«قهوة سي عقيلة» (10) رائحة شعر وافية

عندما أخبرني سي عقيلة أن مقهاه، هو في الأساس لعمه عبدالقادر، كنت أريد معرفة تفاصيل أكثر ولكنني خشيت ألاّ يتواصل وصفي للمكان، فعدت إليه ليوضح لي العلاقة بينه وبين جدتي عائشة، التي كانت تعيش في بيتنا ذلك الوقت، وكل الذي أعرفه أنها خالة أمي وأنها لم تنجب ذرية، فسألته عنها فقال، من دون أن يذهب -كالعادة- مباشرة إلى الإجابة : «أتعرف -يا دقاق- أن جدتك عائشة هي التي خطبت لي أمك وافية، إنها ابنة أختها.

كانت أمك يتيمة تعيش مع أمها فقط، أما أختها فاطمة فكانت متزوجة وتسكن في قمينس. أنت تعرف أنني كنت متزوجًا من أمك علياء، ولكننا لم ننجب ذرية، فاستحلفتني يرحمها الله أن أتزوج عليها، ولكن لما تزوجت أمك أصرتْ على الطلاق. أنت لا شك تتذكر حينما كنت آخذك إليها، وكانت تنتظرك بأنواع الحلوى التي كنت تحبها، كانت تعرف أنك تعشق حلوة الديك وحلوة الكاكاوية، ولذلك كانت دائمًا تنتظرك بهما.

كانت تفرح كثيرًا بمجيئك، كنا نذهب إليها في شارع سيدي عبدالجليل بالدراجة، أضعك أمامي، وأنبهك طول الطريق ألاّ تخبر أمك» ثم تبسم وأشعل لفافة تبغ واستطرد: «ولكن أمك عرفت ذات يوم..» وانفجر ضاحكًا وقال: «واو. يوم لا حضره محمد ولا علي .. ولا حتى محمد الكحلاوي! ثم شكتني عند جدتك عيشة» ثم صارت ضحكة العذبة هستيرية.. وهو يقول: «وحق ربي جدتك عيشة طرفة». وتواصلت ضحكته، حتى أدمعت عيناه، الخالية من الرموش! بسبب مرض (العقرا) كما كان يسمى مرض (التراخوما). ثم مال نحوي، وضحكته متصلة، وعندها عرفت أنه سيشرع في حكاية جديدة لا علاقة لها بسؤالي.

قال: «بعد وفاة عمي عبدالقادر تزوجتْ جدتك عيشة راعيًا، كان يشارك المرحوم في (شلاق) غنم، وأخذها معه إلى قمينس، ولكنها عادت بعد حوالي عام لتقيم معنا في بيت شقيقتها بشارع محمد موسى، البيت الذي انتقلنا إليه من شارع سنيدل، موقع رأسك. كنت حينها لا تزل في القماط. المنزل ملك جدتك زمزم. وأنا لم أعرف سبب رجوعها إلاّ بعد أن أخبرتني أمك أنها زعلانة من زوجها. وقد جاءني بعد حوالي شهر زوجها: سيدك (امزرع) لعلك تتذكره، وشرح لي ما حدث وأفهمني أنه مارس حقه الشرعي وتزوج من ابنة أحد رفاقه الرعاة في قمينس. وسطني أن أقنع جدتك عيشة بالعودة معه.

ولما تحدثت معها عما قاله لي زوجها، نظرت مباشرة في عيني وقالت لي: «اسمع يا عقيلة أنا عيشة بنت بن ساسي، جيت لبنغازي صغيرة مع زمزم رفيقة عمك محمد دقيق، والد وافية وفاطمة، محمد دقيق الذي كانت الرقعة النسائية التي يصنعها بيديه، يشترطها عرب بنغازي المعروفين مع جهاز بناتهم» قاطعته متسائلاً: «الرقعة؟!» أجابني: «نعم الرقعة، إنها مثل ما تسمونه هذه الأيام بوت».

