يوسف القويري يكتب: أساسيات التأليف في الآداب

المقصود بالتأليف كل عمل نثري أو شعري أبدعه مؤلفون يعيشون في بلدانهم ولا يعانون ضغط الغربة وانعكاساته على نصوصهم. ويتحدد العمل النثري في أجناس أدبية كثيرة كالرواية، والقصة القصيرة، والدراما المسرحية، والخاطرة، وبعض مستويات السيرة الذاتية والمقامة، والمقالة الأدبية.

ويضم الإبداع الشعري: القصيدة العمودية، والقصيدة الحديثة، والمسرح الاستعراضي الغنائي و«الأوبريت» ذات الحدث والحبكة، والإنشاد الملحمي المتضمن أحداثًا واقعية وتاريخية، ثم الأسطورة وهي مزيج من صميم المعتقدات القديمة والفلكلور الشفهي المتحدر إلى أزمنة بعيدة قبل نقشه في الحجارة أو تحبيره على الجلود وأوراق البردي.

وتشكل الأسطورة الموضوع الذي يختص بدراسته علم شهير هو «الميثولوجيا mythology واخترنا كلمة آداب ـ وهي جمع أدب ـ لأننا سنتطرق بإشارات إلى آداب الأمم الأخرى. وبشأن الرواية يبدو بارزًا ـ لأي عابر سبيل ـ طود الرواية العربية الكاتب المصري الكبير «نجيب محفوظ».

وقد تبوأ هذه المكانة العالية بفضل النفس الطويل والمثابرة والمقدرة الأدبية الفذة التي يمتلكها «نجيب محفوظ» وليست في حوزة معاصريه أو سابقيه. والواقع أن نشأة الرواية العربية تعود إلى القرن التاسع عشر.

وهذا يعني أنه قبل نجيب محفوظ بفترة طويلة ظهرت الرواية العربية لكنها لم تكن بطبيعة الحال ذات قيمة أدبية وإن كانت تحمل سبقًا تاريخيًّا كإحدى البواكير لهذا النوع الأدبي.

وقد عثرنا على خبر به تقريظ لرواية معينة في مجلة «المقتطف» المصرية التنويرية التي كان يصدرها الأستاذان الكبيران «يعقوب صروف» و«فارس نمر» وذلك في عددها المؤرخ في مايو سنة ١٨٩٥م حيث جاء ما يلي: «شمس الضحى» هي رواية أدبية غرامية فكاهية مهذبة الألفاظ والمعاني، ألفها حضرة الكاتب الأديب «حبيب أفندي حنا» من موظفي إدارة الخزينة العمومية بنظارة المالية، وزينها بكثير من الصور، وقد طبعت في مطبعة «المقتطف» طبعًا متقنًا فنثنى على حضرة مؤلفها ثناءً عاطرًا، ونتمنى لها الانتشار.

وينبغي أن نلاحظ بعد قراءة الخبر أنه وفق المتداول في المجتمع المصري لا يطلق لقب أفندي على الدرك بل على كل متعلم يرتدي الزي الإفرنجي المعتاد حاليًّا في جميع البلدان.

ومع ذلك كله يظل ظهور الرواية العربية الحديثة مقترنًا باسم نجيب محفوظ كرائد للرواية العربية وأديب أصيل حاز أخيرًا على جائزة «نوبل» العالمية في الأدب اعترافا بدوره ومستواه الأدبي الرفيع.

وقبل ذلك الصيت الرنان.. منذ أن كان نجيب محفوظ طالبًا في الجامعة كان يقرأ مقالات وأبحاث الكاتب الكبير «سلامة موسى»، ويتابع ذلك بإعجاب، وبعدما نال ليسانس كلية الآداب في مادة الفلسفة لم يشتغل مدرسا أو كاتبًا بإحدى الصحف الكبرى بل التحق بعمل روتيني محض، وتوطدت علاقته بعد تخرجه بالأستاذ سلامة موسى.

وعن العمل الروتيني، فنجيب محفوظ هو الأديب الوحيد في البلاد العربية الذي استطاع المواءمة بين الروتين ونزعات الفنان وسجاياه التي تضيق بالنظم الروتينية.

