عبدالعالي شعيب: غياب القدوة في العلم والفن والسياسة سبب مشاكل الليبيين (1 - 2)

أحب الألوان وعشق المسرح وكانت له بصمة واضحة في كل أعماله، استهوته الألوان الطبيعية في الجبل الأخضر الأشم، ليست فقط الألوان البيضاء التي كانت مبعث أمل له وإنما كل الألوان لأنه عرف سرها وكون علاقة ليست عادية بينه وبينها، علاقته كانت ملونة مع اللون فتحرك بعدها على خشبة المسرح فكان يخرج ويمثل بفن وهذا ما جعله مختلفاً عن الجميع.. هو الفنان التشكيلي عبدالعالي شعيب.

في حواره مع «الوسط» يتحدث عن مشواره ومسيرته، وعن الألوان والفنون بشكل عام في حياته، كيف أثر ذلك المزيج السحري على خطواته وقراراته، وإلى المزيد..

الحياة مليئة بالألوان وصراع الحياة هو صراع ألوان، واللون يشكل جزءاً كبيراً من حياتك.. كيف ترى ذلك؟
- أنا سعيد جداً بهذا اللقاء وقصة اللون مع الحياة هي قصة الحياة مع ذاتها، اللون في واقع الأمر هو الذي يميز الأشياء والحقائق عن بعضها وهو الذي يفرز الضوء.. والضوء دون ألوان هو عبارة عن موجات خالية من أي مدلول ومسألة رؤيتنا نحن للألوان تختلف من حضارة إلى حضارة ومن شخص لآخر ومن مرحلة زمنية إلى مرحلة زمنية أخرى، والألوان في الفن التشكيلي هي روح الفنان وهي الوسيلة التي يحاول الفنان التشكيلي من خلالها أن يبرز عواطفه ومشاعره وأحاسيسه مثلما يبرز الشاعر بالمفردات ومثلما يتناول الموسيقي بالألحان عواطفه وتجربته ويبثها في آذان المستمعين، أيضاً الفنان يحاور العين عن طريق اللون والفن التشكيلي في محيطه العام هو عبارة عن لون يغازل العين، والعين الذواقة هي التي تستطيع أن تستخلص من هذه الألوان ومن مدلولاتها ما الذي يريد أن يقوله الفنان، والحياة إجمالاً لا تتجاوز الخط واللون، والخط يرسم عادة باللون الأسود أما اللون فإنه يعطي مساحات وبراحات أكثر اتساعاً.

وكيف يكون ذلك في الحياة؟
عندما نتعامل مع الحياة باللون الحيادي سواء كان الأسود أو الأبيض فسنجد أن الحياة ليست لوناً أبيض وأيضاً ليست لوناً أسود، الحياة مجموعة ألوان، اللون الأسود خادع وكذلك اللون الأبيض خادع، ولكن هذه حقيقة موجودة فاللون الأسود أناني يمتص جميع الألوان ولا يبثها واللون الأبيض أيضاً أناني لأنه يمتص جميع الألوان ويبثها جملة مع بعضها فتفقد حيويتها وبريقها، وبالتالي فالحياة لابد أن نراها بجميع الألوان.
حتى في المسرح فإن عنصر الإضاءة يلعب دوراً مهماً في إثراء المشهد المسرحي والإضاءة هي عبارة عن لون، إضافة إلى تلوين الفنان نفسه للحالة التي يتناولها على خشبة المسرح بدرجات تستشعرها كحالة تشخيصية ولكن في حقيقة الأمر هي تلوين، حتى في لغة المسرح نطلق عليه تلوين، فمسألة اللون وما نعيشه نحن في حياتنا كمجتمعات تميل إلى الصحراء والجفاف وهذه المجتمعات ابتعدت عن بهجة اللون وبالتالي افتقدت إلى مصطلح السعادة، اللون هو شغف وكذلك السعادة شغف والحياة ما هي إلا سعادة.

وللأسف نحن حتى ولو بحثنا عن لون في حياتنا الآن لا تجده، نحن نميل إلى الرماديات أو البنيات فقط، حتى لو تعرض علينا سيارة ملونة نستهجنها فقط نحرص على اقتناء السيارات السوداء أو البيضاء أو الرمادية ، وهذه المسألة تستحق البحث الحقيقي لأن الهوية بلا لون سهلة التزوير حتى الكرت أو البطاقة الشخصية إذا لم يكن فيه ألوان وتداخل لوني فأياً كان بإمكانه تزويرها وهويتنا نحن بلا ألوان سهلة التزوير وأعتقد أن هويتنا زورت.