الصبايا كن يقفن بالطابور قدام دكانه في ميدان الحدادة لتفصيلها لهن!! ثم استطرد ينقل لي ما قالته له جدتي عيشة، قالت له:
- «وراسك يا عقيلة الخطاب لحقوني من وادي ماجر، ومن مصراتة، ومن زليتن، ولكن نصيبي كان عمك عبدالقادر الله يرحمه ويسامحه على كل دقيقة عشتها معه. ثم يلعب بعقلي، (هالمعفن)، وأوافق وأتزوجه. أنا عيشة بنت ساسي بو دبيره، تتزوج راعي غنم (مقمل)!؟ وقبل الحول يبدلني بفرخة لو كان سخر لي الله ذرية لكان عندي مثلها سبعة! وراسك يا عقولة ما عاد يشم لي عقوص». وأخذته الضحكة ثانية وصحح ما قاله: «قالت لي ما عاد يشم لي (عكوش)» كان عمرها في ذلك الوقت فوق الستين! «وبسبب فقدانها بعضًا من أسنانها الأمامية نطق كلمة عقوص: عكوش!» سألته عن معنى عقوص، فأجابني: «العقوص يعني الضفائر، كانت النسوة يضفرن شعرهن ضفيرتين وحتى تظل رائحة الشعر طيبة يُظفر بمعجون الحنة والقرنفل وروائح طيبة. كان يسمى (المرون) فيظل الشعر فائحًا لأسابيع!».

وتداعت رائحة (المرون)، رائحة شعر أمي، رائحة الحاجة وافية محمد دقيق العمامي، التي لا أعتقد أن عملنا هذا سيكون متكاملاً إن لم أقدمها لكم، باعتبار أنها شريكته الصامتة، إنها أمي النحيفة الصلبة الحكيمة والعجيبة؛ هي ركيزة استراتيجية محورية في حياة سي عقيلة وقهوته وأبنائه.

وافية سيدة صامتة قليلة الكلام، تجيد الإنصات ولذلك كانت مخزن أسرار الجارات، ومعارفها من العائلة. ونظرًا لأن مجتمع بنغازي كان، وما زال إلى حد كبير مجتمعًا ذكوريًا بامتياز، كانت شكاوى نصفه الأنثوي سرية للغاية، وكان حينها، همّ الأنثى «الإنسانة» كبيرًا، والحاجة لمن تشكي إليه ملحة ومهمة، والأهم، من ذلك، أن تجد من يتعاطف معها، ولا يبوح بسرها. وكانت الحاجة وافية خير من يقوم بهذه المهمة، فهي كتومة للغاية، وحتى بعدما أن هرمت وتمكن منها الزهايمر واختلطت عليها الأسماء والأشكال والأحداث، تفردتُ من دون بقية أخوتي، بتسلطي على ذاكرتها، ولم تنسني أبدًا، ولكنها لم تبح لي بأي سر واحد.

وتتباهى بأنها تقوم الأفجار، من دون أن تدري، رافعة يديها نحو السماء، تبتهل أن يوفقني الله، ولذلك كثيرًا ما فسرت أنها السبب وراء هذا التوفيق والعناية اللذين يلازماني، على الرغم من نزق بلغ أحيانًا حد التهور. نجوت من مطبات كبيرة كثيرة، وكنت أحس بذلك ولقدد مررت بالكثير من الأحداث واستنجدت بها في سري ولم تخب مطلقًا، ولولا خشيتي من مناكفة عدد من أصدقائي، الذين تابوا إلى الله من بعد رحلات حج وبكاء وخشوع، لسردت الكثير من هذه المطبات.

