلت إلى مكانها الجديد ( محكمة شمال بنغازي ) وحلت المطبعة الحكومية مكانها . وبالناصية المقابلة ، قهوة سي عقيلة ، دكان الحاج فرج الدنيني، مدخل عيادة الدكتور معوض ، دكان حسن اخليف ، دكان فتح الله الهري، ومن بعدة عثمان الخفيفى، ثم نافذة شقة عائلة تركية لها فتاتين جميلتين، كانا سكنا في منزل عبد المنعم بن حليم والد سمير وأحمد رفاق مدرسة الأمير. ثم حلاق مفتاح مناع والرجل الطيب الهادئ على الدوام (سي مفتاح) صاحب محل الدراجات،ثم دكان محمد الصغير، ثم مكتبة الشعالي الخراز، حيث كان يجلس أمامها الكاتب محمد عبد الرازق مناع ، والفنان المطرب على الشعالية. وعند ناصية شارع سنيدل دكان سي مفتاح بورقيد، ودكان سي محمد اللواحي، ثم محل سليمان عبد الصمد لبيع البنزين، ثم هوتيل صغير، محدود الغرف.

وإن كان مقررا لي، العودة من المدرسة إلى بيتنا بشارع محمد موسى - قبل أن ننتقل إلى شارع نبوس- وليس إلى قهوة سي عقيلة، ننحرف يسارا ثم يميننا نحو شارع قصر حمد ، لنقف مبهورين أمام محل سيدي عثمان الخطاط، وهو مستغرق في تلوين الأحرف الجميلة، التي استعصت علينا تشكيلها في حصصنا المدرسية. كان عثمان الخطاط ، أحد الأبطال، الذين كنا نتطلع إلى هاماتهم بإعجاب شديد. كان والدي – رحمه الله – يبعث بي حاملا له قهوته الصباحية، وأحيانا المسائية، عندما كان "مرسمه" بالقرب من القنصلية الايطالية. فكان حينها يمازحني حين لا يكون منهمكا في عمله، أما إن كان مشغول في رسم الحروف باستغراق المتعبد، فإنه يطلب مني أن أضع قهوته على منضدة بجواره من دون أن يلتفت نحوي، فيما أظل خلفه متأملا انسياب ريشته برقة فوق القماش أو الخشب ، متأملا تشكيله للحروف.

و مازال حرف ( الهاء) يلتف بين أصابعي مثلما تعلمته منه عندما كنت أراقبه. سيدي عثمان هذا علمتُ منه أنه لم يتعلم اللغة العربية إلاّ متأخر، فلقد تعلم في مدرسة ايطالية، ولكن بسبب رغبته الجامحة طلب من الأستاذين أحمد عبد الله البيرة، و عبد الله الزيداني، ابن الفقي أحميد أن يعلماه اللغة العربية.

وقد علماه فعلا، في (مربوعة ) الزيداني ، بشارع الحشر ، اما الخط فقد تعلمه من محمد على بي ، الذي تعلم الخط في تركيا. وكان من اشهر خططي بنغازي، وكان مولعا بالدراجات النارية، وقد مات، أمامي، جراء حادث مفزع، بعد أن اصدم بمؤخرة سيارة جيش انجليزي بميدان الشجرة، ولن انسى ابدا تلك الحادثة، فلقد طار جزءا من دماغه والتصق بقدمي اليمنى فيبست في مكاني. وسط صدمة الناس وتجمهرهم ، انتبه المرحوم عوض التركي صاحب محل البقالة بناصية شارع العقيب، لحالتي فأغرقني بجردل ماء، وهو يصرخ : " العيل يا ناس (مفجوع) " ورفعني وعاد بي إلى بيتنا بشارع محمد موسى . علمت فيما بعد أن تلك الحادثة كانت ايضا سنة 1951.