محمد حسن.. «لا ما رحل عني العزيز»

فارس الأغنية الليبية يترجل عن صهوة ألحانه بعد مشوار طويل مع رحلة نغم، جاب فيها الوطن بمدنه وأريافه.

استلهم ألحانه من جرح الحبيب، واستفزه مرسال الغرام، الذي يمشي الهوينى، فتغنى على لسانه الملهوفون «ليش بطى مرسالك عني، لو ترحمني وما تظلمني ومن عطفك لا ما تحرمني».

رحل الفنان محمد حسن بهدوء و«ما من أمواجع واجده في صدره لو قالها يرتاح بدري بدري، وما من مواجع مرة لا تنجحد عن الناس لا تورى، يضحك ولكن ضحكته من برة، وقلبه جريح وجارحه ما يدري، وكم موجعه في باله منهن إيعاني ما علمهن والي، وما من سوايا في عزاز غوالي وكبر السوايا ما اينقص قدره، في الكنين يلسن ساكنات في صدره اتقول إيعسن، اندسهن ماهن اللي يندسن، وإن قالهن بالله شن هو عذره، رحل بمواجعه، رحل في حلم والا علم، رحل ولم نصدق أعيننا، رحل بعد أن اشتكى جرح الغلا».

رحل وهو معلق عينه في كل يوم ايقول توة ايجيني الغالي بطى، راجاه فيه عاشورا وإلا اتوبيعها ايهل بنوره، بالك بعد بشرى جميل الصورة، ايجيه بعد ياسات ويهنيه.

رحل من كان عقله دليله، رحل من كان عابر سبيله، رحل من قال لمحبوبته يسلم عليك العقل ويقولك نبيك أما خطاوي الرجل صاعب عليها اتجيك، رحل من اشتكى دلال محبوبه الذي تركه في وسط الطريق، رحل كطائر مطلوق سراحه أينما يريد أن يذهب يذهب وأينما يريد أن يهدي يهدِ، رحل بعد أن ربى الفنَّ على يديه وعلى ودِّه وغلاه غلاء فوق الغلا من جده.

رحل بعد أن وضع طفل الحجارة في حجره وقال له: أرسم شجرة، أرسم عشرة، أرسم بستاناً لون ثمرة

رحل بعد أن وضع طفل الحجارة في حجره وقال له: أرسم شجرة، أرسم عشرة، أرسم بستاناً لون ثمرة، أرسم خوخاً، أرسم عنباً، أرسم نخلاً يحضن رطباً، أرسم أزهاراً وسنابل، أرسم أغصاناً وبلابل، خفف من جوعك وتسلى، لون بستانك يتجلى، لا تتخلى، بالصبر تحلى، بالعزم تشدد وتوكل، بالدمع لا تتوسل، لا تتشاءم لون لون وتفاءل، لون بستانك بالأخضر، لون رمانك بالأحمر، لوِّن بالأصفر ليموناً، لوِّن بالزعتر زيتوناً، لون بالعنبر والحنة، لون بألوان الجنة، لا تساوم ارسم وقاوم، فإن منعوا عنك الغذاء ارسم بستاناً، وإن منعوا عنك الدواء ارسم وطناً، وإن منعوا عنك الهواء ارسم فلسطين.

رحل عنا سفير الأغنية الليبية، بعد أن قدم مئات الأعمال الفنية أبرزها «رحلة نغم» وسلسلة النجع التي شارك فيها أيضاً فنانون عرب.

محمد حسن التقيته في فندق تبستي ببنغازي على هامش مهرجان الأغنية الليبية الثالث، جلسنا على طاولة صحبة عدد من الفنانين كنا نستمتع بحديثه عن رحلة نغم وعن حلمه الكبير في أن يصل اللحن الليبي إلى كل الدنيا.
راهن على الجملة اللحنية الليبية وعلى المفردات وعلى الصوت الليبي الأصيل، ويقول نحن نتفرد وإنّ الأغنية الليبية الأصيلة يخشاها النشاز ولا يجرؤ على الاقتراب منها.

كان محمد حسن يتألم عندما تتسلل إلى مسامعه جمل ليبية محشورة في ثنايا أعمال عربية بدون وجه حق ، كان يقول إنّ الجملة اللحنية الليبية موسومة، وغير قابلة للتزوير وإنّ من يحاول إخفاءَ معالمها يفضح نفسه، قال لي ممازحاً في تلك الجلسة: «يا سلامة من طبرق طير يا حمام وهدي فوق برج الملاحة». وقال إن طبرق رائعة وإنه يتمنى أن يزورها باستمرار.

مرت السنون إلى أن تلقيت منه اتصالاً في بداية عام 2013

مرت السنون إلى أن تلقيت منه اتصالاً في بداية عام 2013 وكان اتصالا مطولاً اشتكى فيه من سياسة المؤتمر الوطني العام، الذي حجز على فندقه بمدينة الخمس دون وجه حق، وتحدث أيضاً باستفاضة عن أحوال الوطن وعن قلقه على ما يجري في ليبيا، من وجود مجموعات متطرفة وأنه لا يمكن القضاء عليها، إلا إذا وضع الليبيون أيديهم في أيدي بعض.

محمد حسن كانت تربطه صداقة حميمة مع الفنان الراحل فضل المبروك، وكانت والدة فضل تعتبره ولدها حينما كانت تغسل ملابسه بيدها مع ملابس ولدها عندما كانا يعملان ويجهزان لـ«رحلة نغم» كان يتنقل بين مسة والبيضاء وسفوح الجبل الأخضر بشحمه ولحمه ويحلق في سماء مدن أخرى بفنه وألحانه.

رحل الفنان محمد حسن وترك للمكتبة الموسيقية الليبية والعربية إرثاً فنياً كبيراً، رحل بعد معاناة مع المرض، رحل وفاضت روحه خارج الوطن ولم يقف معه المسؤولون في رحلة علاجه باستثناء بعض محبيه الذين ساهموا في علاجه، قبل أن تصعد روحه إلى بارئها، «لا ما رحل عني العزيز لا ما رحل، لا ما رحل عني عزيز شهد العسل».

المزيد من بوابة الوسط