قهوة سي عقيلة (13) من فلقة سي لامين إلى مدرسة الأمير

بعد عام أو اثنين، من بدء انتمائي إلى (نادي) قهوة سي عقيلة، وجدتني مع صبية في مثل عمري، عند شيخ باسم ودود جارٍ لنا بشارع محمد موسى، غير بعيد من صهره الأستاذ صلاح إسكندراني، ثم بدا لي، في خلوة جامع سي محمد بنهاية شارع نبوس، رجل كبير صارم مهيب يجلس فوق كنبة مرتفعة ممسكاً بمنشة ريشية، إنه الفقيه الذي أخبرني سي عقيلة أنه سيعلمنى القرآن.

ومن الصبية الذين وجدتهم هناك من هم أكبر سناً منا؛ أمثال علي بوقصيصه الهوني، والتاورغي ومحمدة عاشور، وأصغرمنهم قليلاً إبراهيم نبوس وخليفة محمد التياس وعبدالسلام البراني ورمضان اللواحي، عبد الله المجبري (سبيكه) ومحمد عوض شمام، أما من هم في عمري فهم محمود شمام، مصطفى السمين، منصور الفقي، حسن الشويهدي، محمد حمد خليف، وغيرهم.

كان الجامع في ذلك الوقت لا يختلف كثيرا عن مرحلة تهيئة الأطفال للذهاب إلى المدرسة، كان الكتّاب بمثابة روضة لأطفال ذلك الزمن، الذين إن وصلوا مقاعد المدرسة الابتدائية عبره فسيصبحون مسلحين بالأحرف العربية وبضعة سور، وكثيرمنهم بجزء عم كاملا من القرآن الكريم، وغالباً ما يتفوقون عن أولئك الذين لم يمروا بمرحلة الكتّاب.

في تلك المرحلة إما أن تعشق اللغة العربية وإما أن ينعدم الود بينك وبينها. لم يخطر ببالي أبدا أن ذلك الشيخ الطيب، جارنا بشارع محمد موسى، الذي كثيراً ما أعطتني زوجته وابنته الشكارحلوى ذلك الزمن ، سوف يعلق أقدامي بفلقة لم أذق ألماً طوال حياتي مثل الآمها.

ولطالما تعجبت منذ صغري، مِن هذا الذي ابتكر الفلقة! كيف خطرت له فكرتها الجهنمية البسيطة، فما إن يتمكن حبلها من توثيق قدميك، حتى تعجز حتى أن تبصق على من يعذبوك: لا الاثنان اللذان يحكمان توثيق ساقيك بحبلها ويظلان ممسكان بطرفيها، ولا أولئك الذين يتناوبون على جلد قدميك بالعصا، أو مثلما تطورت فيما بعد، بخراطيم المياه..أو أسلاك الكهرباء وعندما ينتهون من مهمتهم يتركونك طليقاً... يندرأن تجد من يتعاطف معك، فيشاركك هول العذاب الذي مررت به، فلا أثر لكدمات ولا كسور. كل آثار الجريمة مخفية بين بطن قدميك والأرض! والفلقة تعني، باختصار شديد، انفتاح أبواب جهنم، من الاتجاهات كلها، على قدميك المعلقتين في الهواء، فيما ينعم ظهرك بطراوة البلاط....الفلقة تعني قدميك في جهنم، وباقي جسدك لا يهم أين يكون؟ لأن إحساسك بالعذاب يتركز في قدميك فقط!

كنت أظن أن الفلقة ابتكار تركي من أيام الدولة العثمانية، لكنني لم أجد مرجعاً تاريخيّاً يقرر ذلك، فالتعذيب في العصر العثماني تخصص في الخوازيق كتلك التي نصبها السلطان سليم الأول وأجلس مناوئيه عليها في ساحات دمشق! أقدم ما وجدته عنها يعود إلى التاريخ الروماني، فقد كانت وسيلتهم فى تربية عبيدهم، مثلما كان العثمانيون يخصون عبيدهم بتربيتهم، وأيضاً خدمة حريمهم، غير أن أوربيي القرون الوسطي هم بالفعل من طور الفلقة. ولعل متاحف فرنسا وبريطانيا - مثلا- تحوي أشكالاً من أدوات للتعذيب يتبرأ منها إبليس نفسه.