وافية، أيضًا (عمامية) من قبيلة والدي، وهما من لُحمة تسمى: الـ (دقيق) وهما من عمائم مصراتة، فمثلما وضح لي شيخنا المرحوم عثمان حمد العمامي، أن وطن العمائم على ضفتي مجري وادي ماجر، الذي يسيل ما بين زليتن ومصراتة، فمن هم على ضفة زليتن هم عمائم زليتن، أما آل دقيق فعلى ضفة مصراتة. هكذا أخبرني، ولكنني أعرف أنني منتمي تمامًا، مثل سي عقيلة لبنغازي، الذي يكرر دائمًا: «أنا ولدت هنا، وعشت هنا، وسوف أدفن هنا وغير ذلك ليس لي وطن آخر». سي عقيلة لم ير إلاّ قمينس ومكة المكرمة، ثم مقبرة سي عبيد.

سموني على والد وافية. لم تكن في بيتنا صورة لسواه. محمد دقيق الذي كان مشهورًا في سوق الحدادة، يجيد صنع (الرقعة) وهي لمن لا يعرف حذاء كالبوت ومزركش، وتتباهى وافيه بوالدها: «أن العائلات المرموقة كانت تشترط على خطاب بناتها (رقعة دقيق)». ولما افتتحت في منتصف السبعينات (محل 21 للأحذية) قالت لجارتها: «سبحان الله العرق دساس ترك صنعة بوه وشهادته الجامعية وافتتح محل أحذية.. كيف جده محمد دقيق!».
ومن لقبه اكتسبت لقبًا ما زلتُ أسمعه من رفاق الطفولة، مثل فتحي بدر وفضل الله العبار. المرحومة الحاجة فاطمة اعمير حرم المرحوم أمحمد الفيتوري، هي من سمتني دقاق، وهو مثلما ترون من دقيق. وجدتي زمزم كانت جميلة في عصرها، وبعدما هرمت تخصصت في سي عقيلة، لم يكن أحد بقادر على إثارته مثلها.

الحاجة وافية طرفة لمن يعرفها، فهي جادة للغاية وعاقلة وهي سحارية أسرار عجائز شارع محمد موسى، ثم شارع شمسة، ثم نبوس، ثم شارع شمسة والرعيض وختامًا قصر بوهادي في الفويهات خلف مستشفى الأطفال. وكانت صديقة خليفة الفاخري، وكذلك على مصطفى المصراتي الذي سجل منها أغاني (عَلمْ) لكتاب يعده، ولم ينشره، حتى الآن، فلقد عدنا من درنة، رفقة الدكتور زياد علي، من بعد مشاركة في مهرجان أدبي عن الشاعر إبراهيم الأسطى عمر في مارس 2001 وصلنا بنغازي متأخرين فقضى الليلة في بيتي من بعد أن أغريته بما يستطيع تسجيله من وافية، لقد تركته معها، فسجل منها الكثير، وعندما عدت إليه، كانت قد أعدت لنا «دشيشة بالقديد» وعندما ذهبت إلى المطبخ، قال لي مبهورًا: «أمك دي حكاية! دي حافظة أغاني أم كلثوم كلها، أنت متأكد أنها ليبية؟ دي معجبة جدًا بألحان زكريا أحمد والقصبجي.. نص مصر ما يعرفوهمش؟».

وهي تعرف (كليمات) إيطالية، ولم تذهب إلى مدرسة ولم تسافر إلى مصر إلاّ مرة واحدة نقلتها سيارة إسعاف في غيبوبة وعادت مباشرة في طائرة ولم تر سوى المستشفى والموسكي، وبرج القاهرة، التي سمته، بعدما حكيت لها عن قصته، (بلاص عبدالناصر). هذه يا أصدقائي أمي وأم عبدالقادر وإبراهيم وسالمة وزكية ونعيمة ومريم، وهي أروع الأمهات، وكانت تربطني بها صداقة قوية جدًا، حتى إنها حكت لي عن أحلام طفولتها! وكانت تحب صديقي المصدي، وحسن وعبدالرازق بوخيط، ومحمد الترهوني ومحمد ومحمود عوض شمام، وفتحي بسيكري ومحمد المقوب، وموسى التاورغي، وخليفة الفاخري، وماريا اليونانية ومحمد علي العريان، أستاذي في الجامعة، والذي قالت لي عنه: «ياباتي حامل كتاب الله.. لكنه زقطي! بس طيب».

