قهوة سي عقيلة (11) عميد بلدية بنغازي الوجيه المحنك

الود والمحبة بيني وبين وافية وسي عقيلة متداخلان ومرتبطان كارتباط الضوء بالحياة.. ففي أعماق البحر تنتهي الحياة من بعد آخر نقطة يصلها الضوء، ولكن ضوءهما في حياتي اخترقني فعاش معي وكأنهما لم يرحلا أبدًا.

غمرتني الطمأنينة من بعد مغرب مرعب عصيب أنقذني منه سي عقيلة بعدما عاد لي بأمي. مثلما أخبرتكم من قبل، كيف كنت أسمع صراخًا وهراجًا مرعبيْن وكيف أنني تلصصتُ ومن عند ساقي جدتي ومددت رأسي لأرى شارع محمد موسى ممتلئًا برجال غاضبين يقذفون عربات البوليس بالحجارة وهم يهتفون: «يا ساقزلي.. أمغير الليلة!»، فارتعبت ولم أهدأ إلا بعدما أن طوقتني أمي منزعجة إلى أن نمت مغمورًا برائحة (المرون)، رائحة شعرها.

لم يغب عني صراخ وهرج تلك المغربية، بل وكثيرًا ما رددت لاحقًا ما سمعته تلك الليلة لصبية من عائلة الساقزلي كانوا زملائي بمدرسة الأمير. لم أعرف سبب ما حدث ولكنني عرفت فيما بعد أنَّها أول مظاهرة في تاريخ ليبيا الحديث.

تلك المظاهرة أسقطت ولاية محمد السنوسي الساقزلي مثلما قال لي صديقي الأديب النقابي رمضان بوخيط ومثلما قرأت عنها فيما بعد خصوصًا من بعد أن وضَّح لي أستاذي الدكتور محمد فرج دغيم بالتفصيل مسبباتها ونتائجها.

لم يقل لي إنه كان من المتظاهرين ولكن الصور التي عثرتُ عليها لشباب تلك الفترة وعلاقتهم بالمرحوم على بوقعيقيص جعلتني أرجح أنه كان من المتظاهرين. وهكذا وعلى الرغم من ضبابية ما شهدت أقول إنني كنت شاهدًا على هذه المظاهرة من دون أن أعرف سببها قال الدكتور دغيم: «يوم 1 يوليو 1951م فيما كان شباب جمعية عمر المختار في طريقهم إلى مقبرة سيدي عبيد لوضع أكاليل زهور وقراءة ما تيسر من القرآن على روح رفيقهم المرحوم على بوقعيقيص في ذكراه الأولى وصلت جنازة تحف بجثمانها عفونة واضحة كانت لشخص مجهول الهوية فبسبب عدم وجود التبريد الكافي آنذاك تحللت الجثة وتعفنت بعد أن طالت مدة بقائها في المستشفى.

غضب الشباب لقناعتهم بأنَّ الله أودع في الإنسان سرَّه وأوجب احترام آدميته. فانطلقت المظاهرة من هناك حتى وصلت مقر الحاكم العسكري الإنجليزي وأُسقط العلم البريطاني وعمت المظاهرة بنغازي لتصل إلى شارع محمد موسى أمام بيت المرحوم محمد الساقزلي أول والٍ لولاية برقة. وخرجت الصحف في اليوم التالي تقول عناوينها: الشعب يتظاهر بسبب حادث إنساني والحكومة تحاربه وتعتقل الشباب وتنتهي المظاهرة بسقوط حكومة ولاية الساقزلي».

ولكن من بعد إفراج الحكومة البريطانية عن بعض ملفاتها السرية نكتشف أنَّ المظاهرة قادها بشير المغيربي بتحريض من جمعية عمر المختار من أجل إسقاط ولاية الساقزلي وأنَّ عقلها المدير هو عمر باشا الكيخيا الذي يرى الإنجليز أنه عدوٌّ لهم مثلما نصَّت بعض هذ الرسائل.