- وماذا عن التوافق اللوني في حياتنا؟
- وجود اللون في حياتنا شيء والتوافق اللوني شيء آخر ومدى قدرتنا على إيجاد التوافق اللوني، هذا شيء يأتي بالتمرين وبالتعود، فأنت عندما تدهن جدار بيتك في البداية قد تستهجنه ولكن مع التعود يصبح هذا اللون مريحاً لك، حتى عندما نرى الرداء الذي تلبسه السيدة الليبية في البادية من خلال الألوان والتخطيط والتداخل اللوني تعودنا على رؤية هذه الألوان وامتزاجها يعطي شكلاً جميلاً، فمثلاً يقال اللون الأسود هو ملك الألوان هذه المقولة المشهورة قد تكون صحيحة فيما يتعلق بالملابس لأنه وجد في مجتمعات محيطها ملون فأصبح وجوده بينها مميزاً وأصبح الأسود لوناً لأنه وقع في محيط ملون ولكن عندما تضع اللون الأسود جنب الأشهب أو الرمادي أو في مكان خالٍ من الألوان حينها سيوحي اللون الأسود بالكآبة ولن يصبح ملكاً أو حتى حاجباً.

والتعميم في مقولة إن اللون الأسود ملك الألوان لا يجوز وبالنسبة لبيئتنا التي كانت موجودة قديماً على الرغم من الثقافة البسيطة السائدة إلا أن الناس أحبت الألوان، أخلاقهم وتعاملهم مع بعض جعلهم يضعون أولوية للون، فعندما تأتي المرأة تريد أن تنسج شيئاً كانت تبحث عن الألوان قبل بحثها عن الشكل، والمسألة المهمة هي كيف نحن نحب اللون؟ ولا يوجد على الإطلاق لون قبيح، ولا يوجد شيء في الحياة غير ذي جدوى، الحياة قائمة على مبدأ الدفع بالضرورة لأن الضرورة هي التي تصنع الأشياء في الحياة، وما عشناه نحن كمجتمعات كئيبة ومقلدة نحن نصحو ونعيش يومنا حتى ننام نتعامل مع أشياء مستوردة من الخارج من ملابس وأدوات ومأكل وبالتالي أين تكون هويتنا، هل فقط أقول أنا عربي أو ليبي أو شرقي معناها حلت المعضلة، فعندما تقول أنا ليبي معناها يجب أن يكون عندك إنتاج، فأنا كفنان تشكيلي عندما أقوم برسم لوحة أو أقوم بعمل مسرحي لا أحس بخصوصيتي فيه على الإطلاق بالرغم من أني أرسم لنفسي وأترجم لمشاعري وأحاسيسي لكن لأنها مفرغة من المحيط وليست لديها صدى في المجتمع ولا يوجد في مجتمعي شيء ينتج حتى يقابله إنتاجي أنا وبالتالي يظل شيئاً خاصاً بي وليس أكثر من ذلك.

- ما السر الذي يكمن في الفن التشكيلي دون الفنون الأخرى؟
- الرسم يعتبر غريزة في الإنسان والغريزة الحيوية الموجودة في الإنسان هي غريزة محاولة الخلق، فخلايا جسمك تتكون في اليوم عدة مرات وتتجدد وتخلق والإنسان موجودة فيه منذ صغره غريزة كيفية خلق وصناعة الأشياء وعندما يلجأ للرسم لأنه أول وسيلة وحتى قبل ما ينطق الإنسان كان يعبر عن طريق الرسم وكان يسجل في أحداث يومه على الكهوف والصخور عن طريق الرسم وكان يصنع في أدواته عن طريق النحت، ومسألة الخلق هي غريزة منحها الله سبحانه وتعالى للإنسان لأنه بث فيه من روحه، وإذا قمعت غريزة الخلق لدى الإنسان سيتحول إلى إنسان سلبي وإنسان محبط أو إنسان آلي وتنميتها هذه مسألة أخرى، إما أن تنمى في اتجاه الرسم ويكون فناناً أو تنميها الحياة غصباً عن الإنسان، كل إنسان فينا يملك في داخله فناناً فقط من يهتم في هذا الجانب ويجد مفتاح الدرج الموجود فيه ويتعمق فيه هو الذي يصل إلى أن يصبح فناناً تشكيلياً.

- كيف اهتديت أنت لهذا المفتاح وأصبحت فناناً؟
- أول مفتاح وجدته هي فكرة المفتاح نفسها، أنا آمنت منذ الصغر أنني كإنسان قادر على أن أفعل ما أريده، وأن أغوص في أي مجال وبالتالي إيماني بوجود هذه الأدراج في داخلي هو من جعلني أبحث عن كيفية فتح هذه الأدراج، وأنا منذ طفولتي نشأت في حضن شقيقي شعيب رحمة الله عليه، فقد كان فناناً تشكيلياً وخطاطاً وفناناً مسرحياً هذا الشخص أثر فيّ على الرغم من أنه لم يعمر طويلاً توفي وأنا في الصف الثاني الإعدادي بعدها اهتممت بنفسي، وكذلك النشاط المدرسي كان فيه زخم وحياة في الفترة التي شبينا فيها كان النشاط المدرسي عاملاً مهماً جداً جداً فقد طور من إمكاناتنا ومن مواهبنا، وكان فيه أساتذة من مصر ومن دول عربية أخرى، ومهم جداً الاهتمام بالنشاط المدرسي وإهماله تكريس للجهل وما نسمعه من تغييب النشاط المدرسي وتغييب الرسم والموسيقى والفنون في المدارس.