أخذتها إلى الحج، وعند وصولنا مكة المكرمة كان الوقت قريبًا من الفجر، فشرعنا في طواف القدوم غير أنه عند الانتهاء منه، ارتفع آذان الفجر، ولم أكن متمرسًا أو خبيرًا لما سيحدث واندفع طوفان البشر المأخوذ بجلال المكان ورهبته، وكانوا لا يرون أحدًا أمامهم فسقطت والدتي تحت أرجلهم ورفعتها بمعجزة، وخرجت بها وأجلستها بصوان الحرام وارتاحت.. وفيما كان الحجاج يبتهلون: «لبيك الله لبيك» نظرت إليّ وتمتمت متبسمة: «زروك.. يا احميده سامحني» وعدت بها إلى المقر المشرف على الكعبة وأخبرتها أني فديت لها عن المناسك، فظلت في الشرفة تشاهد الحجيج وهم يطوفون ويبتهلون، «لبيك اللهم لبيك» فنظرت نحوي ذات يوم وقالت متبسمة : «زروك اللهم زروك».

عندما وصلتني في القاهرة كانت في غيبوبة مرض، وأجريت لها عملية صعبة، وعدت بها إلى شارع الرعيض، كان سي عقيلة ينتظرها خلف الباب وتسلمها مني وطوقها بذراعيه وشاهدته لأول مرة في حياتي وهو يبكي، كان يقول لها: «والله ما توقعت أن تعودي لنا.. الحمد لله الآن أيقنت أنني سوف أرحل قبلك.. وبالفعل رحل قبلها».

بعدما رحلت كتبت لها ذات مرة، رسالة غيبية، من بعد ما عرفنا عيد الأم، قلت لها: «يتغمدك الله يا (أوفيه) بواسع رحمته ويسكنك فسيح جناتك، تذكرتك في هذا العيد الذي لم يبتدعوه إلاّ بعد رحيلك. أريد أقول لك إنني أحبك جدًا فلقد كُنت لنا أمًا مثالية، وأريد أيضًا أن أقول لك إنني لم أزعل أبدًا من الكف الوحيد الذي صفعتيني به بعدما عدت لك بأخي إبراهيم (مطهر) من دون علمك.

طبعًا أنا لم أقل لك إنني عندما عرفت أنك كنتِ تخططين لحفلة طهوره، قررت التصرف بسرعة، لأنك لا تعرفين أن الوضع المادي لم يكن يسمح حينها بمخططك، فأخذته على دراجتي إلى مستشفى (بوردوشومو)، من دون علمه وعلمك، وعدت به دائخ.. فكان ذلك الكف الذي ظللت تطلبين مني أن أنساه! بالله، كيف أنساه؟ وما زالت طراوة يدك تدغدغ خدي. أنا أحبك أوفية.. وإن شاء الله يا ربي تكوني دايرا جو مع سي عقيلة لأنه كان يحبك هو الآخر، أنا لم أقل لك إنه أعترف لي بذلك، وحلفني ألاّ أخبرك حتى لا تزيدين من دلالك عليه.. أتذكرين يوم جابلك (بوسعدية) قدام الحوش، في شارع محمد موسى، وجعلك تشهدينه خلسة من البواب الموارب من خلف ظهره. والبنات يهدونك السلام ويقولن لك: «(هي أصل الحكاية إيه) ويسلم عليك قدورة و(المنجوه) يا أروع الأمهات، لقد غمرتينا بحبك وحنانك.. فظللنا معًا مثلما تركتينا. إننا نفقدك ونفتقد سي عقيلة.. بالله سلميلنا عليه، وقولي له إننا نحبه ونحبك جدًا».

 

المزيد من بوابة الوسط