وإزاء ذلك أبدى الكاتب المصري المعروف الأستاذ «أنيس منصور» تعجبه قائلاً:» إن نجيب محفوظ منظم في كل أحواله إلى حد يفوق الوصف، وهو فريد في هذا الباب لدرجة أن جميع أوقاته على مدار النهار والليل مبرمجة لا يحيد عنها قيد أنملة».

وفي تلك الأثناء شرع نجيب محفوظ في إتمام رواية حملها بعد ذلك إلى أستاذه سلامة موسى، لكن الأستاذ لم يوافق على نشرها ولاحظ أنها قليلة النضج، ورغم ذلك أطرى بعض جوانبها وطالبه بكتابة رواية جديدة، فعكف نجيب محفوظ عدة أشهر يعالج روايته الجديدة.

والحقيقة أن تأثير سلامة موسى في توجيه الأديب كان فائق الأهمية، وفيما بعد صور الأستاذ نجيب هذا التوجيه في رواياته. وسنرى أن هذين العلمين «سلامة موسى» و«نجيب محفوظ» أحبا وطنهما مصر، وسعى كلاهما للارتقاء به على مدارج التقدم.

كان الشغل الشاغل لنجيب محفوظ في ذلك الحين البعيد هو وصل ما انقطع من التاريخ الوطني التليد، حيث دهور الفراعنة الطويلة تتجلى للقراء المصريين في رواياته الأولى التي شكلت مرحلة أدبية وفكرية متماسكة البنيان. ومن إبداعات تلك المرحلة رواية «كفاح طيبة».

وفي الجهة المقابلة كان الأستاذ سلامة موسى يعتني بنفس الأمور التي تخص مصر وماضيها الحافل بالزراعة ونظم الري الطليعية، وبالصناعة والتعدين والطب والفنون التشكيلية والموسيقى والتقويم الشمسي وأرصاد الفلك والفلسفة والآداب والغناء.

أثناء تلك الآونة كان نجيب محفوظ يزداد يقينًا بأنه عزز إحساس المصريين بموروثهم الحضار

وأثناء تلك الآونة كان نجيب محفوظ يزداد يقينًا بأنه عزز إحساس المصريين بموروثهم الحضاري لكنه أدرك أيضًا أن هذا الاستقطاب الصائب قد أدى دوره ولم يعد في حاجة إلى المزيد. وكان حائرًا بصدد خزائن الذكريات والانطباعات في نفسه الجياشة، وهي خزائن زاخرة بيوميات طفولته وصباه قرب جبل «المقطم» وأحياء الجمالية وسيدنا الحسين والسيدة زينب والأزهر والموسكي والفجالة. وفي باله تزاحم الكثير من الأشخاص الواقعيين الذين عاصرهم في ماضيه وعرف خفاياهم وسجاياهم وأساليب سلوكهم، وكان يرغب رغبة عارمة في التغبير عن ذلك كله بالكتابة الأدبية التي لا تكون مجرد اجترار عادي للذكريات. فالأشخاص في الأدب الحقيقي مثل الأشخاص في الحياة ليسوا أرقامًا ذات نتائج حتمية في كافة الظروف المتشابهة، ولا مجرد طلاء من أسماء، بل هم أغوار وتكاوين تضارع البعد الثالث في اللوحات الإبداعية، حيث تغوص العين في عمق المنظر المترامي بكل تفاصيله داخل الرواية. ونحن نميز ذلك في أدب «نجيب محفوظ» فقليلاً ما كان يلجأ إلى التدخل من منظور مستقل لتصوير الأشخاص والبيئات والأمكنة باعتباره المؤلف للنص والمراقب الخفي في آن واحد، فالأشخاص ينبثقون ويتبلورون في رواياته ككائنات آدمية حقيقية، ولا نطالعهم حبرًا على ورق وأسماء كرتونية لأفكار فلسفية.

إن نجيب محفوظ يفعل ذلك عندما يرخي العنان لأشخاص الرواية مطابقًا لقول الشاعر: دع الأمور تجري في أعنتها/ ولا تبيتن إلا خالي البال / ما بين غمضة عين وانتباهها/ يغير الله من حال إلى حال
فهو يحرص في التأليف الأدبي لأشخاصه على تصويرهم من خلال مواقفهم تجاه الأحداث وأمارات انفعالاتهم ونبراتها. فالأحداث والانفعالات هما الركيزة المزدوجة التي تجعل أولئك الأشخاص يتكاملون ويتضحون وينبضون في بصيرة القارئ.

