قهوة «سي عقيلة» (8): الملاكمة وسينمات بنغازي

تعد سينما 9 أغسطس التي كانت بميدان البلدية من أقدم دور العرض في بنغازي، أما سينما «البرنتشي» رغم قدمها لم تكن جاهزة في الخمسينات، كانت تحتاج إلى صيانة وتحققت في أواخر الخمسينات لتستقبل في العام 1962 نخبة من الفنانين المصريين، من بينهم فريد شوقي وهدى سلطان ومحمود شكوكو، ذلك الحفل الذي غنت فيه وردة أغنيتها الشهيرة «جميلة بوحريد» في حفل. سينما الحرية، استمرت حتى أواخر الستينات، ثم حل محلها المسرح الشعبي، في مطلع السبعينات، الذي افتتح بمسرحية «شمس النهار»، التي أخرجها عمر الحريري، الذي كان وراء صقل مواهب الرعيل الأول.

كان لنا تاريخ قديم في رياضة الملاكمة يعود إلى العهد التركي، قبل أن يلغيها نظام القذافي

لم يكن الإقبال تلك الليلة كبيرًا، عددتُ شخصيًا الحاضرين فكانوا 12 مشاهدًا وطفلاً، وأذكر أنني كتبت مقالاً قلت فيه أننا نصرخ منذ زمن نريد مسرحًا وليلة افتتاحه كان الحاضرون 12 مشاهدًا وطفلاً، وعند صدور جريدة المجاهد التي حلت محل الحقيقة وجدت أن عدد المشاهدين لم يكن 12، وعندما أخبرت صديق الأستاذ محمد الشويهدي، الذي كان يرأس تحريرها قال لي: (المعني لم يتغير والرقم استبدلته الرقابة، التي يتزايد أرقامها. و«حط رأسك بين وذنيك»)، عندها انتبهت أن عدد مجلس قيادة الثورة كان 12 ضابطًا، ومنذ ذلك اليوم ظل رأسي بين أذني!

أما سينما «ركس» افتتحت في الستينات، وكانت حضارية للغاية، مقاعدها بالحجز وأغلب روادها من الأجانب وعلية القوم.

وكان سالم بن شتوان، أمام مدخلها كحاكم عسكري لها، في سينما «ركس» رأينا الدعايات المبكرة للسلع، ولا أعتقد أن أحدًا من جيلي لم يشاهد دعاية: «بيف باف اوو .. بيف اضغط باف تختفي الهوام»، ودعاية صابون لوكس بألوانه الأربعة الزاهية، واللون الأبيض كل في غلاف يليق به، صابون اللوكس، أو الصابون (لمّسك) عرفناه في الستينات، أما قبلها كان صابون (السوسي) الأخضر هو ما نستعمله في بيوتنا لغسيل الملابس وأيضًا أجسادنا.

وما زلت أذكر (كروسه) يقودها زنجي توزع أكياس التايد بالمجان على المنازل، وبمجرد تجربته أخذت النساء به، ولم يمض وقت طويل حتى صار الكيس يباع بقرش، وهكذا تطور أمره في الستينات. ومن لم لا يتذكر دعاية حليب (نيدو) الذي قدمها أحمد بن صويد وديمس الصغير، وجملته الشهيرة: «لكن هذا غالي..» التي أخبرني بن صويد أنه أعيد تصويرها مرات قبل وصول المخرج إلى الاقتناع بها. وفوق سينما «ركس» كان هناك بار شهير، عرف فيه الكثير من جيلي ماذا تعني زجاجة البيرة؟

أما سينما الهلال الصيفية، التي كانت مكان فندق عمر الخيام، كان لها أهمية أخرى، إذ كثيرًا ما تتحول إلى صالة للملاكمة. وكان لدينا ملاكمي جيدين، وتاريخ قديم في هذه الرياضة يعود إلى العهد التركي، ولكن نظام القذافي ألغى هذه الرياضة.

ما زلت أذكر الكثير من الملاكمين، ومن المدربين؛ من أشهرهم المرحوم عبد الله عثمان الورفلي، ومحمد الشاعري، ونيس الجبالي، وارحومه، وكرداش، وغيرهم الذين ظلوا يتحسرون طويلاً بسبب قرار الحظر لقناعاتهم بجدية الملاكم الليبي، وكثيرًا ما جاهر سي عبد الله عثمان برفضه هذا الحظر.

