قهوة سي عقيلة (4) باب شارع نبوس

لمقهى سي عقيلة بابان؛ الباب الأول يفتح على شارع نبوس، وذاكرتي عنه تعاودني كحلم ضبابي؛ تأتيني كلمات سي عقيلة من فوق رأسي: «أمسك (الدومان) كويس» فأعتصر مقود الدراجة بقبضتي الصغيرتين منبهرًا بشارع عمرو بن العاص. و(عربيات) التي تجرها الخيول، وهي تهز رؤوسها مع رنين الأجراس الكبيرة. أما الحمير والبغال فتجر «الكراريس» ذوات العجلتين، بعضها محمل بقفف كبيرة، وهناك كروسة تحمل عنزًا قوائمها موثقة، (تتغو) على طول الطريق، و«الكاروات» بأربع عجلات، بعضها محمل بصناديق خشبية مربوطة بشرائط فولاذية، يشد صاحبها اللجام مدلّيًا قدمية أسفل من جهة مسطح العربة الأيمن مطلقًا لصوت بتثبيت لسانه بين أسنانه: «طق، طق، طقطقطق..ار» يتناغم مع وقع حوافر البهيمة.

درّاجات في مواجهة دراجتنا، وأخرى تسبقنا. ألتفتُ نحو سيارة عسكرية تحمل جنودًا بشعر أشقر وعيون ملونة. نعبر مدخل شارع العقيب المطل على (بيصا كاني)، ثم شارع الحشر، البزار، قصر حمد، الرعيض، اللواحي، أسنيدل لنصل ناصية شارع نبوس. ينزلني سي عقيلة يرفعني رجل مهيب بجرد وصدرية مزركشة، لم أر والدي يرتدي مثلهما: «سيدك بوشناف نبوس» ومنها ظللت لسنوات أعتقد أنه يملك شارع نبوس، حتى بعد أن عرفت فيما بعد سيدي يوسف نبوس الودود، وعوض سفري وبقية آل نبوس، لم أقتنع بأحدهم كصاحب الشارع إلاّ سيدي بوشناف، وضعني بمقعد (كليس) أنيق بمقعدين فقط، حصانه الأبلق مربوط بشجرة أمام المقهى. سألته: «أمتاعك؟»، أجابني: «لا. امتاع إبراهيم». إبراهيم ابنه الذي يكبرني قليلاً، عرفت فيما بعد إخوته الكبار أبوبكر ومحمد، ويغيب عني إبراهيم ويظل أبوبكر، أما محمد فقد التقيته شابًا ولم يعرفني عندما قدمني إليه مصطفى الكرامي، بمكتب يوسف الشيباني، بحضور مفتاح شرمدو، كانوا من رجال الوطن الجيدين الخيرين. وانتقل محمد إلى طرابلس ومنها ترك البلاد، وهاجر إلى مصر، وأصبح مع اخيه ابراهيم ورفاقه من رجال ليبيا الذين ساهموا في تأسيس صناعة السيرامك والحصر، والعديد من الصناعات الناجحة. ولم ألتقه إلاّ في تسعينات القرن الماضي من بعد عودته من المهجر. وجدته حينها يشرف على مسجد لا تعلم سوى قلة أنه من شيده بمنطقة بوهديمة ونسب إلى شخص آخر. رحمهم الله جميعًا، وأطال في عمر إبراهيم والكرامي، اللذين سيكون لهما حديث آخر بتواصل سردنا لهذه السيرة.

لا أذكر متى رأيت، محمد ومحمود شمام، أول مرة، ولا عبدالمجيد الدرسي، ولا محمد ومصطفى وعوض السمين، ولا حسن الهنتاتي، ولا محمد خليفة الترهوني وخالد المصراتي، والحبشي ومصطفى وميلاد عاشور، ولا موسى التاورغي، ولا محمد قمر، ولا صالح وحسن قطيش، ولا عبد القادر قطيش، ولا (سي) محمد اخليف، ولا جمعة سلكات، ولا فرج الرعيض، أو «عصفور» مثلما لقبه محمد الترهوني، تمامًا مثلما لقب خليفة الرعيض بخليفه جلهوم. ولا رمضان ورجب اللواحي، ولا محمد المغبوب وحمد بورقيد وحسن زفير ومنصور الفقي والغرياني والعاقوري ومخزوم، وحمد وخليفة العمامي أبناء خالي عثمان . وكثيرون غيرهم من جيلي. ولكنني أتذكر متى صارت قهوة سي عقيلة مثل ناد لصبية في عمري، يعاملهم سي عقيلة وكأنهم أبناؤه.