وقد استفاد «نجيب محفوظ» تقنيًّا في الثلاثية بالذات من بعض مقومات المدرسة الطبيعية لكبار الأدباء العالميين الذين توثقت أسماؤهم بتلك المدرسة التي أنشؤوها مثل «بلزاك» و«إميل زولا» وغيرهما.

بيد أن نجيب محفوظ في الحقيقة لم ينتهج سكك تلك المدرسة الأدبية على طول الخط، بل إنه لم يبدأ بها. والدليل على ذلك هجره لها بعدما أتم «بين القصرين» و«السكرية» و«قصر الشوق» وهذه الروايات الثلاث هي ثلاثيته الشهيرة. ثم اتجه بعد ذلك إلى تقنيات أخرى مبتكرة ومضامين مختلفة عما سبق تشف عن هموم الطبقة الوسطى المصرية أو مآسي البرجوازية الصغيرة التي زعزعتها ظروف الضغط الاقتصادي والديموغوجيا الفكرية، ونجد هذه التحولات متوهجة وساطعة في رواياته البديعة التي أنتجها بغزارة في الخمسينات وظل ينتجها حتى آخر رمق في حياته.

وفيما يلي مقتطفات من إحدى قصصه القصيرة عنوانها «قوس قزح» ضمن كتابه «بيت سيئ السمعة» وهو مجموعة قصص قصيرة ـ طبعة ثالثة سنة ٢٠٠٧م ـ منشورات «دار الشروق» المصرية في القاهرة: «اجتمعت الأسرة على هيئة مجلس الشورى، ذلك تقليد جميل متتبع من زمن بعيد بفضل حكمة الوالدين، حسن دهمان وهو من رجال التربية وعلم النفس، والسيدة نظيرة وهي مفتشة كبيرة بوزارة الشؤون، والغرض منه تربوي لإشراك الأبناء في تحمل المسؤولية وتفهم الحياة، فضلاً عن أنه يجعل من العقل المحرك الأول لسلوكهم.».

«هذا هو عين العقل».. هذه الجملة أكلشيه يختم به الرجل مناقشاته وتقريراته الموفقة، ومنها يقف «طاهر» موقفًا غير ودي،أإذ أنه طالما عانى المتاعب باسم العقل. ولكن العقل يؤدى دورًا خطيرًا في حياة الأسرة كأنه معبود.
وبفضل توجيهه ساد الأسرة نظام عجيب فهي ساعة دقيقة، البيت آية في الترتيب والأناقة كأنه وجه ذو ملامح أبدية، سقوط عود كبريت أو تزحزح مقعد عن موضعه أو ارتفاع في درجة صوت الراديو عن الحد المرسوم يعد من الحوادث المزعجة التي تتطلب علاجًا سريعًا.. وأوقات الطعام والاستيقاظ والنوم والعمل والراحة تخضع لدقة فلكية. ويقول حسن دهمان عن ذلك كله: هذا عين العقل.

«ولكل فرد في الأسرة دفتر توفير ونوع من الكتب يلائمه، وحتى الأغاني والبرامج الإذاعية والتلفزيونية تتقرَّر بعد تشاور ونقاش. ولدى مواجهة أي مسألة مهمة ينعقد مجلس الأسرة ويدلي كل برأيه، ويفحص هذا الرأي بكل عناية ودقة سواء تعلق بنوع الدراسة أو الحب أو الصداقة أو السياسة. أجل لا يفلت من هذا النظام شيء، ثم يقول حسن دهمان بكل ارتياح: هذا هو عين العقل.

وطاهر دهمان هو أصغر أبناء حسن دهمان، طالب في المرحلة الثانوية وبقية أخوته وأخواته طلاب في الجامعة.

وانتهى المطاف بطاهر دهمان في أحد مستشفيات الأمراض العقلية، وواضح أن نجيب محفوظ ينتقد بحزم النظام غير المعقول للأمور بعد ما كان نجيب محفوظ يطبق ذلك على نفسه، فقد صقلته التجارب ولم يعد في نفس موضعه السابق فلقد نضج رأيه في كثير من المسائل خاصة حين نعرف أن هذه القصة القصيرة يعود تأليفها إلى فترة حديثة داخل الألفية الثالثة وتحديدًا سنة ٢٠٠٦م وفق دار الشروق المصرية، أو ـ من جهة أخرى ـ وفق قائمة مؤلفاته التي حددت تأليف هذه القصة القصيرة في منتصف الستينات من القرن العشرين، وكلا التاريخين يعتبر حديثًا. أتيا مع نضج الكاتب في هذا الشأن.