كان الملاكم «جقرم» عربيدًا وعندما نصحته أمه بعدم الخروج ليلاً لأن الدنيا فيها (طرا وجرا)، قال لها: «يا أمي أنا( طرا وجرا) بذاته»

كان من أشهر الملاكمين (جقرم) الذي نال انتصارات كثيرة في أفريقيا، ولكنه كان مشاغبًا عربيدًا باتساع البلاد، ويحكي عنه أن والدته تعرضت له أثناء خروجه ذات ليلة متأخرًا من بيتهم فقالت له: « يا ابني، وين طالع؟ الوقت متأخر، والدنيا فيها (طرا وجرا)» فأجابها: « يا أمي أنا هو ( طرا وجرا)».

وأذكر في مناسبة كان البوليس قد حجزنا، نحن مجموعة من الشباب بسبب مشاجرة، وجاءوا به ليحجز معنا في مركز بوليس سيدي حسين، وبمجدر أن دخل تكورنا جميعًا، في ركن غرفة الحجز، فلقد كان سيئ السمعة سكيرًا عربيدًا. وعندما سألنا: «كنكم؟ ما هي تهمتكم؟» أجابه الحاج صلاح الفسي، في الحال: «قتلنا واحد نابشنا!» لم ينم أحد منا تلك الليلة، وبمجرد أن جاء ضابط المركز في الصباح وعرف أنه أوقف معنا أفرج عنا في الحال.

ومن الملاكمين الذين اشتهروا في ذلك الوقت: عبدالعظيم الجهمي الذي لقب (روكي) اختصارًا لاسم بطل العالم الشهير (روكي مارشانو)، وعبدالسميع مخلوف، الذي قد يكون من أقدم الذين احترفوا الملاكمة، فلقد وجدت بصفحة أحد أبنائه صورة لعقد احترافه.

ومن الملاكمين الممتازين: وسلاحيب، وعبدالرحيم الوداوي، غازي الشلماني، ورافع الأثرم، وسليمان ميلود، والبريعصي، وعلى بوطيغان ،وطالمون، غازي الشلماني، أما على المعداني وهو هلالي كان يقيم مع أسرة الصالحين ابسيكري، وتربى مع أبنائه عوض ومحمد ورفيق صباي فتحي، في منزلهم بشارع محمد موسى، وكان يجيد العزف على الناي، وهلالي لاكم كثيرًا باسم النادي.

هناك أيضًا، سينما هايتي والنصر في منطقة الفندق البلدي، ثم افتتحت دور عرض أخرى فيما بعد بمنطقة البركة، وكذلك في الماجوري، سنمر على بعضها لاحقًا.

أشعر، أحيانًا، أن الزمن يتوقف عندما أكتب مسترجعًا أحداثًا قديمة، فأنا مثلاً أعرف أنه من الأمور التي ما زالت حية في ذاكرتي من سنوات طفولتي وصباي، أو بمعنى أدق، سنوات وعيّي في بنغازي، رائحة الطعام المتسربة من مطبخ مطعم (فيينا) الذي كانت تملكه، مع فندق صغير بشارع درنة، اسمها (فراو شولتز) في عمارة الجبل الأخضر في الجزء المطل على الحديقة العامة.

كنت وابن عمى أبوبكر عكيز وعيال شارع محمد موسى: المصدي، وفتحي بسيكري، وعلي الفيتوري، وعيسى بودشيشه وخليل العربي، نتحين غروب الشمس، ونكون قريبين من الحديقة، حيث تتوافد طيور الخليش (تتزوزك) حتى تنام على أغصان الأشجار، ولما تتوقف عن الزقزقة نأخذ بقذف الأشجار بالأحجار فتنطلق الطيور المسكينة مذعورة، وتصطدم بجدران العمارات وتتساقط فنأخذ في جمعها، منها ما نفق ومنها من ينتظر.

أشعر أحيانًا أن الزمن يتوقف عندما أسترجع أحداثًا قديمة، فما زالت روائح مطبخ «مطعم فيينا» حية في ذاكرتي.