وكان آباؤهم مطمئنين أنهم تحت عينيه، بعضهم زملاء فصلي، وبعضهم من عيال المنطقة. ثم انضم إليهم رفاق محمد ومحمود شمام، فلقد كان بيتهم المجاور لمقهى سي عقيلة بمثابة نقطة تجمع لهم منذ دراستهم الإعدادية والثانوية ثم الجامعية، فمن رفاق محمد شمام: محمد محمود زيو، رافع القاضي، محمد النيهوم، محمد الورفلي، صالح بودجاجه، محمد المسماري، عمر الأثرم، محمد الخرم، محمدالفزاني عوض عبد الحفيظ شمسه، ثم لحق بهم من تعارفوا عليهم في الجامعة، أما رفاق محمود شمام منهم عبدالحميد البرعصي، عبدالمطلوب الريشي، محمد زايد السوداني، يونس البرناوي، محمود رشيد الكيخيا، حسين السلاك، صالح المطردي، ثم لحق بهم طلبة الجامعة. كلهم صاروا من رواد قهوة سي عقيلة، ولم تنقطع صلتهم به أبدا، حتى بعد أن غاب بعضهم لسنوات خارج ليبيا، كانوا يزورون مقهاه، أحيانا قبل زيارة بقية ذويهم عندما يعودون من خارج ليبيا.

 


لم يُرصف شارع نبوس إلاّ في أواخر خمسينات القرن الماضي. ما زلت أتذكر حفرة في منتصف مدخل الشارع، تصير كفسقيه يفيض منها الماء لسويعات بعد انحباس المطر، ولا يجف ماؤها إلاّ بعد ثلاثة أو أربعة أيام، يقول سي عقيلة:

- «إنها من قنبلة، لم تنفجر، أسقطها طيار إنجليزي غبي، بينه وبين معسكر (السيقنن) خطوتين. أتعرف؟ بعدما احتل الإنجليز بنغازي وصارت هدفًا لطائرات الألمان والطليان؛ كانت قنابلهم تسقط فوق خوذات الإنجليز، وإن أخطاءها تقع بين أقدامهم، وهم في المراحيض.. إي والله! صحيح الإنجليز انتصروا، لكن الطليان عباقرة، لو فقط هتلر ترك القيادة لموسوليني لما عاد عسكر (القرنقا) ولا (المصوعة) إلى بلدانهم!».

سي عقيله منحاز تمامًا للطليان، وأنا لا أريد أن أعطيه فرصة ليحدثنا عن شارع نبوس، لأنه سوف يسخر مني وسيقول مثلما يقول لعمي (سعد عينيه) وبل وحتى لسي بوشناف نبوس، ما معناه أنه «ليس هناك مقارنة بين شوارع النصارى: شارع محمد موسي، فياتورينو، زواره، سانتا بربرا. وبين شوارعكم! لن ترى كناسه أبدا في تلك الشوارع. القمامة في براميل أنظف من زير قديدكم. وما ترى الذباب إلاّ منطلقا من (بيصا كاني) نحو الفندق يشتم في النصارى وشوارعهم. ليس هناك ذباب- يا عينيه- نصارى ونصرانيات فقط ، وموزيكا.. و(فينو!) وبس !! فهمت؟».

ولكن شارع نبوس حالة فريدة في خمسينات وستينات القرن الماضي لم يتفهمها سي عقيلة بسبب معيشته كصبي فقير، يتيم، محروم من التعليم، عمل منذ صغره مع سنيور إيطالي، يبدو أنه كان يعطف عليه، فصار يرى فيه الكمال. لا يدرى أن شارع نبوس كان ثريا بسكانه الذين تميزوا بحسهم الوطني والأدبي. ففي منتصف الشارع عاش الشهيد المناضل محمد فرج حمي، الذي استشهد، في مطلع سبعينات القرن الماضي، تحت التعذيب بسبب قناعته بحزب البعث الذي كان جيله يرى فيه الخلاص من التخلف والسبيل إلى حياة كريمة. وفي أوله عاش أيضا الشهيد المناضل عمر دبوب الذي عاد معي على الطائرة نفسها من طرابلس، بعد أن برأته المحكمة، وأطلقوا سراحه، ولكنهم استدعوه بعد يومين فعاد إلى طرابلس، وعلى نفقته، مطمئن البال، ليحاكموه من جديد، ويصدرون حكما بإعدامه، ثم شاهدتُ بأم عيني وحوش النظام يشنقونه في ساحة ميدان الكنيسة يوم7/4/1977، ورأيت من أوثق الشهيدين عمر دبوب ومحمد بن سعود بسلك كهربائي التقطه عندما أخذت أرجلهما تقاوم الخنق، فلم يكن الذين نفذوا الشنق يعرفون سبل تنفيذه، لأنهم لم يشنقوا أحدا في شوارع البلاد منذ قيام دولة المملكة الليبية المتحدة.