والعجيب أنها ابتكرت بنوايا طيبة هدفها أن يتوب الكفرة ويعودوا إلى دين التسامح الذي بشر به المسيح عليه السلام. وفلقة (جامع سيدي محمد) دهنت بزيت الزيتون، وزينت بخرق ملونة، وعلقت بنية طيبة، لتحتل صدر الخلوة، وتذكر الأطفال بالسور التي يتعين حفظها وتسميعها في اليوم التالي.

وفلقة جامعنا أفرزت عناصر من (طلبة الكتّاب) أحبوها، فصاروا بسبب ضخامة أجسادهم، منفذي مهمتها، ولقد أخذوا بفاعليتها في تربية الأطفال، ومساعدتهم على حفظ دروسهم، فكانوا يهبون نحو الفلقة المعلقة بالحائط بمجرد أن يرتبك الطفل ويتلعثم في تلاوة السورة المطلوب تسميعها.

كان بقية الصغار يرون البهجة تشع من عيونهم بمجرد أن يشير الفقيه لهم بالموافقة، وعلى الرغم من كونهم أقوى الصبية، إلاّ أنهم كانوا حنونين، إذ كانوا يلفون خرقة بين حبل الفلقة وساق الطفل الطري حتى لا يدمي، وكثيراً ما شاهد الأطفال دموعهم تفيض من عيونهم وهم يفعلون ذلك! ومن كثرة حبهم لعملهم لم يتركوا الجامع إلى مدرسة الأمير، مثل بقية الطلبة، سعد، مثلا اختفى، لنراه بعد أن وصلنا المرحلة الإعدادية متباهياً بشريطين أبيضين يزينان ذراع بدلته العسكرية السوداء، يعني صار( أمباشي) ثم ملازماً في عهد القذافي، غير أن موهبته تأكدت بالفعل أثناء مجزرة الطلاب، في 7 إبريل سنة 1974، ومن بعدها صارعضواً فعالاً في اللجان الثورية إلى أن انتقل إلى رحمة الله، أما رفيقه علي فلم يمض معه في المهنة نفسها، بل أصبح رياضيّاً معروفاً، سعد ليس من سكان شارع نبوس.

وإذا غادرالمتلقى الكتّاب مسلحاً بقدر كاف من القرآن تميز بلغته العربية فتصدر الفصول الابتدائية الأولى فكانت دافعاً له للتفوق. خليفة الفاخري لم يدرس بجامع سي محمد ولكنه درس بجامع الحداده فخرج متسلحاً بنصف القرآن وهذا ما جعله أحد الكتاب القلائل الذين يجيدون اللغة العربية. أما أنا أعترف أنه لولا الفلقة لما حفظت قصارالسور.

لاتسعفني ذاكرتي للتحدث كثيراً عن مدرسة الأمير قبل سنة 1954، ولكن رفاق تلك المرحلة خصوصاً محمود شمام ومحمد حمامة، أخبروني عبر ذاكرتهم القوية عن الكثير. كنت على يقين طالباً بالسنة الثانية الابتدائية، وكنت حينها رئيساً لصف الحمير، وسبب ذلك هو الود المفقود بيني وبين الأرقام.

لا أذكر سوى معركتين مهمتين انتصرت في واحدة وعرفت في الثانية معنى أن يفاجئك "دماغ" بغتة. معركتي الأولى هي التي تعلمت فيها (التيستا) كانت فجائية، وامتلأت عيناي بالنجوم ولم أتمالك نفسي إلاّ بعد أن نهضتُ والتقطت حجراً قذفته به ولكنني أخطأته، أما الثانية انتصرت فيها من بعد توظيفي للدماغ الذي تعلمته في السابق.

المعركة الأولى كانت مع المرحوم عوض القطار والثانية مع المرحوم محمد هدية الفيتوري الذي كان قد اغتيل في بداية الاغتيالات في بنغازي  عقب ثورة فبراير2011 

سقط من ذاكرتي الكثير عن تلك الفترة؛ لعل "عجاج سيدي المهدي" هو أقدم ما أتذكره، فلقد حلقوا رأسي يومها صفر، فعدت به إلى البيت بطبقة غبار بنية فبدأ كأنه شعر بني، حتى أن جدتي الساخرة على الدوام، قالت لي عندما فتحت الباب: "اعتقدت أنك واحد من عيال عمك الباجقني" وهو جد محمد وعبدالله الشويهدي، اللذان كانا كثيراً ما يأتيان إلى محله بناصية شارع محمد موسي.