ولقد ظلَّ السيد الساقزلي لغزًا بالنسبة لي فهو وإن كان من سكان محمد موسى وأنَّ عائلة أخرى تحمل الاسم نفسه تسكن في آخر شارعنا. وبعد ستة عقود عرفت مَن هو السيد الساقزلي؟

حسنًا أنا أشك أنَّ أحدًا من هذا الجيل يعرفه! فأنا مثلاً اجتزت عقدي السادس ولا أعرف عنه إلاّ القليل. يتفق مَن عاشروه أنَّه يتقن عمله ومتفانٍ في خدمة المملكة الليبية وإدريسها. هو أحد رجال خمسينات وستينات القرن الماضي كنت أراه عندما كنت طفلاً تنقله عربة سوداء من أمام بيته في شارع محمد موسى وتعود به قبيل العصر. وهو الذي تحدثت عنه في روايتي «ليلة عرس الجمل» عندما تجمهر الناس أمام منزله يهتفون بإسقاطه وقلدت هتافهم من دون أن أعرف السبب الحقيقي لغضبهم، حينها لم أكن أعرف أنَّه كان والي ولاية برقة، ثم رئيسًا للوزراء، ولكنني صنفته - لجهلي- كعدو للناس.

بعد أكثر من نصف قرن يحدثني صديقي الموسيقار، يوسف العالم، عنه فأخجل من سطحيتي وإن كنت لا ألوم نفسي لأننا - في الواقع - لا نهتم كثيرًا بتوثيق سير أعلامنا ورجالنا المنصهرين عشقًا في هذا الوطن. اكتشفت أنه أحد هؤلاء الذين أتقنوا عملهم ومارسوه باقتدار وإخلاص متميزين.

منذ خمسينات القرن الماضي كان الأستاذ يوسف العالم يعمل سكرتيرًا للمجلس البلدي الذي يضم أعيان مدينة بنغازي، وكان المرحوم محمد الساقزلي أحد الذين تولوا عمادة البلدية خلفًا للمرحوم يوسف لنقي من بعد وفاته سنة 1958.

حدثني الأستاذ يوسف العالم أولاً عن يوسف لنقي، فعرفت ما كان خافيًا عني عن تاريخ رجل قدَّم لمدينته الكثير، وكان السيد عبد المولى لنقي قد استاء ذات يوم من وصف كَـتبه أحد أصدقائنا الكتَّـاب لهذه الشخصية الوطنية والحقيقة أنَّ عددًا من الأصدقاء اشتكوا الشيء نفسه، فبحثت وعرفت فكتبت حينها عن الموضوع وهو ما رأيت أن أُعيد لكم بعضًا مما كتبته، محاولاً الإضافة إليه بما يبرز ما تستحقه هذه الشخصية الوطنية في مكانة، خصوصًا أنَّ الراوة قد لحقوا بمَن تحدثوا عنهم ولا أظن أنَّ أرشيف صحفنا المحلية سلمت تمامًا من مغبة الدمار الذي لحق ببنغازي من بعد سقوط نظام القذافي.

سمعت من يوسف العالم باعتبار أنه عاصرهما وعمل سكرتيرًا للمجلس البلدي وذلك يعني صلة مباشرة مع هذين العميدين اللذين توليا عمادة بلدية بنغازي في السنوات المبكرة لقيام المملكة الليبية المتحدة فنقف على مدى لطف الله في بنغازي التي أصبحت من بعد سقوط هتلر وانتصار الحلفاء سنة 1943 في الحرب العالمية الثانية مجرد أطلال مدينة دكتها قنابل المتحاربين تمامًا مثلما خرجت ثانية أطلالاً من بعد الحرب على الإرهاب.
لقد سخر الله لبنغازي هذين الوطنيين اللذين توليا عمادة البلدية على التوالي هما يوسف لنقي الذي كان أول عمدائها وظلَّ بها حتى رحل إلى رحمة الله سنة 1958 ثم خلفه محمد السنوسي الساقزلي الذي كان أول والٍ لولاية برقة من بعد استقلال ليبيا في 24/21/ 1951.