في منتصف الشارع، يسكن الأستاذ المربي حذيفه الهوني وأخواه: عباس وأستاذنا الكاتب أبوبكر عمرالهوني، الذي صحح لي أول مقالة ونشرها في جريدة العمل في منتصف ستينات القرن الماضي. وغير بعيد من مسكنهم، يقع منزل الصحفي النشط حسن مسعود عثمان، وأمامه منزل على ومحمد وصالح المساري، وبالقرب منه يقع بيت السنوسي شمسه ثم بيت الحاج محمد السنكي؛ والد أحد معارضي النظام السابق الكاتب الباحث في تاريخ ليبيا شكري السنكي، وعمه الحاج مصطفى، تاجر الأقمشة الشهير، الذي تسمى رداء نسائي نسج في معمل شفيق باسمه «طريق السنكي»، وغير بعيد منزل لاعب النادي الأهلي الكبير مصطفى المكي، الذي بسبب ما يسجله من أهداف يمتلئ الشارع بالأهليين وترتفع الهتافات وتقرع الطبول، أما منجرة أخيه محمود، وشريكه الهادي الرعيض فكانت بجانب منزل التاورغي والشهيد دبوب.

ثم كانت تواجه بيتنا من بعد انتقلنا من محمد موسى إلى نبوس، وكأنه مكتوب علىّ أن أنام وأصحو على صراخ الأخشاب تحت أسنان المنجرة، ففي محمد موسى كانت منجرة عزالدين المدني، والد أسعد النجار أيضا، والضابطين فتح الله وعبدالسلام، وكمال زميل دراستي الجامعية. ثم باعيت المنجرة إلى عبد الله خماخم، الذي صارت شقيقته من سيدات شارع نبوس من بعد أن تزوجت من محمد ابن الرجل الطيب الهادي رمضان القرقوري، ثم أسرة المخرج عوض السمين، وبيت المحامي العصامي عبد الحميد الرعيض، الذي يقع في مواجهة (دكان الزعيم) ومنزل ميلاد وعلي المسلاتي.

وعائلة سليمان عبدالصمد وتتوزع بامتداده بيوت أسر: قطيش، بن خيال، ومن بعده رجب الدرسي، الفقي، عاشور، أخليف، حمودة. نبوس، أرحيم، التاورغي، قمر. كان شارع نبوس متميزًا بموقعه وتركيبته، وفوق ذلك كله ناسه الذين لم ترهبهم الفلقة، لا وهم أطفال في جامع سيدي محمد، ولا هم شباب يتحدون الطغاة. وبمدخل الشارع من بعد منزل رفيقنا حسن الشويهدي (زفير)، الذي يواجه باب قهوة سي عقيله المفتوح على شارع نبوس، يقع مسقط رأس المناضل الإعلامي محمود شمام، الذي لولا لطف الله وضمير ابن بنغازي النقي سعد بن عمران رئيس المباحث آنذاك، لأعدم مع الشهيدين عمر دبوب ومحمد بن سعود. فلقد أبلغني باعتبار أني صديقة أن محمود على رأس قائمة المطلوبين.

ونصحني بتحذيره من مغبة عودته إلى ليبيا. كان محمود وقتها مرافقًا لوالدته بألمانيا. كان محمود قد تحصل على إذن بالسفر بجهد كبير من صديقه حسن البكوش - شكشوكه - ومساعدة على عباس. وعلى إثر تاكيد صديقنا سعد بن عمران ، سافرتُ إلى إيطاليا وحذرته فرحل من هناك إلى أميركا لتطول غربته أكثر من خمسة وثلاثين عاما. ثم توج الشارع تاريخه، من بعد انتفاضة فبراير2011 بالشهداء الذين سقطوا دفاعا عن بنغازي.

كانت ثلاثة موائد عامرة طوال الفترة المسائية بنخب من طلبة كانوا رفاق محمد ومحمود شمام من المرحلة الإعداية حتى الجامعية، ثم توسعت هذه النخب برفاقي الذين عرفتهم في نظارة الأشغال، الذين عرفوني على أصدقاء من سيدي حسين، أبرزهم إبراهيم سعد الربع، وأصدقاء من شارع حموش وتوريلي والشابي على رأسهم عمر عبد الله بن حميد. أحد الصور تضم هذا الخليط كانت بمناسبة اجتماعية أثمرت سعد، وطارق، وطلال، وفرج، وسليمان وسيدتين وسعتا من أصهار سي عقيلة.