وحين نعاود قراءة «الثلاثية»، بتؤدة فسوف نلاحظ استتباب نمطية أخاذة ربطت به أجيالاً من الناس، فأحمد عبدالجواد في الثلاثية هو شخص محوري نمطي نصادف في الحياة الواقعية مئات من أشباهه بأسماء كثيرة يخوضون غمار أحداث عامة ووقائع خاصة متنوعة.

ويبدو من المعتذر إن لم يكن من المستحيل إعادة أصول الرواية العربية إلى المقامة، فعموم المقامات ترجح إرجاعها إلى الملاح القديمة رغم أن الملاحم القديمة هي كلمات موزونة وخالية من القوافي مثل ملحمة «غلغامش» السومرية، والمشكلة عينها تواجهنا عند محاولة تحديد زمن نشوء الرواية العالمية، لكن إجماع نقاد العالم ينعقد حول اعتبار القرن السابع عشر من الميلاد ميقاتًا لتلك النشأة ويبرهنون على ذلك برواية «دون كيخوت» أو «دون كيشوت» للكاتب الإسباني الكلاسيكي الكبير «سرفانتس».

الرواية العالمية
أما الرواية العالمية الحديثة بتقنيتها وأسلوبها وبنائها الجديد فقد بزغت عند مؤلف «موبي ديك» وهو الكتاب الوحيد الأكثر شهرة من «مارسيل بروست» و«برونتي» و«جوناثان سويفت»، و«هربرت جورج ويلزم» و«تشارلز ديكنز» وغيرهم. وفي أميركا عند «أرنست همنغواى» و«جون شتاينبك» و«هيلين كيلر» و«هوارد فاست» و«آرثر ميلر» و«وليام فوكنر» وغيرهم ، وفي روسيا «ليو تولستوي» و«إيفان تورجنيف» و«ديستويفكسى، و«ماكسيم جوركى و«إيليا أهرنبورج» و«باسترناك» وغيرهم ، وفي إيطاليا «بوكاشيو» و«دانتى أليجيرى، و«ألبرتو مورافيا» وغيرهم، وفي فرنسا «فكتور هيغو» و«أندرية موروا» و«ألبرت كامو» و«موريس لبلان»، مبتكر شخص «أرسين لوبين» الخيالي والمغامر الظريف وذلك من ناحية بناء روايات تعتمد على تقنية التشويق وليس اعتبارًا للقيمة الأدبية، وغيرها، ويكون الأمر أقل صعوبة بشأن ميلاد القصة القصيرة الحديثة الخالية من شوائب الحكاية، فيكفي لذلك إيراد اسمين فقط أولهما من روسيا وهو «أنطون تشيكوف» الذي يحتفلون بذكراه في أميركا كل عام..

وثانيهما من فرنسا وهو الكاتب المعروف «موباسان» وغيرهما، ونستدرك أنه في بلدان أخرى، بصدد الرواية الحديثة، لابد أن نذكر أسماء «فرانزكافاكا» و«استيفان زفايج» و«جورج أقادو» و«أجاثا كرستى» و«غابرييل ماركيز» مؤلف رواية «مائة عامة من العزلة» والروائيان البولنديان الكبيران الفائز بجائزة «نوبل» للآداب «هينريك شينكيفيتش» و«فواديسواف ريمونت» مؤلفة رواية «الفلاحون» العالمية ويبقى المسرح ـ أحد أقدم الفنون الأدبية ـ واضحًا بكل ما طرأ على سياقه من تحولات وتعديلات منذ فترات المنشدين الجوالين، ومعلوم أن أشهرهم وأكثرهم مقدرة هو الضرير شهوميروس وفترات المؤلفين اليونانيين القدماء أمثال «سوفوكليس» و«أربيد» و«إسخيلوس» الذين كتبوا عن القدر وسطوته ونسجوا حول ذلك درامات قوية تعبر عن مفهوم «القدر» بأصوله القديمة في الفكر الوثني والأسطوري كمسرحية «أوديب ملكًا» التي اشتق منها عالم النفس الشهير «فرويد» مصطلحه الذائع «عقدة أو ديب» مثلما اشتق من مسرحيات يونانية قديمة أخرى مصطلح «عقدة إلكترا» ومرورًا بعصر سيادة الديانة المسيحية صار المسرح في أحضان الكنائس الكاثوليكية كأداة تعليمية مرشدة، ثم جاء «ويليام شكبير» بروائعه وإضافاته منذ أربعمئة سنة، وبعد ذلك استمر تطور المسرح في الأعمال الدرامية لـ «هنريك إبين» و«يوجين أونيل» و«جورج برناردوشو»، و«جوجول» و«تينسي ويليامز» و«برتولد بريخت» و«ومان رولاتن» و«موليير» وغيرهم وصولاً إلى العصر الحديث بأسمائه اللامعة وانشغالاته الأدبية المستمدة من الحياة. وفي الأزمنة الغابرة قبل ميلاد المسيح كانت المسارح الرومانية تؤدي كثيرًا من الأغراض. بمدرجاتها ذات المحيط المستدير والأرضي الفسيح.

