قهوة سي عقيله (5) باب شارع عمرو بن العاص

هذا الباب يواجه محكمة بنغازي، قبل أن تنتقل في مطلع الستينات إلى شارع «أحمد رفيق المهدوي» وتحل المطبعة الحكومية محلها، حيث كانت تطبع صحف بنغازي كلها. أذكر منها: «برقة» و«العمل» و«الزمان» و«البشائر» و«الرقيب» و«الريبورتاج» و«الحقيقة». ومدرسة «الأمير» ليست بعيدة عن قهوة سي عقيلة، فما أن تعبر شارع «عمرو بن العاص» إلى الناصية المقابلة ثم تتجه يمينًا نحو القنصلية الإيطالية، ومن بعدها تتجه يسارًا فتمر بـ «الفوناتورا» التي تضخ مياه الصرف نحو البحر، ثم مستوصف شارع «بغداد»، حيث يفصل شارع «بئر بلال» بينه وبين مدرسة «الأمير»، التي سنتناولها لاحقًا عندما كنت بها تلميذًا بالمرحلة الابتدائية، ثم التحقت بها بعدما أصبحتْ مقرًّا لمدرسة الكناسين، التي تغير اسمها وصارت مدرسة العمال الليلية، وانتقلت من مدرسة «الأميرة» المواجهة للملعب البلدي، حيث مقر دار الكتب الوطنية، إلى مدرسة «الأمير».

 ما زلتُ أذكر منذ سنة 1955 القهوة التي يفضلها المرحوم عقيلة البوري، الموظف بمحكمة بنغازي، فقد كان يحبها مطهية من دون وجه، يعني قهوة «مقطوعة» أما لماذا ذكرته قبل أحمد الطشاني، والمرحوم إبراهيم الهوني، والمرحوم سالم بوعود، والأستاذ عبد الحميد النيهوم، وسيدي حمد بعيرة، وعبد الخالق الشريف، والمرحوم فرج إسكيليل، وأحمد بشون، ومحمد شمبش، وسالم أقعير، وعبد الجليل زينوبة، وسالم الأطرش، وقريرة والسحار وإمقيطيف والفارسي، والقداري، لأن اسمه، ببساطة، كاسم والدي، الذي ليس بشيوع اسم محمد، أو علي.

ظللت على علاقة بموظفي المحكمة ورأيت كم ثابر الكثيرون منهم وصاروا محامين.. ولعلها صورة ضبابية من ذاكرة طفل لم يتعدَ العاشرة كان ينظر مستغرِبًا. قاعة محكمة بنغازي تضج بالضحك عندما كان المرحوم المحامي حسن أعبيده يترافع أمام قاضٍ إنجليزي. فلقد طعن ذات مرة في شهادة شاهد الإثبات، الذي كان فلسطينيًّا، وكذلك المترجم؛ وتمكَّن من نيل براءة موكله عندما أكد للقاضي أن الشاهد لا يعرف اللغة العربية، ولا المترجم، وطلب أن يختبره أمام القاضي، فوافق.


 اقترب منه وسأله ما معني: «ودك غير تمشي دوم جالي.. »، فارتبك الشاهد وقال للقاضي: «هذه ليست لغة عربية.. »، فرد أعبيده في الحال: «بمقدور سعادة القاضي أن يسأل أي عربي من الموجودين بالقاعة فإن لم يفهم المعنى، فالمترجم على حق». وطبيعي أن كل مَن كانوا في قاعة المحكمة يعرفون المعنى، ناهيك عن أنها كانت أغنية شعبية شهيرة في ذلك الوقت فكسب القضية.  كان حسن اعبيده،  رحمه،  سريع البديهية وتوفي سنة 1958 جراء ضحكة تسببت في اختناقه.

 الصورة التي وجدتها لهذا المحامي الشهير- والد أصدقائي أحمد ومختار وكمال وجمال ومحمد- مع المحامي سليمان الصلابي ونوري الصديق وتوفيق البرقاوي وكان بجانب عبدربه الغناي الذي يتوسط الصورة. والغناي من رجال القضاء الأوائل، فلقد كان في خمسينات القرن الماضي قاضيًّا في المرج، من بعد دراسة في جامعة نابولي ثم أزهر القاهرة ولغات استقاها من المعاهد الثقافية البريطانية والفرنسية. كان في الوقت نفسه شاعرًا فذًّا وناقدًا استمرَّ عطاؤه طوال الستينات والسبعينات، واشتهر بتواضعه وتفضيله لمقهى سوق الحوت لقهوة العشية التي يراها كرحلة إلى الإسكندريه. عاش بسيطا ورحل مستورًا وشريفًا.

