صلاح عيسى.. «جئت إلى الدنيا لكي أعترض»

فقد الوسط الثقافي في مصر واحدًا من أبرز الكتاب الصحفيين والمؤرخين المعاصرين، وهو صلاح عيسى، المولود في 1939 بمحافظة الدقهلية بدلتا مصر.

ورَسم عيسى صورة للحالة الاجتماعية والسياسية في مصر عبر كتاباته عن حوادث متنوعة في التاريخ، حتى بات واحدًا من أهم المؤرخين في السنوات الـ50 الأخيرة، ولقب بـ«جبرتي العصر الحديث»، وفق «المصري اليوم».

ونشأ الراحل في أسرة لأب ليبرالي التوجه، وعرف بنضاله ضد السلطة في عهدي الرئيسين الراحلين جمال عبدالناصر وأنور السادات، والطريف أنه كان يحتفظ بمكتبه في جريدة «القاهرة» بلافتة للروائي الماركسي الروسي، مكسيم غوركي مكتوب عليها «جئت إلى الدنيا لكي أعترض».

وبجانب عشقه للقراءة، اهتم الراحل بكتابة القصة القصيرة، وكتب أول مجموعة في السجن حينما اعتقل في ستينيات القرن الماضي، تحت عنوان «جنرالات بلا جنود»، ثم رواية «مجموعة شهادات ووثائق في خدمة تاريخ زماننا»، لكنه لم يستكمل مجال الأدب، واتجه بعدها للتاريخ والسياسة.

بعد التخرج في الجامعة، التحق عيسى بوظيفة في وزارة الشؤون الاجتماعية، ثم انخرط في العمل السياسي، وانضم لمنظمة يسارية، اعتقل على إثرها، وفصل من العمل، وتوقف عن الكتابة في مجلة «الحرية».

وعن تلك الفترة يقول: «السجن تجربة جميلة. فيها أنتجت أول مجموعة قصصية. تمنيت لو أن الحكومة تعتقلني كل عام شهرًا ونصف للتأمل، والتفكير في الكتابة أكثر».

خرج عيسى مع صعود أنور السادات إلى السلطة، وكتب مقالات في صحيفة «الجمهورية» التابعة للدولة، لكنه سرعان ما مُنع من الكتابة، لمعارضته سياسات السادات، وعاد للمعتقل مع يناير 1977، ثم اعتقالات سبتمبر، مع عشرات المثقفين عام 1981، احتجاجًا على اتفاقية كامب ديفيد مع إسرائيل، وبعد خروجه تولى صحيفة «الأهالي» التابعة لحزب التجمع عام 1982.

ظل على اليسار، هو معارض أبدي للسلطة، لكنه تراجع قليلاً في عهد حسني مبارك

ظل على اليسار، هو معارض أبدي للسلطة، لكنه تراجع قليلاً في عهد الرئيس الأسبق، محمد حسني مبارك، ودخل مؤسسات الدولة المصرية من بوابة صحيفة «القاهرة» وعلى ذلك يعلق: «الحكومة ليست كلها فاسدة، لا مانع من التعاون مع من يفتح منها طاقة نور للمعارضة».

نسّج «عيسى» كتابات عدة عن حوادث متنوعة في تاريخ مصر، أغرق القارئ فيما كتبه، حتى بات أهم مؤرخي مصر في السنوات الأخيرة. وفي كتابه «مثقفون وعسكر» حلل وضع المثقفين في عهد جمال عبدالناصر، فيما أشبه ببحث مكتمل مستندًا لوثائق ومعلومات بعيدة عن خيالات وأوهام المصريين، تحدث عن تجربة ريا وسكينة (شقيقتان اتهمتا بخطف النساء والاستيلاء على ما يتحلين به من ذهب ومصوغات بعد قتلهن) في كتابه «ريا وسكينة.. سيرة سياسية واجتماعية».

وفي «حكايات من دفتر الوطن»، بأسلوب ممُتع وجذاب كعادته، تناول حوادث متفرقة من تاريخ مصر، ركزّ فيه على الجانب الشعبي من كل حكاية، واستمر بعد ذلك في توثيق كل ما يكتبه، فأخرج «شاعر تكدير الأمن العام: الملفات القضائية للشاعر أحمد فؤاد نجم»، بجانب «تباريح جريح»، الذي جمع فيه مقالات كتبها في الثمانينيات عن قضايا سياسية واجتماعية عدة، وفق «المصري اليوم».

يبقى كتابه «شخصيات لها العجب» سيمفونية عَزفها مثل المايسترو عن شخصيات لعبت دوراً بارزًا في الحياة السياسية والثقافية والصحفية في القرنين الـ20، والـ21، بينهم محمد حسنين هيكل.

وتوفى صلاح عيسى عن عمر يناهز 78 عامًا، بعد صراع مع المرض، في 25 ديسمبر 2017.