كانت تلك المسارح تستعمل في المحل الأول للتمثيل وهو أنقى وأجمل ما قدمته

وكانت تلك المسارح تستعمل في المحل الأول للتمثيل وهو أنقى وأجمل ما قدمته ـ لكنها كانت تستعمل لرياضة المصارعة الحرة السمجة يقوم بها مصارعون محترفون تستجلبهم الدولة بهدف التسلية، وتستعمل أيضًا كمكان تتم فيه مصارعة البشر للأسود المفترسة، حيث كان المتفرجون ـ من وراء سياج حديدي قصير وموت ـ يشاهدون المحكوم عليهم جنائيًّا بالإعدام وهم يناورون على الركح الأرضي بيأس، محاولين النجاة من هلاك حتمي بين مخالب وأنياب أسد من الأسود الضارية التي يتردد صدى زئيرها المرعب بين جنبات تلك المسارح. وفي أزمنة غير نائية تسنى لتوفيق الحكيم أن يكون رائدًا بإدخاله المسرحية الحديثة إلى الأدب العربي، ولم يكن «الحكيم» يستهدف أن يكون رائدًا، كان يؤلف كسائر الأدباء الكبار في أرجاء العالم تلبية لموهبته وثقافته، من يقرأ مجلد «مسرح المجتمع» وغيره من مجلدات الفصل الواحد لتوفيق الحكيم سيلاحظ أنه أرسى أولوية النص المقروءة كأحداث في حوار دافق يتناول الشؤون الجارية في الحياة، ومن المحتمل أنه لهذا السبب وصفه بعض النقاد والمخرجين المصريين بالتجريد والذهنية غير المهتمة بمقتضيات الدراما المقدمة على المسارح، يدخلها متفرجون بيد أن توفيق الحكيم في مسرحية «أهل الكهف» كان قد ألف دراما مؤثرة وأنه ـ اقتطع في مسرحيات أخرى ـ من الفلكلور المصري وأخذ منه مختارات سوريالية مثل: (يا طالع الشجرة / هات لي معاك بقرة / تحلب وتسيقيني / بالمعلقة الصيني).

وحين نسترجع أمور الرواية الحديثة ونتأمل نقطة الاستشفاف النمطي مجددًا نرى أن النمطية بالرغم من وفرة وجودها ورسوخها في آداب الأمم فإن الآداب الغربية العالمية لا تؤوب إليها في جميع المؤلفات، وتأكيدًا لذلك نذكر أن الكاتب السويسري المعاصر «هوغولوتشر» الذى ألقى محاضرة في قصر الثقافة المطل على البحر في مدينة طرابلس الغرب بلغة إنجليزية إسكولائية لا تخلو من الطلاوة، فهو لا يعرف اللغة العربية لأنه ليس مستشرقًا ولا يتحدث بالعربية أو بأي لهجة من لهجمات بلدانها. وقد أهداني كما هو مألوف في تلك المناسبات كتابه القصصي المترجم إلى اللغة العربية «حدبة الظهر» المطبوع في القاهرة وإثر قراءتي للكتاب كان تصنيف القصص ميسورًا، حيث اتضح لي أنه قد انضوى بتلك القصص إلى اتجاه أدبى أو تيار أو مدرسة اسمها الاصطلاحي «Bekirest» كانت تنعت منذ القرن السادس عشر بأنها «تقليد أدبي أو مواضعة أدبية لتقديم ملاحظات وتعليقات هجائية ساخرة في قصص شبه هزلية»، وفي تعريف المراجع الإسبانية العامة لتلك المدرسة نطالع ما يلي بتصرف: «إن قصص البيكاريست هي نماذج من المجتمع الأسفل، وهي أدب يسلط الأضواء على الصعاليك، والأوغاد ولا يدعي هذا النوع من الأدب أكثر من كونه يقوم بتسجيل الحياة الواقعية!».