الشخصيتان كانتا وراء ازدهار مدينة بنغازي ووحدتها، فانصهار أسر من ليبيا كلها بالمصاهرة يجعلنا نسميها مدينة كل الليبيين. فلا يجد المرء مدينة ليبية مثلها سكنها ليبيون من مدن ليبيا كافة وأصبحت عشقهم وموالهم على الرغم من أنها لم تكن مسقط رؤوسهم مثل بنغازي التي حقَّ لها أن تسمى رباية الرجال.

الثابت أنَّ يوسف لنقي استمرًّ عميدًا لبلدية بنغازي من استقلالها حتى وفاته سنة 1958 لم يتقاضَ مرتبًا طوال فترة عمله، بل وبحسب ما أخبرني يوسف العالم، قال إن طلبات السلفة التي ترفع إليه من العاملين البسطاء في البلدية كانت قيمها في الغالب جنيهات باعتبار أنَّ مرتب الموظف لم يكن يتجاوز العشر جنيهات. كانت سلفيات المرتب التي في حدود الجنيهات الثلاثة وهو مبلغ ليس بالقليل للبسطاء في ذلك الوقت يدفعها من درجٍ بجواره ومن حرِّ ماله.

وتتمثل أخلاق شخصية القيادة الحكيمة في حادثة اشتهرت وسمعتها من عدة مصادر، خلاصتها أنَّ سكان منطقة برقة كانوا يعيشون حتى النصف الأول من القرن الماضي على الزراعة الموسمية وعلى تربية الأغنام. وعندما يقبل الصيف ينطلقون بأغنامهم ومنتجاتها إلى مصر ليبيعوها هناك. وكانوا يرحلون جماعات، وينزلون بفندق بميدان المنشية بالإسكندرية واعتادوا أن يحتفظوا بمبيعاتهم في صندوق مشترك يحوي صرر نقودهم بحيث لا يترَك الصندوق من دون مَن يحرسه.

عصر يوم من الأيام أراد أحد التجار أن يأخذ صرة نقوده من الصندوق فلم يجدها في الصندوق بين الصرر فانزعج وكان يوسف لنقي - أحد هؤلاء التجار- متكئًا بالحجرة التي تجمعهم فقال له: «يا سيد يوسف صرتي ليست في الصندوق» فأجابه المرحوم يوسف من دون تردد: «صرتك عندي لقد احتجت إليها فأخذتها!». فصمت الرجل ولم يقل شيئًا. في المساء عاد الرجل ليأخذ صرة لأخيه فعثر على صرته، أمسك بها وذهب نحو يوسف لنقي وقال له متعجبا: «لقد قلت لي إنك أخذت صرتي ولكنني وجدت صرتي كما هي في الصندوق»، فالتفت المرحوم يوسف نحوه وقال: «وهل كنت تريدني أن أقول إن صرتك سرقت؟ فنوصم نحن (عرب بنغازي) بالسرقة؟ هل نجعل أهل مصر يقولون إن تجار بنغازي يسرقون بعضهم البعض؟»، فسأله الرجل مستغربًا: «وهل كنت تنوي أن تدفع لي المال الذي كان بصرتي وأنت لم تأخذه؟»، فأجابه: «وهل تريديني أن أعود بعار يطول تجار بنغازي كلهم بسبب حفنة فرنكات؟».

كانت السنوات العشر التي تلت استقلال ليبيا سنوات صعبة، فليبيا صنفت عند استقلالها كثالث أفقر دولة في العالم، ناهيك عن مؤامرت وتجاذبات خارجية كانت تحاك قبل الاستقلال وبعده، ولكن حكمة مَن تولوا أمر بنغازي هي التي أوصلت البلاد وسريعًا إلى حالة من الاستقرار توِّجت باكتشاف النفط وتصديره، غير أنَّ الأهم من ذلك ما أنعم الله به عليها من رجال أشراف حكماء تولوا قيادتها سوف نعرف، بتواصل هذه السيرة، عددًا منهم وسوف تكون لنا وقفة أخرى مع يوسف لنقي، وسوف نتحدث عن محمد السنوسي الساقزلي في حينه بالتفصيل.

المزيد من بوابة الوسط