 كان أغلب القضاة، في ذلك الوقت من مصر، ولكن لا أذكر من رجال القضاء غير الليبيين، سوى محامٍ اسمه خوري، وكنت مبهورًا به فقد كانت زوجته تأتي به في عربة رياضية أنيقة، من دون سقف، كنت حين أرى شعرها الذي يلهث خلف رأسها، وكأنها نجمة في مشهد سينمائي، ولقد عرفت فيما بعد أنه لبناني، ولم يكن ذلك غريبًا، فقد كان هناك أيضًا أطباء وممرضون، وممرضات ومعلمون، ومعلمات من مصر والشام وتونس.


 لقد نالت ليبيا استقلالها لتواجه حالة مجتمع يقوم اقتصاده على الغيث النافع، الذي إن تأخر، تتأثر البلاد والعباد. وعلى الرغم من أن الجهل والفقر كانا يطبقان على ليبيا. والبطالة تخنق شبابها، إلا أنَّ دعامات المجتمع المدني والأمن والأمان كانت تسود بنغازي. فنادرًا ما يتجمع الناس في المحاكمة لحضور محاكمة جريمة قتل، أو بسبب سرقة صارت حديث البلاد، ولعل حادثة اغتيال المرحوم إبراهيم الشلحي برصاص الأمير الشريف محيي الدين السنوسي يوم 4/10/1954م كانت الأكثر دويًّا في ذلك الوقت، لأنَّ القاتل حفيد المجاهد أحمد الشريف، وشقيق الملكة فاطمة، أما المقتول فهو ناظر الخاصة الملكية، ومرافق الملك منذ إمارة إجدابيا سنة 1916 م، وكان معروفًا بأنه كاتم أسرار الملك، مخلصٌ له متفانيًّا في خدمته، وكان لبقًا متواضعًا خيِّرًا، ولقد صاحب قرار محاكمة الأمير الشريف بالإعدام ملابسات أكدت استقلال القضاء، فالمحكوم ابن عم الملك وصهره، والملك رفض كل الوساطات بما فيها وساطة من ملكة بريطانيا، التي بعث لها السياسي المخضرم المرحوم صالح بويصير، برسالة سرية باسم الملكة فاطمة يطلب منها التوسط لإنقاذ رقبة الأمير، ولكن ما أن عرف الملك القصة حتى أصدر أمرًا بالقبض عليه، ولكنه تمكَّن من مغادرة البلاد، سنة 1955م متخفيًّا في ملابس سيدة أحضرتها له السيدة بديعة فليفلة عند زيارتها له. الحادثة وقعت قريبا من شارع مصراته كنت حينها مع بوبكر عكيز، وقريبا منها وسنتناولها في فصل آخر.


 وقد تكون هوجة البوليس، في القبض على الذين شاركوا في مظاهرة سنة 1956م الداعمة لمصر عبد الناصر بعد الاعتداء الثلاثي عليها، وإصرارهم على التطوع في جبهات القتال ببورسعيد، أيضًا من الأحداث المثيرة، بل والمضحكة أيضًا، فقد كانت وسيلة قوة دفاع برقة، التي كان يرأسها المرحوم السنوسي الفزاني، في القبض على مثيري الشغب في تلك المظاهرة، هي التصوير الفوتوغرافي من الأسطح المطلة على المظاهرة، ولعله من المضحك استدعاء البوليس لأولياء أمور عدد من التلاميذ منهم المرحوم عوض شمام باعتبار أن ابنيه، محمود والمرحوم محمد من المتهمين. كان عمر محمود في ذلك الوقت 10 سنوات!

هاتان الحادثتان، وربما جريمتا قتل، إحداهما ناحية الفندق البلدي، والثانية جريمة قتل عطية فضل، أحد شباب شاطئ الشابي، الذي ودعه حسن بشون بأغنية شعبية انتشرت في ذلك الوقت: «ودعناك عدي بالسلامة معرض خير يا لاوي حزام». لعل هاتان الحادثتان هما فقط ما ظلا طويلاً حديث المدينة، لم يفقهما ضجيجاً سوى محاكمة مَن تسببوا في أحداث 13و14 يناير التي سنتناولها لاحقًا. هاتان هما أبرز ما شغل أروقة المحكمة قبل نقلها، في مطلع الستينات، إلى مكانها الحالي بمواجهة شاطئ الشابي، وهي التي صممها المهندس فتحي جعودة، وكانت حينها من الإنشاءات المتميزة.