 

وحظ مجتمعاتنا أنها لم تأخذ فرصتها الكافية لتقفز القفزة التي يخشونها، هذه القفزة لا بد أن تؤخذ من الشعوب ومن الحكومات ومن المثقفين، نحن حتى مثقفينا -وهذا ليس تجنياً واستهجاناً وهذا ليس عيبهم ولكن بيئتهم- عند حدود معينة ويقفون، طالما أنني ما زلت أقف عند تلك الحدود معناها لن أصل أبداً، المسألة تحتاج إلى قفز فوق كل هذه الحدود وتجاوزها كلها بقرار اجتماعي حقيقي، وأن نصرخ بأعلى صوتنا أننا نريد فناً وثقافة ونريد عمقاً.

- هناك من يتمنى أن تعم الألوان مدننا وتميزها، أنت من البيضاء التي يحتضنها جبل أخضر فهل تأمل أن تطلى كل البيوت من الخارج بلون يناسبها ويميزها؟
- هذه المسألة مهمة وأنا أعشق هذه المدينة وأعيش فيها عمري كله ولا أعتقد أنني تركت مدينة البيضاء لأكثر من أسبوع في حياتي كلها وحقيقة في كل مرة نحاول أن نصنع حالة من الحالات التي تتحدث عنها أنت الآن، وكذلك الحال في كل المدن الليبية، ففي الجنوب تجد الجمال وكذلك الغرب وأيضاً الشرق فعندما نتحدث عن طبرق ودرنة عن سوسة ورأس الهلال ومدينة البيضاء في وقت من الأوقات كنت تتجول في شوارعها لا تشعر بالملل كان فيه نسق وبشاشة وروعة وفيه رهبة.

نحن الآن لا نبحث عن الكمال في مدننا ولكن على الأقل لا نخرب

أتذكر شارع العروبة وفندق قصر البيضاء على الرغم أنه كان غير مؤثث لكنه جميل ولكن لا يوجد فيه تخريب، فنحن الآن لا نبحث عن الكمال في مدننا ولكن على الأقل لا نخرب حتى يأتي من هم بعدنا وتكون لديهم القدرة على التطوير، فأنت عندما تدخل بيت أي ليبي تجده من الداخل مرتباً ومعطراً ومؤثثاً وعندما تفتح الباب وتخرج تجد الصورة منقلبة تماماً وعندما تدخل بقية البيوت تجد نفس الصورة، إذاً الخلل يكمن في الحس الجمعي، والحس الجمعي هذا لا يتشكل إلا بالقدوات والقدوات لا تتشكل إلا بوجود ثقافة وفن، ونحن في مجتمعنا الليبي ونتيجة للتفكير الفردي في فترة من الفترات قمعت حالة القدوات، كان هناك اسم واحد ولا يجوز وجود اسم آخر، فليس عندنا قدوة في الفن ولا في العلم ولا في السياسة وتعودنا حتى عندما يسعى أحدنا ليصبح قدوة نحاربه ونرجعه للخلف، ودائماً نحن نقول يجب أن يكون لدينا ولدينا وفي الحقيقة حياتنا مليئة بالتناقضات فأنت تريد أن تقدم شيئاً للمجتمع افعل ذلك أو اترك مكانك لغيرك للقادرين على العمل، وأرجو ألا يزعل مني أحد، إذا أردنا أن نعمل علينا أن نكون أكثر صراحة مع بعضنا البعض، نحن المجتمع الوحيد الذي لا يملك شيئاً ونرى في أنفسنا أحسن ناس في العالم.

- هل يمكن أن تكون الألوان علاجاً نفسياً؟
- طبعاً وهذا باب كبير جداً في علم النفس يطلق عليه سيكولوجيا الفن والعمل النفسي للفنون مهم جداً والحالة الموجودة لدى الفنان التشكيلي هي علاج للناس، فالسيارة على سبيل المثال صممها فنان تشكيلي، من بنى البيوت ومن بنى الأهرامات هو فنان تشكيلي، والفن إجباري ومهما حاول المحاولون ومهما سعى الساعون ومهما تفنن المتفننون في قمع هذه الحالة فإنهم حتماً فاشلون إن صح التعبير، فالحياة كلها فن، صرخة الطفل عند ولادته فن هي فن الحياة والعبادة فن، فعندما تستمتع بعبادتك هو فن ومتعة وعندما توصلك عبادتك أن تستمتع وأن تكون سعيداً معناها أنت مارستها بفن.