الشعر بكافة طرائقه ولدى جميع الأمم هو الأقدم من أي إبداع أدبي آخر

وعند الإياب إلى موضوع تأليف الشعر فمن نافلة القول إن الشعر بكافة طرائقه ولدى جميع الأمم هو الأقدم من أي إبداع أدبي آخر، وقد شملته بلاشك ـ مثلما شملت غيره ـ التغيرات والتطورات الحقيقية التي لا ينقطع فعلها في جميع العصور وسننتخب إحدى الفترات الشعرية الأصلية والصافية في تطورها وإشعاعها المؤثر في الإبداع الشعري باللغة العربية. ويرتفع أمامنا في هذا النطاق أمير الشعراء «أحمد شوقي»، ومن المهم هنا الانتباه إلى الظروف العامة داخل مصر فقد كانت الأحوال الاجتماعية والاقتصادية حينذاك ناصعة، وكان أهالي مصر وقت «شوقي» وكانت الخبرات منذ ـ آماد بعيدة ـ في الحقول والدكاكين من كل المهن في الحكم، ولم يكن هناك تمايز إطلاقًا بين الأقباط وبين المسلمين المصريين، فالجميع عاشوا في أوج التآخي والمحبة والتضامن. إنها فترات مزدهرة تركت لنا سلسلة روايات «جورجي زيدان» وهو المثقف المسيحي مؤسس مجلة «الهلا» المصرية وهو أيضًا الأديب المسيحي الذي كتب مختارات من التاريخ الإسلامي في قالب روائي يأخذ بالألباب، وقد تركت تلك الفترات فيما تركت من مآثر جهود المفكر «سلامة موسى» التنويرية وجهود علماء اللغة من المسيحيين المصريين في قواميس وأبحاث لغوية رائدة. وتشف إحدى قصائد أمير الشعراء «أحمد شوقي بك» عن تلك الروح الإنسانية السارية في وادي النيل في ذلك الزمان وهي القصيدة التي أبدعها أمير الشعراء «أحمد شوقي» وألقاها في محفل لتكريم «واصف غالي باشا» وهو عالم مسيحي الديانة ومتبحر في اللغات أشاد فيها «أحمد شوقي بك» بالباشا.. نقتطف منها البيت التال: وإلى الله من مشي بصليب / في يديه ومن مشى بهلال.

وفي الكتاب النثري القيم لأحمد شوقي الذي إخطار له عنوان «أسواق الذهب» وأسواق هي جمع من جموع النحو ابتكره أمير الشعراء كتوليد مجازي تجنبًا لمفردة «ساق» وجمعها المعروف في القواميس، وذلك نتيجة لرهافة المعاني التي يوردها المؤلف في فصل الطلاق كالآتي: «أولئك أمم النصرانية أصحاب الحضارة، حرَّم الطلاق دينهم، ثم حللته قوانينهم، ولكن في دائرة الحق ووجوه الرفق وبإشراف قضاة يحمون نظم الزواج من عبث الخاصة وجهالة العامة».

وجدير بالإشارة أن كلمة «أدب» ـ حسب علماء الاختصاص ـ توجد أصولها خارج مجموعة اللغات السامية وتكون بالحرف اللاتيني adaba بلا تنوين وفق نطقها السومري، وبالحرف العربي «أدبٌ» أو «أدبْ» بالسكون، وقد عثروا عليها أثريًّا كعنوان لقصة تشبه الملحمة في بنائها، وتدور حوادثها حول البطولة الأسطورة، أما وقت تأليفها وكتابتها فيناهز خمسة آلاف سنة.