 

 وحلت المطبعة الحكومية مكان المحكمة، وصارت الصحف التي تصدر في بنغازي تطبع هناك، غير أن جريدة «الحقيقة» انتقلت بعد سنة من صدورها لتطبع بمطابعها الخاصة بالبركة. لعل انتقال المطبعة أمام مقهى سي عقيلة واحد من أهم الأسباب التي جعل منه مقهى متميزًا بنشأة طبقة مستنيرة انطلقت، وتوزَّعت مثل الشرر بامتداد ليبيا، ثم بعد تسلط القذافي إلى العالم.. فما السبب ياترى؟

 كان لمحمود شمام رفاق كثيرون أثناء دراسته الثانوية، ثم الجامعية، وأثناءها صار كثيرون من الطلبة الوافدين من طرابلس جزءًا من شلتنا وبالتالي شلة قهوة سي عقيل. والشيء نفسه كان لشقيقه المرحوم محمد، وكانت الحاجة جدته، وكذلك السيدة والدته ودودتين، حنونتين، بمثابة أم لهم جميعًا. حتى إن مربوعة المنزل، الذي يقع مقابل باب شارع «نبوس» تضيق بهم فيخرجوا إلى المقهى.

 كانوا في مجملهم نحو ثلاثين شخصًا سوف نذكرهم في مكان آخر من هذا السرد، ولأنهم في أعمار المعرفة والنقاش والتطلع إلى كل ما من شأنه يوسع مداركهم، كانوا يجدون كل يوم كُتاب تلك الصحف، إما ليسلموا مقالاتهم المتأخرة، أو لمراجعة نصوصهم، وكان النقاش واردًا في كل الأوقات: لم يغب أحد من كتاب وأدباء تلك الحقبة عن مقهى سي عقيله، هناك التقيت الأستاذ رشاد الهوني، أنيس السنفاز، صادق النيهوم، خليفة الفاخري، علي فهمي خشيم، عبد الله عبد المجيد، أبوبكر عمر الهوني، أحمد الحريري، السنوسي الهوني عبد القادر طه الطويل، محمد الشويهدي، حسن مسعود عثمان، حسين مخلوف، أمين مازن، محمد عبد الرازق مناع، سالم قنيبر...، وكثيرين كانوا بالنسبة لنا شباب تلك الفترة وأساتذة وموجهين وأصدقاء، وما زلت أذكر الود الذي تنامى بين محمد الترهوني والشاب أحمد الحريري، والمناكفة بين مفتاح مناع وحسن مسعود عثمان.

 ولقد انتشر، في ما بعد، رفاق قهوة سي عقيلة، باتساع ليبيا، والعالم.. كل يحمل ذكريات ومعرفة اكتسب منها ما تعلمه في مقهى سي عقيله، الذي ظل رواده خليطًا عجيبًا من وطنيين، وشرفاء، وصياع، وفقراء وأغنياء، خفيفي، وثقال الظل. منهم اللصوص والبصاصين والتجار والسماسرة والنجاحين والفاشلين.. والرجال وأنصاف الرجال. ولعل سي عقيلة سينظر إلى حالي ويمنحني فرصة أحدثكم فيها عن هذه التركيبة العجيبة التي عشت معها منذ بدء الوعي، الذي أذكره جيدًا منذ سنة 1953.

 القنصلية الإيطالية تلاصق مبنى المحكمة التي حلت المطبعة الحكومية مكانها. علاقة سي عقيلة بموظفي القنصلية الإيطالية متينة، كان يتفنن في إعداد الشاي بالقرفة لهم، وكان يضيف خلطة، لا أعلم من أين تعلمها، أو كيف ابتدعها يضيفها إلى القوة التي يشتريها من «مراجع اليوناني»، والخلطة أذكر منها القرفة، بذور الكزبرة، والهيل وأشياء أخرى لا أعرفها، وكان الإيطاليون يحبونها، ويقدمها لهم في فناجين مخصوصة، كان للقنصل طفلان، في مثل عمري، غالبًا ما يلعبان في حديقة القنصلية، ولا أدري كيف صرت صديقهما بل لا أذكر حتى كيف كنت أتفاهم معهما.

 وكانا كثيرًا ما يقدمان لي ساندوتشات طرية بزبد الفول السوداني، وذات يوم اقتسمت معهما نص بالفاصوليا، من سيدي عبد الرازق بوعصرانة، الذي يبيعها لنا من أمام مدرسة «الأمير»، فصارت تلك الفاصوليا وجبتهما اليومية المفضلة، اشتريها لهما ومن يومها انحرمت من ساندوتشات زبد الفول السوداني، ولكنني صرت أكسب قرشًا كل يوم من فرق شراء السندوتشات وبيعها لهم! كانت فناجين قهوة سي عقيلة تصل مستشفى شارع «بغداد»، سي عبد الرحيم الفقي لا يشعل سيجار «الدسكاني» الذي لا يغادر شفتيه، إلا بعد أن أقدم له «طاسة القهوة» لأنه لا يحتسيها في فنجان. بل أذكر أنني أحمل القهوة إلى مرسم سي عثمان الخطاط بشارع قصر حمد.

 

 

المزيد من بوابة الوسط