تلك الساعة نكون مصدر إزعاج لرواد المطعم، ولقد توعدنا عمال المطعم بمختلف الوسائل، ولكننا لم نتوقف عن ممارسة هوايتنا بإزعاج الطيور. وذات يوم وفيما كنت أتلصص من جهة مدخل مطبخ المطعم قبضت يد قوية على ذراعي، ولم تترك لي فرصة واحدة للهرب، خصوصًا من بعد أن انطلق الرفاق بعيدًا عني، بعدما سمعوا دقات قلبي، الذي كاد ينفجر، ولكن ابتسامة (النصراني) مدير المطعم طمأنتني قليلاً، قال: (إنتِ جيعانه يا كلبا .. تعال كولي)» وسحبني إلى داخل المطبخ، وجلس بجواري وقدم لي طبقًا ممتلئًا ببطاطس مقلية وقطع صغيرة من لحم ودجاج، وقطعة سمك مقلية، وفتح لي زجاجة (بورتيلو) وإن كنت أفضل السينالكو. وقال لي: «(تعال كل يوم إنت واصحابك وكولوا أخمد يعطيكم أكل). وكان (أخمد) منتصبًا أمامي محشورًا في سترته البيضاء فيما يبرز رأسه الأسود الصغير غير المتناسق مع بطنه وتتلألأ أسنانه البيضاء أسفل حافة طاقيته الحمراء، ثم سألني (الرقريقي) : «(شنو) اسمك ؟ «أجبته سريعًا: «دُقاق ..» ثم التفت نحو (أخمد): «كل يوم انت اعمل صحن لدقاق» ثم التفت نحوي واستطرد: «(كل واخد صاحبك انت لا يرمي عصافير مسكينه بالحيط .. جيبا معاك)». وأكلت وشربت (البورتيلو) ولا أدري كيف عرف أخمد بعشقي للأناناس، فأحضر لي نص زجاجة منها.

قال لي مدير المطعم «كل واخد صاحبك إنت لا يرمي عصافير مسكينة بالحيط»، وقال للطاهي أحمد «كل يوم أنت أعمل صحن لدقاق».

من ذلك اليوم توقفنا عن إزعاج (الخليش)، الذي بالمناسبة لا يؤكل أبدًا رغم محاولاتنا المتكررة لشيه، الذي شبهته غناوة علم: (خليش ما ملالي عين *** يتناطر كيف برغوث الجذب).

كنا نرص (التشتاش) في علبة صفيح ونشعل فتيلها لتتحرك أسفل مناضد المطعم، لكن زبائن المطعم قذفونا بزجاجات البيرة الفارغة.

وصارت وجبتنا الرئيسة سندويش لحم أو دجاج أو بطاطس، بحسب ما يتبقى في صحون زبائن المطعم. وتحولنا نحو المطعم الثاني، الذي كان في مكان عمارة مصرف الأمة. كان مجرد تراس، له بلكونة تطل على الحديقة، يتحلق حولها (نصارى) ويسكرون ويغنون.

وكان يصعب إسقاط طيور الخليش من الأشجار القريبة منه لعدم وجود مبانٍ قريبة لتصطدم بها؛ فاستعنا بـ(حكاكي التشتاش) الذي كنا نتحصل عليه من البحر، من أسفل طريق اللوح الذي يربط البلاد بجليانه.

(التشتاش) هو أسياخ من الديناميت نجدها في قاع البحر وهو من مخلفات الحرب، كنا نرص (التشتاش) في علبة صفيح فارغة ونشعل فتيلها فتشتعل فتتحرك كقطة مجنونة أسفل مناضد المطعم. ولكن خطتنا لم تنجح لأن زبائن المطعم أخذوا يقذفونا بزجاجات البيرة الفارغة.

قبل أن نواصل جولتنا عبر شارع عمر المختار، من الأفضل أن نعود إلى شارع نبوس ثانية، نعود إلى مرحلة الوعي، إذ ينبغي ألا تأخذنا طفرة الستينات من دون أن نوضح تطور الحالة الاجتماعية في بنغازي مع بداية الخمسينات.

نعود ثانية إلى «قهوة سي عقيلة»، لنعرف منها ماذا تعني مدرسة الأمير بالنسبة لجيلي كافة، فهناك الكثير ليقال حتى نعرف كيف تغير الحال في بنغازي خاصة وليبيا كافة بقيام المملكة الليبية المتحدة.

المزيد من بوابة الوسط