أما سنة 1954 فقد ارتبطت بحادثة طريفة، نُقشت على جدار ذاكرتي، لقد مرت أكثر من ستة عقود عليها، إلاّ أنها مازالت ماثلة أمامي، الآن، بتفاصيلها مجملة كما لو أنها حدثت منذ ساعات: وكأنني أسمع، الآن، أستاذنا الكبير الشاعر المرحوم،عبد السلام قادربوه، يأمرنا نحن تلاميذ فصل 3/5 بالجلوس بعد قمنا له للتحية الصباحية، كتب كالعادة التاريخ أعلى يمين السبورة، وفي منتصفها موضوع الدرس ثم التفتَ نحونا، وسأل متبسما: " من منكم انتبه إلى شيء جديد، يختلف عما كتبته على السبورة يوم أمس؟ " لم ينتبه أحد باستثناء تلميذ مصري اسمه: إبراهيم خفاجه، كانت عيادة والده طبيب الأسنان قريبة من ميدان الشجرة، أما عيادة قريبهم ، الدكتورمعوض، فكانت فوق مقهى سي عقيلة، وكان يعالج أمراض أبناء الشارع الباطنية بالمجان، مثلما كان والد صديقنا إبراهيم يقلع أسنانهم عندما ينخرها السوس مبكراً بالمجان.

صارت يد إبراهيم المرفوعة كرادار تتابع الأستاذ عبد السلام، الذي قال له: " أنا أعرف أنك تعرف الإجابة ولكنني أريد واحداً من (عويلة بنغازي) يرفع يده، على الأقل يحاول! " ولكن الصمت أطبق بالكامل على التلاميذ كافة فلا يد مرفوعة إلاّ يد إبراهيم. وأخذ الأستاذ عبد السلام يسأل التلاميذ على التوالي: حسين السلاك، محمود رشيد الكيخيا، محمود عوض شمام، خليفه الحراري، تميم عصمان، أحمد لملوم، أبوبكر الطرابلسي، محمد خليف، منصور الفقي، رجب اللواحي، محمد التريكي، جمعه العباني، محمود عوض الفيتوري، شحات ضيف الديجاوي، محمد زايد السوداني، يوسف حمد بلال، سبيكه، مبارك عبد الله الشريف، عبدالله طلوبه، فوزي المفتي، عبد المنصف البوري، إبراهيم قويدر، محمد بوعود، عبد العزيز بوهدمه، مصطفى بالروين، عثمان شحاته الحلحولي، خليفه حامد، محمد البوري، أحمد بن صويد، فرج ساطي، محمد العبار، محمد بوعود،عوض الحداد، توفيق التاجوري، حسن بن عامر، عبد الفتاح زايد، رفعت اسكندراني، إبراهيم بشير، فكري القماطي، عبد الرازق الساقزلي، ولأنني كنت صغير السن في تلك الفترة حيث درست مع من ذكرتُ من الصف الثالث حتى الصف الخامس ثم انتقلت للدراسة الليلية، فربما اختلطت لدي بعض الأسماء، لكن أغلبها كانوا تلاميذ ذلك الفصل.

وحل إبراهيم (اللغز) لقد كانت السنة في اليوم السابق 1854 فصارت 1955 فانتقش على جدار ذاكرتي تاريخ ذلك اليوم تحديد: 1/1/ 1955. قلت للأستاذ، من باب الحسد: «أبوه هو من أخبره يا أستاذ ! أبوه دكتور .. يعرف كل شيء !» أجابني ساخراً: «واللهِ تعال هنا» ذهبت إليه مرعوباً، فأمرني: «اخلع حذائك» اقشعر بدني! تذكرت (الفلقة)! نظر إلى، ثم أمرني: «ضع حذاءك في منتصفك.. أدخله في السير» ففعلت، وطلب مني أن أواجه التلاميذ، وسألهم : «ماذا يرتدي العمامي؟» صاحوا: «علم الجزائر يا أستاذ !» كان قميصي أبيض والسروال أخضر والحذاء أحمر.

منذ العام 1955 أتذكر الكثير مما حدث في ليبيا وبالتحديد مدينتي بنغازي، فدعني أحدثك عنها من قهوة سي عقيلة، سوف أحكى لك عن كل ما أتذكره منذ ذلك الوقت حتى الآن.

 

المزيد من بوابة الوسط